فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      حياة المعاني .. ومعنى الحياة

      حين يتحدث القرآن الكريم عن معنى من المعاني التي يتوجه بها إلى النفس الإنسانية لينشأ فيها خصلة من خصال الخير فإنما يقصد إلى أكثر من أن يقرأها الناس وأن يتفهموا معاني كلماتها، بل يقصد القرآن إلى أن يعيش المرء هذا المعنى وأن يكون جزءاً من حياته وطبيعة سارية في نفسه قبل أن يقرر أنه قد فهم واستوعب هذا المعنى. فحين يقول المولي عز وجلّ :"وآتي المال على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا"، حين يؤتي المرء من ماله الذي يحبه، ويود أن يحوز منه ما استطاع، من يحتاجَه أكثر مما يحتاجُه، مسكيناً أو يتيما أو اسيرا، ثم لا ينتظر كلمة شكر أو إيماءة عرفان، حتى وإن بذلها الآخر، فإنه يعرف ساعتها المعنى الحق لهذه الآيات ويقف على معنى من معاني الحياة التي أراد الله سبحانه أن يحياها المسلم. حين قال الله سبحانه "وفي السماء رزقكم وما توعدون" فإنما قصد إلى أن يُحيِ المسلم هذا المعنى فيحيا به، لا قلق ولا ندم ولا حسرة على فرصة ضاعت أو مال فُقد، حين يمارس المرء هذا الشعور لا بكلام وتشدق بل بممارسة فعلية حين يفقد مالا أوتضيع منه فرصة يظنها سنحت، ساعتها يعي المرء هذا المعنى حقيقة حين يحياه لا حين يقرأه ويتأمل معناه. فإحياء المعاني يكشف معنى الحياة ويجعلها صفحة مكشوفة لا لغز فيها ولا أسرار. لذلك كان الصحابة رضى الله عنهم يقرؤون آيات معدودات من القرآن ثم يقفون عندها يفقهون معناها قبل أن ينتقلوا إلى عشرة بعدها، وما هذا إلا لأنهم كانوا يحيون ما في الآيات العشر، حياة حقيقية لا نظرية، ويمارسونها شعورياً وعملياً.

      والمرء يدرك معاني عديدة في الحياة من خلال ما يمر به من مشكلات وما يواجه من تحديات في حياته الشخصية، فمثلا حين يبتلى المرء في ابن من ابنائه بمرض أو أسر فإنه يعرف، ولم يكن له أن يعرف من قبل، معنى الصبر على البلاء ومعنى فقد الصلة بالولد والإبتلاء به، وهو أمر لا يعرفه، حق المعرفة ويقينها، إلا من عاشه.

      هذا ما قصدنا اليه من أنّ الله سبحانه إنما أراد أن نحيا حياة قد أقام معناها مكتوبة في القرآن ثم حيـّة في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لذلك فإن قراءة التفسير ليست إلا خطوة أولي في سبيل فهم معنى من معاني القرآن، يجب أن تتلوها خطوة أهم وأعسر، وهي إحياء هذا المعنى وبعثه في الحياة، حينها ينكشف معنى جديداً من معاني الحياة، وعلى قدر ما يحيا إمرء من هذه المعاني، على قدر ما يتيسر له فهم معنى الحياة التي يعيشها على ظهر الأرض، فإن أُغلقت عليه كلّ هذه المعاني، فلا حياة له، بل يصبح كالحيوان الذي يسعى ببدنه دون عقل أو شعور.

      الأمر إذن، لمن أراد أن يفهم معنى الحياة يكمن في إحياء المعاني القرآنية، أي إن معنى الحياة هو في حياة المعاني.