الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
حيرةٌ قرأتها في تعليق أحد قرائنا، وإن شفعها بآية، لمزَنا فيها لمزاً رقيقاً، فأردتُ أن أبيّن وجه الحق في أمرها، لعله خيرٌ لي وله ولكافة قرائنا الأحباء. وقد قسّمت هذا المقال إلى ثلاثة أقسام، معنى الرموزية (ونقصد بها الإنتماء إلى طبقة الرموز) وما المقصود بالرموز، ثم حدود الرموزية ومجالها، ثم من لنا إذن ..إذا سَقطت الرموز.
أولاّ، معنى الرَموزِية، حين نتحدّث عن رمز من الرموز فإننا نعنى قامة من القامات التي برزت، في مجال من المجالات، فتجاوزت أندادها، وعزّ أمثالها، وكبرت حيث تضاءل الآخرون، ونطقت بالحق حين سكت المُدّعون. حينها تصبح هذه القامة رمزاً لذاك الأمر الذي برزت فيه، وتصبح علماً عليه وهو علم عليها، وتشخص أبصار الناس اليها حين يُذكر هذا المجال، ولا يتعدى أحدٌ برأىٍ على ما تقول إلا إن حَمل دليلاً قاطعاً، فسبحان من لا يخطئ.
هذا هو المقصود بالرمز، لا أقل من ذلك. وهو ما يشير إلى إننا هنا نتحدث عن ظواهر لا تتكرر في مجال من المجالات. كما إنه يشير إلى الفرق بين من كان رمزاً وعَلَمَاً، ومن كان معروفاً في مجال من المجالات، أو له جهدٌ فيه. الأول شمسٌ تنير طريق السائرين، وتهدى إتجاه الحائرين، والثاني كويكبٌ مُعينٌ للسير على الدرب، يتلمس فيه السارى بعض ما يَغْمُضُ عليه، في بعض مواضع الطريق. فشتان ما بين الطبقتين.
ثانياً، حدود الرّموزية ومجالها، فمما تقدم، يتّضح أن الرمز عادة ما يكون في مَجالٍ من المجالات، إلا ما فذّ عن ذلك من المعدودين على مرّ التاريخ البشري والإسلاميّ، عَدا أنبياء الله عليهم السلام أجمعين، وصحابته الكرام رضى الله عنهم، من أمثال الإئمة الأربعة، والبخاري ومسلم، وبن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب. كما يكون الرمز في المجالات الدنيوية كالحَسن بن الهيثم في البصريات، وجابر بن حيان في الرياضيات، وبن خلدون في الإجتماعيات، أو عالمياً كنيوتن وآينشتاين في علوم الطَبيعة والرياضيات. هؤلاء، لا يذكر العلم الذي نبغوا فيه إلا وذُكرت أسماؤهم، صراحة أو تضميناً.
هذه واحدة، والثانية، مما يجب أن ننتبه له في هذا الأمر، أن سقف الرموزية يختلف من عصر إلى عصر، حسب هبوط وانحطاط العصر عما سبقه. ونحن نعيش عصراً قد انحطت فيه العلوم، وفقدت فيه الرؤوس بلا شك في ذلك، ليس في مجال علوم الإسلام فحسب، ولكن في كافة مجالات النشاط البشريّ، حتى العلماني منها. الزمن الذي مضى كان على رأسه أحمد شاكر مُحدثاً ومحمود شاكر أديباً وسيد قطب مفسراً ومفكراً، والشنقيطي مُجتهداً، ونجيب محفوظ قَصصياً، والحكيم مسرحياً والرافعيّ أديباً وأحمد شوقي شَاعراً، ومصطفى النحاس سياسياً (علمانيا). فإذا بنا نَعيش حَضيض علاء الأسواني، وفؤاد نجم، وشَعبلة، ويختفى الأدب من حياتنا بالكلية، وتخرج علينا قصار القامات في كل مجال من مجالات الشريعة، والسياسة والفكر، فكان علينا أن نقنع بمحمد عمارة وفهمى هويدى مفكرين ومبدعين، وبالغنّوشى والترابيّ مُجتهدين مُؤصِّلين، ولا حول ولا قوة إلا بالله رب العالمين.
في ظلّ هذا الإنحطاط الفكري والشَرعيّ والسياسيّ، يبرز من اعتبرهم العامة وطلاب العلم من الرموز الإسلامية التي ضارعت هاماتها أصحاب السبق والتقدم. فوجدنا على الساحة أسماء حجازى يوسف (المعروف بإبي إسحق الحويني)، ومحمد عبد المقصود، ومحمد حسان وغيرهم في مجال العلم والحديث، ومحمد بديع وعصام العريان ومحمد مرسى وأمثالهم ممن يمارس خليطاً من الدعوة والسياسة.
ولو أنصف المحققون، لوجدوا أن هؤلاء ليسوا رموزاً على أي مستوى من المستويات، كما عرفنا الرموز من قبل. فإنه ليس لأيّ من هؤلاء ما يختصُّ به مما يجعله رمزاً في علمه! فإنك إن اطلعت على ثبت كتب حجازى يوسف (الحويني)، لم يجد فيها ما يقرب من التجديد أو الإضافة بحالٍ من الأحوال، إنما هي مجموعة من التحقيقات والتخريجات واتباع الأسانيد وتحقيق درجاتها أحاديثها وصحتها، على بعض الكتب مثل فضائل القرآن لإبن كثير، أو فضائل فاطمة لأبي حفص بن أيوب البغدادي، والتعليق على أحاديث بعض الكتب ككتاب بن جارود. وهذه النوعية من التحقيقات، وإن كانت مفيدة إلا إنها لا جديد فيها ولا إضافة، ولا تغنى عن غيرها، بل هي أشبه ببعض رسائل الماجستير، ولا أقول رسائل الدكتوراهن إذ يلزم في رسائل الدكتوراه تقديم جديدٍ وإثباته مما يضيف للعلم ذاته. وقد والله رأينا رسائل للدكتوراه تزن كل ما دون حجازى يوسف، بلا تجنٍ ولا تعدٍ. فإن ما كتب الرجل يعتبر من أملوحات علم الحديث لا من أصوله ولا قواعده. فلا أدرى من أين أتي وصف الحويني بالرمز، وكيف قفز فجأة إلى مصافٍ أكابر العلماء ورموز علم الحديث؟ اللهم إلا هو انحطاط عصر حاضر لا ارتفاع همة عالم. هذا مع التقدير والإحترام للشخص، تقديراً ملائما لما هو عليه حقيقة لا تخييلاً وتضخيماً.
ثم عن الشيخ محمد عبد المقصود، وهو من أصحاب السمعة الحسنة، والكلمة المؤثرة، وحفظٍ متون الحديث. لكن لا أعرف من أين أتت صفة الرمز في حق الشيخ؟ فلم أعرف له كتاباً إلا شرائط مسجلة كتعليقات على نيل الأوطار، ودروس عديدة كلها سمعية خَطابية. ومع تقديرنا للشيخ وعلمه ودوره، إلا إن كونه رمزاً لا يصح في تقديري على ما بيّنت من معنى لهذه الوصف العالي. وقد مدحه أحد تلامذته بأنه ينصر القول المخالف في فتاواه، وأتى بما يلي دليلاً "مثال: جاءه سائل يسأله عن الانتخاب في المجالس النيابيه والشيخ يري أنها لاتجوز من الأساس ولكن قال: فيها خلاف معتبر فقد قال العلامتان بن باز وبن العثيمين بجوازها" عن موقعه فرسان الحق. وهو ما خالفه في أقواله المتأخرة، فالفتوى يختارها حسب قناعاته لا حسب الدليل. أمّا أن يوصف بأنه علّامة الدنيا، ويُقرن بابن تيمية في قول الذهبي عنه "لم ترى العين مثله"، فذلك تضخيمٌ لا يجوز شرعاً، لا يقول به إلا بعض تلامذته ممن ضَحلت هممهم، وانحط سقف علمهم، ولم تر أعينهم شيئاً على الحقيقة، وهو دين أدعياء السلفية في تقديس مشايخهم.
ولعل في هذين الشيخين أوضح مثال لما أردنا أن نبيّن في هذا المّوضع. ونضيف إلى ذلك أن هذه النوعية من علوم الحديث، حين تتناولها هذه الطبقة المتأخرة من طالبي العلم لا من محققيه، تعود على العقل بداء التقليد، إذ هي بطبيعتها تقوم على تتبع أقوال الغير وعلى الجمع والحَشد لا على الإستنباط والمُقارنة التى تَعتمد على قوّة النظر ودقة الإستدلال، فلا يكتسب منها العقل النظر الكافي للتعليل والإستدلال، ومن ثم تأتي اقوالهم المختلطة الخاطئة حين يخرجون عن مجال نظرهم الجمعىّ إلى النظر التحليليّ والإستنباطيّ، لا سيما إن كان الواقع عاملا في هذا القول.
ثمن نقول إن هؤلاء، وأضرابهم، ليسوا ممن باعه أصلاً في مجال السياسة الشرعية، فإن كانوا ليسوا برموزٍ في مجال تخصصهم، فما بالك بما ليسوا فيه رموزاً ولا أشباه رموزٍ؟ وهو ما قصدنا في قولنا إسقاط الرموز، أي هؤلاء، الذين لم يسلم لهم لقب الرمز أساساً في مجالات مساهماتهم العلمية، بالأخص فيما ليسوا منه في شئ. فإن أراد أحدٌ أن يستفيد مما لديهم من علم في مجالهم الذي ارتضوه، فلا بأس عليه. أنا أن يفرض هؤلاء رموزاً ثم يتساءل: كيف نسقط رموزنا؟ فهذه مشكلة أوجدها بسوء تقديره واضطراب حكمه.
وقد خرج محمد عبد المقصود في حديث على قناة الناس، فشنع على الشيخ المجاهد حازم أبو اسماعيل، يعلم الله أن ليس له حقً فيما قال، ولا علمٌ ولا دراية تؤهله لهذا الهجوم العدوانيّ الشاذ. وما أرى إلا أم ذلك مصدقاً لما قلت من ضرورة إسقاط رتبة الموزية عن هؤلاء، بشكلٍ عام، ورفض اتباعهم في شأن السياسة بشكلٍ خاص. فإنهم، بعلم اللخ، يقودون البلاد إلى كارثة شرعية محققة، بهذه الغفلة والحديث فيمل ليس لهم فيه باع.
أما من لنا إذن ..إذا سَقطت الرّموز؟ فكما ذكرنا، أن الرمز يجب أن يكون في مجال تخصصه، فإن شئت أن تراجع بعض مفردات الحديث، فلا بأس أن تتوجه إلى حجازى يوسف، أو محمد عبد المقصود، لتسأل بأدب جمٍ واحترامٍ وتبجيل، دون أن ترفعهم إلى رتبة ليسوا من أهلها، فإن في ذلك فتنة لهم ولكم على السواء. أما في السياسة وأمور الواقع، فلا يحلّ أن يُتخذ هؤلاء رموزاً ولا هم أهلٌ أصلاً للحديث فيها بله الإتباع عليها. وإن الأقرب للإتباع هو الشيخ المجاهد حازم أبو اسماعيل، إذ هو من أهل القانون أصلاً، ومن دارسى الشريعة ومشايخ العلم، مثله كمثل هؤلاء الذين يدّعون، أو يدّعى لهم، ما ليس فيهم. فهو أقرب للواقع وأفهم بمتغيراته من هؤلاء بلا أدنى شك.
ولا أحسب والله أعلم أن هناك في عصرنا هذا رمزٌ يجب اتباعه أصلاً، إلا إذا حَسبنا الشيخ عبد المجيد الشاذلي الذي أضاف في مجال التوحيد ما لم يسبقه اليه أحد من قبل في مجال التنظير وإيضاح الحدود والإستدلال عليه.
والله شاهدٌ على أنّي ما دونت هذا شنآناً لأحدٍ، أو عداوة أو بغضاً، فوالله إنى لمحب لكل من أشاع قولاً صحيحاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن له في رقبتى من هذا ذمة وعهداً. لكن أن نرتفع بالناس فوق أقدارهم، ونستبدل إتباع الدليل بتعظيم الشيوخ، كما ذكر الأخ أحمد مولانا في مقال له، فهذا أمرٌ ليس بحلالٍ ولا بمكروه، بل هو حرامٌ، لما يَستتبعه من ضَلال رأي وإضاعة همم.