فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      من الداخِل نَبدأ ...!

      السؤال الذي يَطرحُ نفسه في كلّ مُناسبة هو: من أين يَبدأ التَغيير؟ من الذي يمثل الخَطر الأعْظم فيُوجّه اليه المُخْلصون من أبناء هذا البَلد جَهدَهم لِفضَح خُطَطه وإزاحَة الغِطاء عن خَبَثِه، وبَيانِ مَواطِنَ ضعفه، والتَحْذير من مَكامنَ قوتِه، والعملَ الدائبَ على التخلِص منه؟ الداخلُ الخَرِبِ العَفِن الذي تُسيطرُ قبضتُه الأمنيّة، ومن ثمّ الإقتصاديّة والسِياسِية، على كَافة أوْجه الحَياة في مصر، وعلى مَصير أبنائها ومُستقبلهم، أم الخَارج المُعتدى الأثيم الذي جَلَبَ آلات المَوت وعُدّة الخَراب، وزَحَف بَخيلِه ورَجلِه ليقتل الحَرْث والنَسْل ويَسْلُب الثَروة والمَال في المنطقة بأسرها؟

      أذكر أنني كُنت في زيارة لأحد رِجال الإِعْلام عام 2003، في بيته بالإسماعيلية، وبحضور عدد من الإخوة المُهتمّين بأمور المسلمين، تَطَرّق الحديث إلى هذا الأمر، حيث قال بعضُ الحُضور أنّ المَنطق يفرِضُ أن نبدأ بالعملِ على مُقاومة العَدو الصَائل من الخَارج، إذ مثله ومثلنا كأصْحابِ بيتٍ، هاجَمتهم عِصَابة من الخَارج، وفيهم ما فيهم من خَراب، أفلا يَصُدّون المعتدى ويردونه عن ديارهم ثم يولوا البصر تجاه الداخل يزيلون ما فيه من خبث؟

      قلت وقتها، ولا زلت على قناعة بما قلت، أنه رغم وَجاهَة هذا التسلسل إلا أنه غير واقعيّ ولا عمليّ، كَما أنّ القياس فيه غير صحيح. الحقّ أنه يجب بذل كلّ الجهد للتخلص من العدو الداخليّ الذي يسعى في خَراب الجَسدِ من الداخل كما يفعل السَرَطان في مَرضَاه، شيئاً فشيئاً، قليلاً قليلاً، حتى يُهلكه هلاكاّ تاماً لا نَجَاة بَعده. ولننظر إلى الحقائق، فإنّه ليس هناك مسلمٌ لا يعرف بَلاء الصليبيين أو الصهاينة، أو يتوقف فيما يجب ان نفعله للخَلاص من سيطرتهم الإقتصادية، أو إحتلالهم العسكريّ، لكن المَانع الحقيقي من التحرُك لجهاد هؤلاء هم هؤلاء الحكام الذين يرتدون عباءة الإسلام ويخدعون الكثير من ابناء الأمة على أنهم من أبناء الجلدة، ومن أتباع الدين، ويتملؤ على هذه الخديعة عدد من أجرائهم من بين مفتٍ وشيخ ازهر. هؤلاء حطموا كرامة الناس، وأذلوهم، ونهبوا ثرواتهم، لم يدفعهم لذلك تحريض خارجيّ أو إكراه وافدٌن بل هو الجشع واغدر والكذب وحب الدنيا وكراهة الدين والعداء المستحكم للإسلام، لا غير! كبّلوا أيدي الشعب فلم يمكنوه من العمل على درء العدوان عن نفسه ولا عن إخوانه في العراق أو فلسطين أو أفغانستان، وليس أقرب و لا أحسَم للجَدَل من الخيانَة العُظمى التي إرتكبها النِظام المصريّ العِلمانيّ اللادينيّ في حَربِه على غَزة مع الصَهَاينة يداً بيد. غلوا ثروات الأمة فإحتكروها لأنفسهم ولبطانتهم من قيادات الجيش وكبار أصنام الحكومة ومروّضي الوحوش التي يطلقون عليها قوات الأمن، فصبّت ثروة أمة ومقدراتها في يد ما يزيد عن 1% من الشعب، ثم فليمت من يموت، وليمرض من يمرض، وليجهل من يجهل، فكلهم عبيد لا حقّ لهم ولا مستحق!

      هؤلاء هم الذين يَجِبُ أن تُوجّه الي فضْحِهِمُ الأقْلام، ويُنَبِهُ على كُفرِهم وظُلمِهم وفِسقِهم الأعْلام. وما على هؤلاء أن يَترُكوا الأقلام تتحدث عن خُبثِ اليهود وحَقارة الصِليبيين، ففي هذا تشتيتٌ للجَهد هم يقصِدون اليه، ليفُتّ في عَضُد مُقاومتهم، ويُلهِى عن دَرَنِهِم.

      أمرُ العدوّ الخَارجيّ سَهل مَيسور، وهؤلاء هم حِفنة من المُقاتلين الصَناديد في أفغانستان، لا يملِكون إلا أسلِحة تُعتبر بدائية بالنسبة لما يمْلكه الصَليبيون من الناتو، قد أرغموا هذه الآلاف المُؤلفة من الجُنود والعَتاد من التَعثر والخَيبة والإندِحار. لا والله، لو عادت أمورنا بأيدينا، وإنزاح كابوسُ الكُفر والظُلم والبَغي القابعُ على أنفاسِنا، لما تحمّلت قوات الغزو، أمريكية أو غيرها، أن تدَع جنديا يَمشى على أرضِنا، لكن الأمرَ هو أنّ قوى الظَلام التي لا يَهمُّها إلا التوريث وبقاءِ السُلطة والمَال في يد العائلة الفاسدة الفاسقة، لن تترُك شُرياناً للحياة في عُروقنا إلا قَطَعته، ولا مَنفذا للهواء الحُرّ نستنشِقه إلا أغلقته.

      عَدوكم معروف، أيُّها الدعاةُ والكتابُ والمُفكرون والإِعلاميون، فلا تُذهِبوا جُهودَكم فيما لا طَائل تَحته، ولا تُغمِضوا أعيُنكم عن عَدوِكم الحقيقيّ دَرءاً للخطر، وتجنباً للفتن، وإشفاقاً على النفس، فإنكم إذن قد خنتُم الأمانة وما رعيتموها، مهما وسوست لكن أمارتكم بالسوء، ولا تتعلّلوا بالمَصَالحِ والمفاسِد، فهي حيلُ الشَيطان يُلقيها في قُلوبكم ليُخطؤكم الطَريق، ويُلهيكُم عن المَحَجَّة، فإن فعلتم فليس أشرَف لكم إلا القُبوع في الديار، والإنصراف إلى تسبيحِ الله والإسْتغفار. البيانُ أمَانةٌ في أعْناقِ المُخلصين العَالِمين مِنكُم، فلا تبخلوا بها على أبناء شعبكم وإخوانكم في الدين، ولا تنسوا أنه إن كانت الغَطرَسة الأمريكية الصّليبية قد بانَ ضعفُها وانكشَفَ عُوارها، فهؤلاء الظَلمة البُغاة ليسوا أشدّ قوة ولا أبطش يداً.

      "وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" يوسف 21