تدل الشواهد اللاحقة للثورة المصرية أن هناك من يخطط ويتآمر على هذا البلد بلا مبالاة لإحتياجات الشعب ومطالبه أو ما قد ينجم عن تفعيل هذه المؤامرات على حياة مصر وكل المصريين. واقع ما يحدث على أرض مصر غريب بكل المقاييس، ولو أن البعض يتصور أن لكل ثورة فلتات وعقبات قد تأخذ بضع سنين للإصلاح، إلا إن ما يحدث في مصر قد تعدى هذا التصور المتفائل أو إحتمال أن يكون سببه خطأ عفوي.
فلو تَمَعَّنا فيما يدور في مصر منذ قيام الثورة نجد أن حكام المؤسسة العسكرية قد إتخذوا قراراً بعدم مواجهة الشعب عسكرياً لخطورة هذه المجازفة، خاصة بعد أن رأواْ أن الشعب قد سحق الشرطة في ثلاثة أيام، وكان تعدادها تقريباً مليونان ضابط وشرطي كلهم مجهزون لضرب أي إنتفاضة شعبية بيد من حديد، ولديهم من الأسلحة والذخيرة والعتاد ما ليس لدى الجيش المصري الهزيل، فما بالك بجيش تعداده 300 ألف وغير مجهز. فقد أنهكت مؤامرات مبارك والقادة الخونة هذه المؤسسة العسكرية من عدة نواحي، نتيجة لشراء أسلحة قديمة وبالية بأعلى الأسعار للحصول على عمولات الصفقات، وعدم الإهتمام بالتدريب والتجهيز لأن السياسة المصرية قامت أساساً على الخيانة وحماية الصهاينة بدلاً من مواجهة الزحف الصهيوني المرتقب، وتحويل هذه المؤسسة العسكرية من جبهة صمود لتحمي حدود مصر إلى مجموعة شركات تجارية وصناعية تتربح من إنتاج بعض المواد والسلع الغذائية وغيرها وبيعها بسعر السوق حيث أن تكلفة هذه السلع أقل بكثير نظراً لرخص الأيدي العاملة في الجيش.
والشاهد أن قادة الجيش قد أصابوا في قرار الإمتناع عن مهاجمة الشعب عسكرياً لأن ذلك كان يمكن أن يقضي على الجيش المصري تماماً وبالذات لأن الجيش فيه الكثير من الإضطرابات الداخلية التي بشرت بإحتمال حدوث إنقلاب عسكري من شباب الضباط للإطاحة بالقادة الفاسدين.
والسياسات البديلة للمواجهة كانت ومازالت تؤدي إلى التباطؤ والتواطؤ والتمثيليات الكاذبة في عدة محاور لتشويه الواقع وإبعاد الشعب عن التفكير الموضوعي أو التدخل في هذه السياسات. والحقيقة أننا في مصر لا نعلم قطعياً ما يجري بما لا يدع مجالاً للشك ولا نفهم سلوكيات التعتيم ولا ما ستؤول الأمور إليه.
ومن هذه السياسات التعديل الدستوري الذي أضاع أكثر من شهرين، ثم البدء في المحاكمات الكرتونية التي مازالت تلتهم وقت الشعب والأجهزة القضائية، ثم الفتنة الطائفية الموجهة التي تملأ الصحف ووسائل الإعلام بالأكاذيب والتدليس يومياً ولكنها تؤشر إلى الوقوع في مستنقع جديد سوف يؤدي للتنازل عن وحدة الوطن.
وفي خلال هذه المراوغات تم تهريب ما يربو عن 3.5 تريليون دولار، وهو الرقم الأعلى في تاريخ السرقات على مستوى البشرية كلها، كما وتم تهريب أعضاء الوطني المسؤلين عن غسيل الأموال لمبارك وأولاده وباقي أعضاء الوطني ومنهم: بطرس غالي، وحسين سالم، وأبو العينين وغيرهم، فمنهم من خرج من المطار بإتصال هاتفي على المحمول ومنهم من هرب ومنهم من هُرِب أو خرج بريء بكفالة. وشاهدنا جميعاً سياسة المد والشد أمام المطالب الشعبية للحول دون خروج مظاهرات مليونية قد تؤتي بثمارها على الشعب من دون الجيش، وتعامل معها الحاكم العسكري بمنتهى الدهاء والحكمة. ولا أحد يعلم يقيناً إذا ما كانت هذه المحاكمات ستؤدي إلى إسترجاع ولو بعض أموال الشعب المنهوبة أو لمعاقبة مبارك وأولاده ونظامه على جرائمهم. والشاهد أن تباطؤ الحاكم العسكري عن القبض على أعضاء الوطني الذين يثيرون الشغب ويفشون الرعب والإرهاب بين الناس في الشارع المصري هو خير دليل على نية هذا الحاكم.
وما كشف عن هوية الحاكم العسكري هو تعيينه للمحافظين من اللواءات السوابق وممن خدم في الوطني سابقاً وله يد في الجرائم التي أرتكبت ضد الشعب أثناء وبعد الثورة، فقط لأنهم مواليين له وبدون النظر عن قدراتهم وإمكانياتهم وقبول الشعب لهم.
ما يعنينا في هذا المقال بعد هذه المقدمة التي سردتها للتذكرة هو أن مخطط توجيه مصر ليس صنيع المؤسسة العسكرية وإن كانت مشاركة فيه، ولكنه من صنع جهات أخرى كثيرة لها مصالح في مصر سوف نحاول إظهاره في هذا المقال.
وقبل أن نناقش إحتمالات ما يمكن أن تؤول اليه الأمور، يجب تحديد المخاطر التي يحيط بمصر، وهي كالآتي:
أولاً: من ناحية الشمال لدينا الخطر الصهيوني وعملية تمدد السيطرة على باقي الأراضي الفلسطينية، ومقابله إتفاق المصالحة بين فتح وحماس الذي لا يؤشر إلى خير لأنه إتفاق على الشعب الفلسطيني وليس لمصلحة الشعب الفلسطيني، وكلنا يعلم تاريخ فتح الأسود في خيانة القضية وبيع الأراضي وسحق المقاومة. ومع ذلك فنحن الآن نسعى لدعم هذه المصالحة كي تصبح غزة أول خط دفاعي لمصر في مواجهة الصهاينة. كما ونأمل أن تقوم الحكومة المصرية بتعمير سيناء ومساعدة أهلها لأن ذلك يعد الخط الدفاعي الثاني لمصر.
ثانياً: من ناحية الشرق والشمال الشرقي نرى أن هناك نمو عسكري شيعي في لبنان وسوريا والخليج العربي/الفارسي وحالة إنتفاضة شيعية داخل معظم دول الخليج، فمنها ما هو خطير جداً لإرتفاع نسبة السكان الشيعة في بعض هذه الدول مثل العراق والبحرين والكويت والأمارات ومنها ما تكمن خطورته في إمكانية تأثيره على المناسك الدينية في الحجاز (السعودية). وبينما ليس لدول الخليج القدرة الدفاعية على التصدي لهذا الزحف فإن الكل يرتقب دور الجيش المصري لحسم القضية، وفي المقابل هل يمكن لمصر أن تطالب بإسترجاع الأموال المنهوبة والمهربة إلى مصارف هذه الدول؟
ثالثاً: من ناحية الجنوب فهناك مشكلة عسيرة بين مصر ودول حوض النيل وخاصة أثيوبيا التي تغذي مصر بمياه النيل الأزرق. هذه المشكلة بدأها مبارك ونظامه، وحالياً تحاول الحكومة المصرية معالجتها برفق شديد. وبطبيعة الحال أظهرت ردود فعل دول الحوض أن حل المشكلة حالياً هو من باب إرجاء المصيبة لفترة زمنية كي لا تغوص مصر في مستنقع الجفاف وما يتلوه من مجاعات وإمكانية إعلان حرب على دول الحوض، والتي بالمناسبة ترعاها إسرائيل. ولا يجب أن نتناسى أن نيل مصر الذي يمر بأثيوبيا المسيحية يمر أيضاً بجنوب السودان المسيحي، وكلتا الدولتين أظهرتا تعاطفاً ملحوظاً مع مسيحي مصر!
والواضح أن المطلوب هو إيقاع مصر في إنتكاسة شبيهة بنكسة 67 لمنعها من أي محاولة لإختراق أو دفع هذه المخاطر عن المنطقة العربية عموماً وعن مصر على وجه الخصوص.
وقد يكون من المستحيل أن تبادر مصر وحكومتها بحل المشاكل المحيطة قبل أن تقوم بحل لنزيف الشعب الذي تسببه المواجهات الطائفية. وهذا يستدعي شجاعة كبيرة لمواجهة الكنيسة المصرية التي تعتبر نفسها فوق القانون من جهة، وبينما تسعى لتعطيل الشريعة من جهة تحاول إختلاق دولة داخل دولة حتى يمكنها إجبار حكومة مصر على حكم ذاتي أو إستقلال الدولة المسيحية القبطية على نهج إنتصار وإنفصال متمردوا جنوب السودان!
ومع أن الحكومة المصرية تحوي بعض العناصر الصالحة إلا إنها قد يَئِسَت من إسترجاع أموال الشعب المهربة ولذا فقد قامت بإقتراض بعض المليارات التي تسعى من خلالها سد الأفواه المفتوحة، ولا أحد يعلم إن كانت مصر قادرة على سد هذه الديون أم أنه مستنقع جديد للإفلاس، وفواتير المرتبات الحكومية الشهرية عالية للغاية وتدفع بالكامل حتى مع تعطل مصالحها، فعلى سبيل المثال مرتبات الداخلية تدفع بالكامل مع أن هناك إنفلات أمني ولا يوجد للشرطة المصرية أثر والشوارع تعج بالمجرمين وقطاع الطرق!
كما يشتكي القضاء المصري من الإنفلات الأمني ومخاطر ذلك على القضاة حتى داخل المحاكم. وكلنا يعلم عن هروب 19 ضابط من أمن الدولة وهم في المحكمة، مثلما يحدث في الأفلام السنيمائية.
لذا، فبكل المقاييس لا يمكن القول بأن الثورة المصرية أتت بنتائجها المنشودة، ولا يمكن التنبؤ بما ستأتي به الأيام القادمة قبل إنتخابات المجالس النيابية والمحليات والمحافظات، ولكن يمكن القول بأن مصر وشعبها مقبلون على أيام صعاب ومشاكل عظيمة ستحتاج للكثير من شرفاء مصر الذين لديهم من الشجاعة والورع وتقوى الله للمواجهة والعمل الدؤوب للخورج من المحن المرتقبة.