بَكَتْ عَينىِ وحَقّ لَها البُكاءُ
ومَا يُغنِى البُكَاءُ ولا العَويلُ
البقاءُ لله في مصر.. التي صَرَعَتْها بالأمْس قوى الظُلم والبغيّ والنَهْب، قوى الظَلامُ والخِسّةُ والعِمَالة، بعد أن أعْيَتْها ثلاثين عَاماً طوالاً، تَنْهَشُ في ثَرواتِها، وتَبيعُ أعضَائَها، وتُخرّب ذِمَمَ أهلِها، وتَنشُر في جَسَدِها أمراضَ الفَقرِ والجَهلِ وآفاتِ الفُحْش والخَنَا.
لم يأخُذ الجُناة شَفقة أو رَحْمة بهذا البلد الذي صَنَعَت خَيراتُه حَياتَهم وكَفَلَت رَحَابَتُه أبنَاءَهم، فعَاثوا فيه فَسَاداً، لا يَقفُ عِند حَدٍ، ولا يعرِفُ حياءاً. قتلوا فيه النَخوَة، وأحيوا الشَهوة، أماتوا فيه الخُلُق، وأحيوا فيه المَلَقْ. ضَرَبوا بتاريخِه عَرْضَ الحَائط، فمَسَخوه وأزالوا منه أروعَ صَفحاتِه الإسلامية، ليزيفوا لأنفسهم تَاريخاً فرعونياً لا يَعرف الله ولا يهتدى بدين. أخْضَعوا إرادَته للصَليبيين والصَهاينة، وتعاونوا معهم ضِدّ أبناء الوطَن السَليب في غزة، لا يَهمُّهم موتُ أطفالٍ رُضّع أو نِساءاً فُجّع، بل يَشْترون بحِصَارِهم وقتلهم مَناصِب ودَراهم، بَئِسَت الصَفقةُ المَلعونَة. نَصروا حِفنَة يدٍ من القَبَط أعداء الله على المسلمين من غَالبية مصر، وأسْلَموا عِرضَ النِساءِ المُسلماتِ للنَصارى يُعيدوهم في ملتهم، كَرْهاً.
مَنعوا عن ضَحيتهم هواء الحُرّية، يَسْتَنشِقون بَدلا مِنه تُراباً ودُخانا، وقطعوا عنه ماء موارده وثرواته، ليشربوا بدلاً عنه ذلاً ومهانة، وحشدوا كلّ مَيتِ ضَمير، مَنَّاعٍ للخَير مُعتدٍ أثيم، عُتُل بعد ذلك ذَنيمْ، يعمل في إمرتهم، ويحمى دولتهم، كذراع من أذرعة الأخطبوط أو خَيطٍ من خُيوط شَبكة العَنكَبوت، فكانوا أبشع قاطعي طرقٍ في تاريخ هَذه الأمة، وأشدهم إجراماً.
والأدهى والأمَرّ أنْ لنْ تَنصَب مُحاكَمة للقتلة الفُجّر، فكما يُقال "حاميها حراميها"، إذْ فيهم الخِصَام وهُم الخَصْمُ والحَكَمُ! فلتَتَحَسْر العَاقلة (العاقلة: أهل القتيل) على فَقيدَتها، ولتَنْسَ العَدلَ أو الدّيّة، وليَبكِ كُلّ قريبٍ مُحبٍ لمصره في صمتٍ، إذ لا أرى إلا أن قبضة العصابة الأمنية سوف تشتد أضعافاً مضاعفة مَنعا للبُكاء أو العَويل على الفَقيدة الغَالية، ربما عملاً بالسنة المطهرة!
والعزاءُ مُقام ٌفي كلّ بيتٍ من بُيوتِ الشُرَفاءِ من أبنَاء وبنات الفقيدةِ الغَالية مصر ... ولا عَزاءَ للسيّدات! (مع الإعتذار لسيدات مصر من الشَريفات العَفيفات من المُسلمات المُناضلات).