فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      التزويرُ .. في الواقِع المِصريّ

      التزوير والرشوة والمحسوبية والإبتزاز والمداهنة و"الشطارة" موبقات تصيب الأفراد والشعوب فتحيل الحق باطلاً والباطل حقاً. ومصر، حتى إنقلاب 1952، ، كان فيها، كبقية شعوب العالم، من هذه الموبِقات ما يمكن تَجَاوزَه دون أن يُلَطّخ الكمّ الأكبر من المجتمع. ثم، بعد هذا الإنقلاب، تسارعت خطى هذه الموبقات، وإتسعت خطرها، وشملت قطاعات أعرَض من الشعب بعد أن أصبحت السّمة المُميزة لحُكامه وقياداته، بل وأصبحت كأنها أمرٌ طبيعيٌّ مُتأصّلٌ غير مُستغربٍ، وإلا فكيف يحصل إمرؤ على ما يكفيه، أو يكاد، من العيش إن لم يمارس واحدة من هذه المُوبقاتِ الجماعية. ومن ثمّ أصبَحت هذه الجَراثيمُ الخُلُقية مُتوطنةً في جَسَدِ الجَماعة المِصْرية، وغَدَت أحدُ وَسائل العَيش التي يفعلها الكبير والصغير، الكبير لتزدادُ ثروَته غير المُشروعة أصْلاً، والصغير ليتمكّن من تأمين أبسط مُتطلبات الحياة اللازمة لنفسه وعِياله.

      وكان من نتائج هذا الواقع الذي رَسَخَ على صُدور المِصريين لفترة زادت على نصف قرن من الزمان، كَبُرَ فيها الصَغير وشاخَ فيها الكبير، وتعاقبت أجيال، وتبدلت أحوال، أنْ تعوّد الشَعب المِصريّ، إلا قليلاً ممن عصم الله، على التعامل بهذه الموبقات، فضَعُفَت فيه حاسّة إستنكار المنكر، وكيف يستنكر المنكر من يفعله، سواءاً إضطراراً أو تطوعاً؟

      وترى أثر هذا التَخَلُق الجَديد في كلِّ مَنْحى من مَناحى الحَياة المصرية، وعلى كلّ مستوى إجتماعيّ، وفي كلّ طَائفة من الطَوائِف. فتجده في مجال الأعمال حيث الرِشوة والتزوير والمَحسوبية هم العامل الأكبر في تحديد من يَملِك الأرض، ومن يُنفّذ العقد، ومن يُبرِم الصَفقة، ومن يَستوردَ السِلعة! وقد ضَربت هذه الآفات كلُّ إحتمال لقياسِ الجَودة أو للمُحَاسبة على سوء الصَنعة، فباتت السِلع خَرِبَةٌ مُترَدّية المستوى. وتجده في مجال التعليم، حيث حَلّت الدروس الخُصوصِية مَحلّ التعليمِ المدرسيِّ، وهو من قبيل التزوير والتقاعص عن القيامِ بالواجب والإبتزاز، وصَار المُعَلِمُ تَاجِراً، بائِع سِلعةٍ، لا يشيع قِيَمَاً ولا يَنشُر عِلماً. وتجده في مجال الإِعلام، العِلْمَانيّ منه والإسْلاميّ، حيث الخبر يُنشر لغرضٍ ويُمنع لغرضٍ، سواءاً بحقٍ أو باطل، بل العبرة أولا وأخيراً بمن نعرف ومن يحقق مصلحة أعلى، وحيثُ الإنتِشار وعدد زائرى المواقع أهمّ من صِحّة ما يُنشر ومُطابقته للحق وإلتزامِه بالسُّنة والشَرْع، وحيث تتدخل العلاقات الشخصية والمصالح المادية في رَسمِ إستراتيجيات الصُحُف، ودعْ عنك ما يسمى بالصحف الحكومية المملوكة للدولة والمختصة بالكذب والتزوير. وهكذا في بقية مناحى الحياة المصرية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

      ثم إذا نحنُ نَعجبُ ونَستنكرُ تزويرَ الإنتخابات؟! كيف والحياةُ صارَت كلُها مزوّرةً لا حقيقة لها في ميزان الصدق والعدل؟!

      الأمر يتعدى كسب مقاعد في برلمانات بهلوانية مزورة إلى العمل على إستعادة الشَخصية المِصرية التي تتحلى بالصدق والأمانة والجدية والدقة، وتعيد الثقة في الكلمة وقيمتها، وتُعيد معانيّ الإيثار والأخوة والجيرة الطيبة، مما تداعى في العقود السابقة، وحلّ محله الأنانية والفردية والغيرة والتباغض.