مُصطلحٌ آخرٌ برزَ إلى السطحِ خلالَ الإحتفال الذي إنعقد لتكريم الدكتور محمد عمارة، في كلمة القاها أحدُ مقرظيه، مُنوِّها بِمَلكاتِه المُتعَدِدة الجَوانب، وإثرائه للتراث الإسلاميّ، وكقَاعدة من قواعِد بنائِه الفكريّ، وهو أنه "يقبل التعدّدية" ويؤسِسُها. وكما سبق أن نوّهنا، فإن هذه المُصْطَلحات التي صَارت تتناثر يَميناً ويساراً من أفواه "مفكرينا"، دون ضَابط ولا رَابط، تمثّل خَطراً شَديداً على مَسار حَركةِ الإحياءِ الإسْلامية، إذ هي شديدةُ المُيوعةِ والتَلونِ، لا يُعرف ما يُقصد بها، إن خَيراً أو شَرّاً، أو – حسب مفهوم الوسطية الحَداثية – وَسَطٌ بين ذلك الخَير وذاكَ الشر!
وإنه لفرضٌ على القادرِ أن يُبيِّن هذه المُصطلحات المُتشابهات، إذ إنّ إتباعها دون إحْكَام مَعَانيها، هو، بلا رَيب، إتّباع للمتشَابهات، حمّالات المعانيّ، وهو عَينُ ما نُهينا عنه في قوله سبحانه: "فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌۭ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ"، آل عمران 7، إذ في ذلك ما فيه من إستغلاق المقصود على السامِع، وفتح باب التأويلات للمُتحدث، فإذا السَامعُ والمُتحدثُ كلاهما على صِراطٍ مختلفٍ، لا يتقابلان، ومن ثم تفقد اللغةُ الخاصِية الأساس فيها، وهي إيصالِ المَعَاني المُنضَبِطَة من لسانِ المُتحدث إلى عقلِ السَّامع. ولا تستخفّنّ بهذا الإشكال، فهو أساسُ كلّ بَلاءٍ عَرَفتْه البشريةُ في مَسيرَتها إلى يومنا هذا.
والمُصْطلح الجديد مُشْكِلٌ ومُتَشَابِهُ في كِلا حَدّيه، أي كَلمَتيّ "قبول"، و"التعدّدية". فلا يعرف السامع ما هو المقصود بالتعدّدية؟ أهي التعدّدية الثقافية، كما في قبول الشعر العَموديّ وقبول الشِعرِ المُرسلِ الحَديث على سبيل المثال؟ أو التعددية الثقافية، بالمعنى الأوسع للثقافة، كما في قبول ثقافة أهل الحضرإلى جانب ثقافة أهل الريف والوبر؟ أم هي التعددية السياسية، بمعنى قبولُ الحِزْبية على أسَاسِ إختلافِ البرَامِج الإصْلاحِية؟ أم التعدّدية السِياسية بمعناها الأعمّ، من قبولِ الحِزبية على أُسُسٍ دينيِّة أو عَصَبيِّة على حَدّ سَواء؟ أم التعددية الوطنية، بمعنى أن يحمل إمرءٍ جنسيات متعددة بجانب جنسيته الأصلية،ويدين بالولاء لها كما يدين بالولاء لوطنه الأم؟ أم التعدّدية المقصودة هي تعدّدية الأديان في الوطن الواحد، كما هو على أرض مصر من غالبية مسلمة تعيش وسطها أقلية قبطية؟ أو تعددية الفرق في الدين الواحد، كأصحاب الفكر العقلانيّ الإعتزاليّ البدعيّ، من منكرى الأحاديث الصحيحة، والتي ينتمى إليها الدكتور عمارة، في تواجُدِهِم على الساحة الإسلامية جنباً إلى جنبٍ مع أهلِ السُنةِ والجَماعةِ من متّبعي منهجِ السلفِ الصالح؟
ثم كلمة "القبول"، والتي يمكن أن تُلحق بأيِّ من مَعاَني التعدّدية السَوابق، ما المقصود بها في هذا السياق؟ أهو قبول الرضا والترحاب، أم قبول الغصب والإذعان؟ أهو القبول بواقع مفروض، يُسُكت عنه إلى حين، أم هو قبولٌ بشريعة الحياة التي لا محيص منها ولا محيد عنها؟ أهو قبول مشروطٌ في بعض معاني التعدّدية، وغير مَشروطٍ في بعضِها الآخر؟ أم قبول مطلقٌ بلا شروط؟
"قبول التعددية" إذن، مَعنىً مُتشابه أشدّ التشَابه، مُشكِلٌ أشدّ الإشِكال، إن أُلقي على عَواهنه، وقُصد به تقريظُ أحد من الأسماء اللامعة على ساحة الفكر الإسلاميّ، فكما رأينا قد يحمل المصطلح "تقريظاً" لصاحبه، أو قد يَحمِل "تقريصاً" له وتِسْفيهاً لمَكانَتِه، حَسْب المقصود منه. والقبولُ المُطلق للتعدّدية، أمر شائه ساقط، لا يُعلى مكانةً لِمفكرٍ، ولا يَحْسُن تقريظاً لِكاتِب، سواء في التعددية الثقافية أو السياسية أو الوطنية أو الدينية.
ففي التعدّدية الثقافية لا نرى شاعراً من شعراء العربية الكلاسيكية الأكابر يقبلُ بالشعر الحديث غير المُقَفّى وغير المَوزون، ويعتبر قبوله من قبيل ضَعْفِ المَلكة الشِعرية عن الإتيان بمثل ما أتت به الأوائل، أما مَن قَبِلَهُ فمن قبيل التجديد والتمييز، كما قال العقاد، عن طريق إختلاف الموضوعات الشعرية ووحدة البناء مقابل وحدة البيت، كمدرسة أبولو ومدرسة الديوان. لكن هؤلاء جميعاً لا يرضون بالسقوط الشعريّ الذي يقال عنه شعراً، وما هو بالشعر ولا بالنثر، والذي تتغنى به العوامّ في أيامنا هذه.
ثم التعددية الثقافية بمعناها الأوسع، فهي مقبولة بلا شكّ في أرضها ووطنها ما لم – وهو شرط شرعيّ – تتعارض مع ثوابت المجتمع الدينية أو العرفية، كما لو حَمَلت ثقافة الريف والوبر مبدأ وأد الأناث، إو إزدراء النساء.
وفي التعددية السياسية، فإنه في ظلِّ حُكومة شَرعِية إسلامية، يمكن قبول التعددية التي تحمل برامج إصلاحٍ تتخذ مسارات مختلفة للنهوض بالأمة علمياً وتطبيقياً، لكن هذا لا يعنى قبول أحزاب دينية تتعدّد بتعدّد الأقليات من الديانات والطوائف، فهذا أمر يخالف الإسلام كلية. فالتحزب السياسيّ الدينيّ لا يعنى إلا القبول بالدعوة إلى ديانات مُحرّفة مَحَادّة لله ورَسوله، ولا ندرى تحت أي قاعدة شرعية يمكن لأصحاب التجْديد المُنحرف والوَسطية الزائفة أن يدسّوا قبول هذه التعدّدية؟
والتعدّدية الدينية، كما أسْلفنا في مقالاتنا السابقة، تعنى حِفظُ عَهدِ المعاهدين، وإحترامِ حقوق الذميين من أهل الكتابِ المُشركين، يهوداً ونصارى، على شَرْطِ أن يَحفظوا العَهد ويصونوا الأمانة، وإلا فهم فينا كبني قريظة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا عَهد لهم ولا ذِمة بعد أن باعوه صلى الله عليه وسلم لمشركي قريش في غزوة الخندق، إن خانوا وتمالؤا على الوطن الكريم الذي آواهم، ونَبَتَتْ من خَيرِه لُحومُ أبنائِهم، وتواطئوا مع مشركي الغرب، أو الذميّين ممن لَحِقَ بمشركي الغرب، فليس لهم إلا السيف.
ويلحقُ بهذا المعنى التعدّدية الوطنية، إذ إن الوطنَ مفتوحُ لمن شَاء أن يعيش فيه آمنا مُسالماً أو معاهداً من أهل الذمة، فله ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، بما حَكَمَتْ به سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يريد أن يتجاوزها أهل أصحاب التجْديد المُنحرف والوَسطِية الزائِفة ، فيلغوا معنى الذمّة لأنهم غير قادرين على مجابهة المشركين به، خوفاً وضعفاً في القوة والإيمان جميعاً، ويستبدلونه بلفظ المُواطنة، الذي يختلف عن مفهوم الذمة شكلاً وموضوعاً. لكن أصحاب التجْديد المُنحرف والوَسطِية الزائِفة لا يفتؤون يصدّعون رؤوسنا بالتجديد والتحديث والواقع ومرور الزمن وتبدل الأحداث مما يُلزِم بتبديل المعاني، وكلّ هذا الخَرط الأفرغ، الذي لا يَحمِل دَسَمَاً، إن لم يَحمل سُمَّاً.
كذلك فإن التعدّدية الوَطنية التي تَسمَح لإبن وَطن ذمّيّ أو أصْليّ أن يخونَ وَطَنَه لحسابِ وطنه المَهجريّ، غير مقبولة لا شَرعاً ولا عُرفاً ولا أخلاقاً، بل هي مَرفوضَة في شّرائعِ بني آدم الوضعيّة كلها، بل يُحكم على فاعلها بالموت بتهمة الخيانةِ العُظمى، حتى أنّ بعض البلدان لا تسمحُ بتعدّد جنسيات أبنائها. وهو عين ما نقصده من إشتباه هذه المفاهيم العشوائية التي تتقاذفها أفواه "مفكرينا" في مَحَافلهم "الفكرية".
والعجب الأعْجب هو موقف "مفكرينا" من هذه المتشابهات من المفاهيم، إذ لم يستعنى أحدُ منهم أن يَشرحَ لقرّائه ومُريديه مُفردات هذه المفاهِيم، إحتراماً لعُقول قرائه ومريديه، رَغمِ أنّ "مفكرينا" هم أصحاب دعوة العقلانية دون أهل السنة، وكان الأولى بهم أن يَتسِع صدرُهم لبيان ما يقصِدون بهذه المتشابهات، لكنّهم آثروا الإغْلاق والتشَابه والإخْفاء، وأعْرضوا عن البَيان والإحْكام والإيضَاح، لِحَاجةً في أنفسِهِم لا يعلمُها إلا الله.
من هنا نرى أن هذه المفاهيم المتشابهة، التي أصبحت الآن من ملامح قاموس "مفكرينا" المُعَاصِرين من أصحَاب التجْديد المُنْحرف والوَسطِية الزائِفة، يجب أن يُجلّي أصحابُها مقاصِدَها، وأن يُحْكِمُوا مَعَانيها، وإلا وقعوا تحت منطوق آية آل عمران، ويا حسرة على من وَقَعَ تحت منطوق آية آل عمران.
اللهمّ أرِنا الحقّ حقاً وأرْزُقنا إتِبَاعَه، وأرِنا الباطل باطلاً وإرْزُقنا إجتِنَابَه.