فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      في ذمة الله ...

      وصلني أمس خبر أورثني حزناً على حزن، وألماً لا أظنه ينقضى مع الأيام وهو خبر وفاة أخي وصديقي ورفيق عمرى محمد زكي السيد، وداعبني الأمل أنه ربما يكون خبراً مكذوباً أو مغلوطاً حتى تأكد الخبر حين اتصلت بمصر وعرفت أنه قد لحق بجوار ربه صباح الجمعة السابع والعشرين من يونيو 2008، فكنت كما قال المتنبي:

      طوى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ     فزعــــت فيه بآمـالي إلـى الكــذبِ

      حتى إذا لم يدع لي صدقه أمــلٌ     شَرَقتُ بالدمعِ حتى كاد يشرُق بيِ

      كان زكي، ولا نزكيه على الله، رجلا من بقية الرجال، وقليل ما هم، وديعاً ودوداً رفيقاُ في غير ضعف، لا يدع مجالا لأحدٍ أن يغضب منه أو يحنق عليه، عطوف على من حوله، تتوازن عنده أحكام العقل ونزعات العاطفة فلا يتحكم أحدهما في تصرفه إلا بمقدار ما يراه ملائماً. كان زكي رجلا يعتمد عليه إن قال صدق، وإن وعد لم يخلف، فهو أبعد ما يكون من خلل النفاق وصفات المراءاة. وكان، فيما أحسب، رجلا صاحب دين لا يترك صلاته ولا صيامه ولا زكاته، دائم النظر فيما يهم أمر المسلمين، صاحب يد عليا وخير على المحتاج.

      كان أول لقائى بزكي في مدرجات كلية هندسة القاهرة عام 1965، حيث نشترك سويا في اسم محمد، ومن يومها، منذ أكثر من ثلاث وأربعين عاماً ونحن كإخوة بل والله أفضل وأقرب، وكان زكي قريباً مني عائلياً إذ كان يأتي للإستذكار مع أصدقائى الأقربين في بيتي بشكل شبه مستمر، فعرف والدى ووالدتي، رحمة الله عليهما، معرفة قريبة، وكانا يحترمانه ويريان فيه العقل والإتزان أكثر مما يرونه فيّ! وكم من ليلة قضيناها في الدرس والضحك والحديث، وكم من مغامرات الشباب تداولناها، وكان رحمه الله لا يفتأ يذكّرني بها كلما التقينا ويضحك منها أي ضحك كأنما حدثت بالأمس القريب. ولا تزال ضحكته ترن في أذني حين كان يسرد لي، ولغيري، ما حدث لي في الإسكندرية في صيف 1968 من "تلبك معوي" مما أجبرت نفسى على تناوله! وعن مهمته التي قام بها لبيتي في العجوزة ليستخرج لي بعض المال من والدتي بعد أن نفذ رصيدي منه في هذا الصيف وبعد أن فشلت في أن أطلب من أبي أن يرسل لي بعضه!

      كان زكي رجلا ناجحاً بكل ما تعنيه الكلمة، ناجحاً في بناء شركته الإستشارية وسط منافسات عاتية لا تتورع أن تسلك مسالك الخسة لتصل إلى تحقيق مصالحها، ولكنه كان شريفاً مستقيماً في عمله، كما كان في حياته الشخصية، فهو "رجل عائلة" لا يقدم شيئ على مصلحة بيته وأهله، وأنجب ذرية صالحة بإذن الله على خلق وتربية وعلم. كان ناجحاً مع أصدقائه فأحبوه وأكبروه واحترموه وباحوا له بمكنونات صدورهم ثقة بنزاهته وأمانته، كما كان يبوح لي بما يثقل على صدره من مشكلات لا تخلو منها الحياة العملية أو الشخصية، فنتشارك في الرأي ونتبادل النظر وأعطيه من تجربتي في الحياة ويرده لي من تجربته.

      فاجعتي، وفاجعة أصدقائنا الأقربين فيه أكبر من أن تصفها كلمات محدودات، وعزاؤنا فيه أنه انتقل إلى دار الحق حيث لا كبد ولا مشقة، وأن الله سبحانه اختاره ليفارق هذه الدار قبل صحبه ورفاق عمره تكريما له وشفقة عليه. تغمده الله بواسع رحمته وتقبله عنده في الصالحين.