وصلتني رسالة على الموقع من أخ كريم "محب لأهل السنة" يتساءل فيها عن سبب تراجع معدل الكتابة في الموقع وعدم نشر كلمة الأسبوع بشكل مستديم كما تعّود منا قراؤنا الكرام.
والحق مع الأخ الكريم "محب أهل السنة" فيما لاحظ، والشكر له على إهتمامه وتوجيهه، وإنه لأمر جدير بالتفاؤل والبشر أن أعرف أن لنا قراء يحرصون على حمل هدفنا كما نحرص عليه سواء بسواء، وكفى بهذا نجاح ولله المنة والفضل.
ثم، إن أمر الكتابة أمر عجيب، فهي كالإنسان في تقلب أحواله وتبدل شؤونه، مرة هي إلى شِرّة ونشاط واندفاع وحيوية ، تستجيب إلى كلّ نبضة من نبض الواقع بما يبين موقعها ويحدد مجراها ويستنبط مرساها، ومرة هي إلى فـِتْرة وتكاسل وتثاؤب، لا يكاد يوقظها إلا هز الزلازل ونزول الصواعق. والكاتب يتردد بين هذين الموقفين يغلب عليه النشاط تارة وتهزمه الفِترة تارة أخرى. والسعيد من استكثر من الأولي وتخفف من الأخرى.
هذه واحدة، والثانية، أني قد عاهدت الله سبحانه، وعوّدت نفسي منذ حملت قلم الدعوة في السبعينيات من القرن السالف، أن لا أكتب إلا إن حزمني أمر رأيت أن لي فيه قول جديد مفيد، وإلا إن كنت أبّين حقاً وأوضح سبله أو أن أكشف باطلاً وأفضح عواره، إذ إنى لست بالكاتب المحترف الذي يتخذ من المقال وسيلة للعيش، ولن أكونه بإذن الله تعالى وفضله، فالكتابة بالنسبة لي هي أداة الدعوة التي مهدها لي الله سبحانه، ولا أرى أن تكون إحترافاً وأن أكتب لغرض الكتابة وإن لم يحزمنى أمر ولم يكن عندى جديد مفيد لسبب من الأسباب التي ذكرت طرفاً منها. ولا يعنى هذا بطبيعة الحال أن الجديد المفيد قد نضب معينه وقلت موارده، بل إنه لا زال الجديد المفيد كثير ينتظر من يرد موارده، كذلك فإن الحق لا ينتهى بينانه والباطل لا يخمد صوته، ولكن الأمر مرجعه إلى الكاتب وإلى ما يمر به من ظروف خاصة أو عامة يتقدم فيها أمر مهم على أمر أهم، إلى حين.
ثم بعد هذا وذاك، الإخوة الأحباب من محبي أهل السنة، ولا أكذبكم القول، فوالله إن النفس قد إعترتها حالة من اليأس المضنى إذ وجدنا أن الأمة تراوح في مكانها بعد طول الصراع، بل وإن الباطل، كما هو شأنه على الدوام، يظهر وكأنه قد علت شِرَعَه، وتسارعت مراكبه، وأن قوى الحق قد توارت بين الحجب وتخاسفت بين طيات الأرض، فالحكم قد وقع أسير الكفر، والسلطان لا يذيع إلى ما يزيغ القلوب ويقدح الشهوات، والشيطان قد أُطلِق سراحه يرتع كما يشاء بين أبناء الأمة بعون سفراء السوء في كافة مجالات الحياة، وظهر غضب الله سبحانه بما ضُربت به الأمة من نكبات أخيرة متوالية، بين حريق وغرق وهدم، فغفرانك اللهم.
لكنى أعلم، أحبائي، أنّ الأيام كما قال تعالى "نداولها بين الناس"، وهو حقّ في حياة الأفراد والأمم على السواء، وأنّه كما أنّ دولة الكفر والظلم والفسق لن تدوم، فإن أيام الفترة لن تدوم إن شاء الله تعالى.