فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      التصدّعِ الإسلاميِّ .. وأحلامُ اليقظة!

      واقعُ الانشقاقِ والتصدّعِ، والصِراعِ والتفكك، الذي يعيشه الإسْلاميون في البقعة الإسلامية، واقعٌ قد يزيد مَرارة وحدّة، وتفكّكاً ومُجالدة، عن الشِقاق بين أبناء البيت الإسلاميّ وبين النُظُم المُتَحَكِّمَة ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا وينتسبون إلى العلمانية اللادينية.

      ذلك أنّ المتحدّثين في الإسلام، وبإسمه، ينقسمون فيما بينهم إنقسامات متعددة الطبقات، مختلفة الجوانب، قد تَعِزّ عن الحِصر، ولولا ضرورة البحث، لما حاولها الناظر. وقد حَاولتُ أن أتتبع بعضها فيمن يعمل في الجَانب السلفيّ من البيتِ الإسلاميِّ، في كتابي عن "أدعياء السلفية" فأتيت فيه ما قدّرنى الله عليه في تَوصِيف الجَانب السَلفيّ، وتمكنتُ فيه من حصرٍ يغلُبُ عليه التعميمُ والإجمال. وإنْ أعوزته الدقةُ الفاصلةُ بين التقسيمات والتفريعات، إلا أن له فضلَ السبقِ في محاولة مثل هذا التفصيل.

      ويمكن أن يرى الباحِث أربعة أقسامٍ مُحددة، تنقسم اليها أقوالُ الإسلاميين، الذين لهم رأيٌ في الواقعِ المعاصرِ، من حيث موقفهم من النُظُم المُتَحَكِّمَة المُعَاصِرة:

      1.        إسلاميون ينتمون النُظُم المُتَحَكِّمَة قلباً وقالباً، ويدعون لطاعتها والدخول تحت ولايتها راضين مُذعنين.
      2.        إسلاميون يقبلون النُظُم المُتَحَكِّمَة قالباً، ويعملون تحت قبة قوانينها، لكن يعارضون ممارساتها، بدرجات متفاوتة، ويدعون لإستبدالها أو تغيير بعض سياساتها.
      3.        إسلاميون لا يقبلون النُظُم المُتَحَكِّمَة، لا قلباً ولا قالباً ، وإن عايشوه قالباً، لكنهم يرونه حكماً خارجاً عن الشرع، فاقداً للأهلية، ولا يملكون اليوم إلا الإذعان لسطوته إلى حين.
      4.        إسلاميون لا يقبلون النُظُم المُتَحَكِّمَة، لا قلباً ولا قالباً، ولايعايشونه، بل يخرجون عليه بالسيف، ويجالدونه بالقوة.

      وتحت هذا التقسيم، تأتي تفريعات متعددة، وأطياف مختلفة لكلّ قسم منها. لكن يمكن للباحث كذلك أم يتتبع بوجه عامٍ، أهم هذه التفريعات، ومن ثمّ تحديد النتمين اليها.

      تحت القسم الأول، نرى فرقة المَدخلية الجامية، التي ترى السمع والطاعة للحاكم، مهما خرج عن شرع الله تعالى، إذ الحكم بالشريعة لدى هؤلاء فرع من الفروع، وليس بأصل في التوحيد. والألبانيون طيف من طيوف هذه الفرقة، وإن كانوا أبعد عن قضية الدفاع عن الحكام من المدخلية الجامية.

      وتحت القسم الثاني، ممن يجتمع على قبولِ الديموقراطيّة الغربية كشكلٍ للحكم، الإخوان المسلمون، الذين يَرَون شَرعية هذه النُظُم المُتَحَكِّمَة، ومن ثم يعملون تحت قبة مجالسها، ويتحدثون من فوق منابرها، ولا يغرنّك قولهم أنهم لا يرون شرعية النظم، إذ لا يستقيم ذلك مع مواقفهم من المشاركة السياسية، وهو من التخليطات التي يقع على عاتقهم تفسيرها إن استطاعوا، وإن أتى مفتيهم بتفسيرٍ هزليٍّ، من أنّ تَركِ المعتركِ السياسيِّ كالتولى يوم الزحف!! ثم نرى أطيافاً أخرى من الدُعاة و"المفكرين الإسلاميين"، ممن لا يقبلون بممارسات النظم، رغم الإعتراف بشرعيتها وبسيادة قوانينها، كما صرح بذلك سليم العوا، وهؤلاء يسعون للتغيير والتجديد في الإسلام وأصوله ومبادئه، ليتمشى مع الواقع الحالّ، أكثر مما يسعون لتغيير النُظُم المُتَحَكِّمَة، كسليم العوا ومحمد عمارة وفهمى هويدى والغنوشيّ، ثم منهم ما لا يرى تبديل النُظم الحَاكِمة على الإطلاق.

      وتحت القسم الثالث، نرى طوائف عديدة من السلفيّين، منهم أتباع السَلفيّة العلمية التي، وإن رَأت عدم شرعية النُظُم المُتَحَكِّمَة، فهي لا ترى الخروج عليها، ثم السَلفيّة الشرعية، التي ترى ترى كُفر النُظُم المُتَحَكِّمَة ومشروعية الخروج عليها حين استكمال العُدّة، حسب إختلاف آرائهم في معنى العُدّة وطريقة إِعدادها، ولا تُشارك في المُعتَرك السِياسيّ، ولا العَمل العسكريّ حالاً. وهؤلاء، تتباين أطيافهم، حسب جُرأة المتحدث وخلفيته العلمية.

      وتحت القسم الرابع، يأتي السلفيون الجهاديون، الذين لا يزالون يعملون في بلاد المواجهة كالعراق وأفغانستان،  وتقلّصَ أثرهم إلى أبعد الحدود في البلاد العربية، بلاد عدم المواجهة، كمصر والأردن والجزائر، والسعودية، وإن حاولوا إبقاء أثرِهم، كما في قصة الطرود إن صحّت هذه القِصّة إبتداءاً.

      وقد حذفنا من الإسلاميين الصوفية البَهاليل، إذ إنهم يد النُظُم المُتَحَكِّمَة، وكَبيرُهم المفتى على جمعة البَهلول شَاهدٌ على ذلك. كما أخرجنا البرادعي وبقية أطراف المُعارضة السياسية في مصر بالذات، لأنهم يُصرِحون بالعلمانية، ولا يعترفون بوحدة الدين والدولة. كذلك ضَربنا الذكر صَفحاً عن "الدُعاة الجُدد" فهم "ظاهرة" إقتصادية، اكثر منهم دينية.

      ومن خلال هذا التصنيف السريع، نرى أن الأطياف الإسلامية تتعدّد من مُبَاركَة السلطة والدخول تحت وَلائها ووِلايتها، إلى الحربِ على السلطة وتكفيرها. والفرق بين الطرفين جدُّ عَظِيم، لا أظنُ أن يرأبه كتاب أو يحلّ عقدته إجتماع.

      كذلك، فإن القسم الأول من أتباع الجامية المدخلية، هم عونٌ للنُظُم المُتَحَكِّمَة، ويدٌ لها على المسلمين، وعينٌ على معارضيها، فيجب الحذر منهم، وشطبهم من كلّ معادلة للتغيير.

      يبقى الأقسام الثلاثة الأخرى، فهل يا ترى هناك أملٌ في أن يجتمعوا على قولٍ واحدٍ، وأن يروا أن لا سبيل إلى التعامل مع هذه النُظُم المُتَحَكِّمَة في السياسة، وأنّ الإجتماعَ على رفضها علناً وبصورة موحّدة سَيُسقِطها رأساً، إذ كيف لهم بالقبض على القرضاوى والعوا وعمارة وهويدى والبشرى وقادة الإخوان وقادة السلفيين إن إجتمعوا في يوم واحد وفي مكان واحد، واعلنوا رفضهم قبول السُلطة الحَالية، ولَكنى أعلم أننى قد أخَذتنى أحْلام اليقظة، وآنت الصحوة من هذه القيلولة الفكرية!

      www.tariqabdelhaleem.com