يتحَيّر عَقل النزيه في الكيفية التي سَتُدار بها البلاد بعد تلك المَهزلة الإجرامية التي أطَاحت بكل معارضة مهما كانت صورتها، ولو من المعارضة المتواطئة كالوفد، ووقعت في قبضة عصابة من المجرمين اللصوص من ذوى السَوابق واللواحق. فمِمّا لا شك فيه أن حُسنى مبارك، سينجح بالنسبة المعروفة في الدول الدكتاتورية، ثم سيعقبه ابنه جمال، إمّا رضاءاً بتنازلٍ، أو غصباً بهلاكٍ. فسَتكون مُؤسسة الرِئاسَة، والسُلطة التشريعية والسُلطة التنفيذية كلها تمثل النِظَام المُتَحَكِّم، بلا صوت واحد يقول "لا" لأي قرار مهما كان!
إذن، لو أرادت السُلطَة المُبارَكية أنْ تُخصّص أرْضاً أو تيبع أصْلاً، أو تَشنّ حرباً، أو تَسنّ قانوناً، أو تُغلق صُحفاً، أو تَعتقل بِريئاً، أو تَنشُر فَاحِشة، فليس هناك من يتساءل عن جدوى القرار بلْهَ أن يقول لا! الكَلمةٌ التى رُفِعَت من القاموس السِياسيّ المصريِّ، فصِرنا أمّة "النَعَم"، بكافة مَعَاني النَعَم!
لقد مانَعنا خَوض هذه الإنتخابات إبتداءاً من قَبْل، من ناحية شَرعية وعَقَدية أولاً، إذ إن الشرعية الإسلامية التي هي الحاكم الأوّل والأخير في بلاد المُسلمين، سَاقِطَة عن هؤلاء الذين عادوا الإسلام، وتولّوا العِلمانية، دون مُواربة، ومن ناحية واقعية، إذ إن الفُجر والفُحْش والبَغي والظُلم، لا يدع لِمُنافِسٍ سَبيلاً، وكان من أبْسَط البَديهيات توقُع ما جَرى من تزويرٍ وبَلطَجَة. وسبحان الله، فقد فشلت قيادة الإخوان في أن ترى أيّ من البعدين، العقديّ والواقعيّ. وأحْسبُ أن الأشرف لقيادة الإخوان أن تتنحى وتدع من لهم قُدرةٌ شَرعيةٌ وفَهمٌ بالواقعِ ومُعطياتِه أن يقود مَسيرة الشباب الذي ينتمى لهذه الجماعة قبل أن تفقدهم بشكل نهائى، ولا يدع مدع أن مجلس الشعب العِلمانيّ يمثل سَبيلاً من سُبُلِ التغييرِ التي يَرضاها الله ورَسوله، وما أفَلحَ من إتَخذ غيرَ سَبيلِ الله سَبيلاً لدعوةٍ أو إصْلاحٍ.
ثم، ترى ما هي خُطط المُعارضة في المَرحلة القادمة؟ ماذا سيفعل أعضاءُ الوفد، وقد خانَهُم النِظَام المُتَحَكِّم بعد أن قَدّموا الولاء في مَهزَلة إغلاق الدُستور؟ الخَيانة تجرى في عروق النِظَام المُتَحَكِّم مَجرى الدمّ، فلا تصْلُح معه صَفقة ولا يُقيّده وَعدٌ أو عَهد.
أما الإخوان، فليس أمامَهم إلا العودة إلى الدعوة، ونَشرِ الإسلام، وتوعية الجُمهور المُسلم الذي، وإن احتفظ بإسلامه، فَقَدَ الكثيرُ من صِفات المُسلمين من صِدق ونَزاهة وشَرَف وقُوة، بل قد تَراجَع في وعيه وقلبه مَعنى التَوحيد وأصول الطَاعَة والعِبادة. إن أراد الإخوان أن يحتفظوا بمصداقِيَتِهم التي إنهارَت بعد أن تبين حَجم الأوهام التي كانوا يَعيشون فيها، فلابد أن يُعلنوا برنامَجاً جَديداً، يقوم على الكِتاب والسُّنة من غير مُماحكات في تقدير الواقع والتعلق بالمَصالح المَوهومة التي لا تقومُ على شَرْعٍ ولا تَثْبُتُ في ميزان عَقل.