فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      انجُ سَعْد .. فقد هَلَكَ سَعيد!

      لا يصعب على أيّ محلل سياسيّ، أو مُراقبٍ للأوضَاع في مصر، أن يَتنبّأ بما سَتكون عليه الأحوال السِياسِيّة فيها بعد أن أحْكَمَت جَماعَة الرِئاسة وأتَباعُ النِظَام المُتَحَكِّم قبضتها على السُلطَة التشْريعية الصّورِية المُتمثلّة في مَجلسِ الحزبِ الوطنيّ المَعروف بمجلس الشَعب، وشَغَلَت كافَّة المَناصِب التنفيذية بأفرادٍ من المُتواطِئين وأصَحابِ المَصَالح على إختلاف دَرَجاتهم، إبتداءاً من وجْه الإجرام أحمد عز، والعِلمَانيِّ المُلحِد أحمد نظيف، إلى عمّ رَجَب (مدير عملية التزوير في أحد الدوائر)، الذي يُمَثلُ رَجل الشَارِع الذي بَاعَ دِينه وشَرَفه ليَضْمن قوتَ عِياله. هذه الأحوال تُنبؤ بفترة قادمة من إحْكام القَبضة الأمنية إحكاماً فولاذياً، وتَصْفية الحِسابات مع أولئك الذين تَجرؤا على نقد عَملية التوريث، سواءاً من منطلق دينيّ أو علمانيّ، ووقفوا ضدّ النِظَام المُتَحَكِّم فيما يريده بالبلاد.

      وعلى رأسِ هذه الجهات جماعةُ الإخوان المسلمين. والإخوانُ، في عصر السادات، قد كان نشاطهم متجه اساساً للسيطرة على إتحادات الطلبة، وعلى تهيئة عناصر قيادية، وقليلٌ من الإنتشار الجماهيريّ، بين الطلبة. وهذا التكتيك، رغم ما شابه من الكثير من الأخطاء التى لا محلّ لتناولها هنا، كان لايزال قريباً من الطريق الأفضل لتحقيق غرضِ الجماعة الإسلامية، ثم حين انتهى حُكم البلاد إلى يد حُسنى مبارك وعصابَتُه، انحرف بالإخوان الطريق، إما سذاجة وإما ضَعفاً أواستعجالاً للنتائج، فقد التزموا طوال الثلاثين عاماً الماضية بخطّ العمل السِياسيّ من خلال البرلمانات ومجالس الشعب وخوض الإنتخابات! وقد دونّا العديد من المقالات التي تُفنّدُ صِحة أومشروعية هذا الإتجاه، نقداً ونُصحاً، بناءاً على عدم مشروعية العمل من خلال مَجالس مَبنية على غير ما أنزل الله من شرائع (على رغمٍ من محمد سليم العوا!)، ثم بناءاً على إنعدام مِصْداقية هذه الأنظِمة فيما تَقول وتَفعل، وفيما تَمنَح وتَمنَع، ثمّ بناءاً على الحِكمة القائلة بأن الحُريةَ تُؤخذُ ولا تُعطى، تُنتَزَعُ ولا تُوهَب. وقد أثبَتَت الأحداثُ المتوالية خلال العُقود الثلاثة الماضية، مرة تلو الأخرى، فَشلَ هذه الرؤية الإخوانية وسَذاجة تبنِّيها، ليس في مصر فقط، بل وفي بلاد عربية أخرى، إلا أنّ صَلابة العقلية الإخوانية، وضَعف الخلفية الشرعية لمنظريها، قد سبّبَا في تلاحق هذه الكوارِث على أبنائها، مرَةً بعد مَرّة. وقد وصَلت الأمور أخيراً إلى غَايتها، حيث ألقاهُم النِظَامُ المُتَحَكِّم جميعاً خَارج السَاحة السِياسية بالقاضية، بل اسْتكثَر أن يتَحدّث عنهم رؤوس النِظَام المُتَحَكِّم باسمهم، فكَنوا عنهم ب"المحظورة"، هكذا بلا كلمة جماعة ! فعَاد جَهدهم في الحقل السياسيّ خلال ثلاثين عاماً أثراً بعد عين، ولا حول ولاقوة إلا بالله. ونَحسَب أن الجَماعة سَتدخلُ مُواجهة من طَرفٍ واحد، مع النِظَام المُتَحَكِّم حيث يعتقلُ النِظَام المُتَحَكِّم أعضاءها رؤوساً وأفراداً، ليتخلص من أيّ تحرّشاتٍ ممكنةٍ في السَنة القادمة التي ستحسِم موضُوعَ التوريث مرة واحدة.

      ثم الجماعةُ السلفية التي لم تشارك في مهزلة العملية السياسية، على حقٍ في ذلك، فالرؤية الحالية تقترح أنّهم سيخوضون كذلك مواجهةً من طرفٍ واحدٍ مع النِظَام المُتَحَكِّم، بدأت بوادِرُها بالقبض على الشيخ عبد المنعم الشحات. والسلفيون الشرعيون قد تبنوا رفض العملية السياسية من أولها، إلتزاماً بالرؤية الشَرعية في ذلك، وحِفاظاً على البُعد العقديّ في المسألة، وشَغَلوا أنفسهم بِنشر كَلماتِ الله وما صحّ من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن هذا البعد عن الحلبة السياسية لا يجدى في وقف العدوان على كَوادرهم وقِياداتهم، وإن كان تكتيهم بعدم وجود جَمَاعة مُنظمة ينتسِب لها المُنتسبون، سيقللُ من فُرَص ضَربِ الحَركة السَلفية ذاتِها.

      أما عن بقية المُعارضة، كحزب الغد (شقّ أيمن نور)، فقد بدأت بالفعل خطوات الخلاص النهائي منه بحرق مقره الرئيسي! بل قد تعدّى الأمر إلى مُطاردة بعض أعضَاء من الحِزب المُتَحَكِّم نفسه حين اعترضوا على بعض المُمَارسات التزويرية الشَاذة بين أعْضَاء الحِزْب.

      أما عن أحزاب الوفد والتجمع، فقد أظهرا أفشل أداءٍ في هذه الإنتخابات الصورية، إذ لم ينجح تواطأ البدوي مع السلطة لإغلاق الدستور في كسبه مقاعد بالمسرح الهزليّ البرلمانيّ، ولم يفهم البدوي أن النِظَام المُتَحَكِّم لن يسمح لأي صورة من صُورِ المُعارضَة للتواجدِ في المجلس حتى لو كانت متواطئة، إلا أن تكون عاملة من داخل كوادر الحزب بشكل إعارة للأحزاب الأخرى.

      أما البرادعيّ، فنعتقد أنه قد انتهى أثرُه، وانقضى دوره، وأصبح حلمه وحلم الشباب الذي التف حوله أثراً بعد عين. بل لا نحسبه ناجياً من تَحرّشات النِظَام المُتَحَكِّم إذ بَدأت بالفعل في مُضايقاته في صَالات القادمين بالمطار.

      لقد عَلِمَ النِظَام المُتَحَكِّم أنّ المعارضة قد فَشَلَت في تَوحيد صُفوفها، وفي مُقاطعة هذه العَملية التزويريّة الشَنيعة، فأحسنَ استِخدام ما تهيّأ له من إمكاناتٍ مادّية وعَسكرية لنزعِ فَتيلِ المقاومة بالكَامل. وأعلن دون استحياء أنّ عُنوانَ المَرحلةِ القَادمةِ هو "انجُ سَعْد .. فقد هَلَكَ سَعيد!