هل دفعنا بالثورة لدورة كاملة؟ الجواب مما نراه على أرض الواقع هو للأسف بالإيجاب، وسوف أحاول من خلال بضع السطور أن أوضح كيف ضلت عنا الرؤية، فبدل من التحكم بالدفة السياسية للوصول بالدوران المطلوب بنسبة 180 درجة بدأنا نتخطي نقطة التوقف اللازمة وفي الطريقنا للعودة لنقطة الصفر!
الخطأ الأول الذي وقعنا فيه جميعاً هو التخلي عن المهمة الرئيسية التي كانت تمثل تلبية مطالب الشعب من إنتزاع السلطة من الحاكم الجائر وحاشيته وتولييتها إما لرئاسة المحكمة الدستورية العليا أو لمجلس رئاسي مدني لتصريف الأمور حتى يمكن البدء في الخطوات اللاحقة من إنتخابات وصياغة دستور جديد.
ولم يصبح تحقيق مطالب الشعب ممكناً، حيث أن الشعب وافق على منح مبارك حرية التصرف في سلطة إدارة الدولة للجيش، وإختيار الجيش لأحمد شفيق وحكومته - وهم جميعاً من جبهة واحدة - هو المطلوب لإدارة البلاد سياسياً أو لتحقيق المطلوب. فهذا الإسناد للحكم كان غير عادل إطلاقاً، لأن الجيش مع كل التقدير ليس لديه أي خبرة سياسية للقيام بالعمل الموكل إليه من الرئيس المخلوع، ولم يكن لبقية النخبة من الحزب الوطني الذين ثبت تورطهم في قتل الأبرياء وترويع الشعب أي مصلحة من تحقيق هذه المطالب أو إنجاح الثورة.
الخطأ الثاني الذي داهمنا هو أننا لم نرى تقدماً ملموساً في تلبية متطلبات الشعب ولم نلزم الجيش لتحقيقه – إما بسبب فرحة خروج مبارك وتعديل "الدستور المؤقت" ثم التصويت على التعديلات - ويمكن عرض هذه المتطلبات بإيجاز في إنتخاب حكومة مؤقتة للبدء في تنفيذ الآتي:
أولاً: تغيير النظام وهذا المطلب يعني تغيير كل النظام الذي كان يسود في عهد مبارك الظالم شاملاً للدستور والحكم العسكري وإزالة الوطني تماماً وإغلاق أمن الدولة المارق وإنهاء قانون الطواريء. أي تغيير جذري لكل المعالم السياسية التي شابت نظام الرئيس المخلوع.
ثانياً: إنتخابات جديدة لمجالس الشعب والمحليات والمحافظات، بعيداً عن المحسوبيات والفساد، ثم إنتخلبات رئاسية جديدة وصياغة دستور جديد يحترم من جميع الفئات الشعبية والسياسية. ثم مطالبة الرئيس الجديد بتعيين حكومة جديدة من علماء وشرفاء المصريين من أصحاب السمعة الحسنة.
ثالثاً: تنقية الهيئة القضائية من الفساد وإعطائها من السلطات ما يمكنها من تحكيم القانون بحزم، وتعيين أجهزة رقابية بسلطات قضائية عليا لرقابة ومحاسبة كل موظفي الدولة بدءاً من الرئيس المنتخب والوزراء والجيش وباقي السلطات التنفيذية، لمنع حدوث أي تجاوزات مثلما كان يحدث في عهد مبارك.
رابعاً: إنهاء الفساد الإداري والسياسي في مصر والقبض على كل المجرمين واللصوص والخونة وإستعادة ثروات الشعب المنهوبة، وإسترجاع الأراضي المسروقة والأثار المهربة، وإنهاء تام لأي مشروع لإشعال فتن طائفية.
خامساً: العمل الفوري على رفع المعاناة من على الطبقات المطحونة من الشعب من أصحاب الدخول البسيطة من العمال والموظفين والفلاحين وإنتزاعهم من تحت خط الفقر حتى يمكنهم ممارسة حياتهم بعزة ومساهمتهم في الثورة بموضوعية. والحد من الأجور الخيالية التي كانت تدفع للمدراء و"أصدقاء السلطة" من صناديق الولاء السياسي كرشوة من السلطة لتنفيذ الأوامر السيادية في كل من القطاع الحكومي والقطاع العام.
خامساً: تتطهير الصحافة والإعلام المصري من أقلام وأصوات الساقطين والمندسين في القطاعين الحكومي والعام، الذين كانوا ومازالوا يسعون لتخريب البلاد.
سادساً: مطالبة الحكومة الجديدة بالعمل لتحقيق مصلحة الشعب والبلد وعدم السماح بأي تجاوزات في حقوق الشعب والدولة وتأمين مصادر مياه النيل والكهرباء والغاز، وعدم التفريط في حقوق الشعب من تحصيل أعلى إيرادات ممكنة من بيع الغاز أو البترول.
الخطأ الثالث كان في إعتقاد البعض من شباب الثورة أن تنازلهم عن معظم مطالب الشعب قد يعني إعطاء فرصة للجيش للإنجاز المهام، وفي ذلك تجاهل أن الجيش مازال يعاني من تحكم بعض قياداته من رجال مبارك، الذين عاقوا أي محاولة لتحقيق هذه المطالب على أرض الواقع.
الخطأ الرابع هو بسبب عدم فهمنا للمنطق الديموقراطي، أو إعتقادنا أن الدين والديموقراطية أو الدين والسياسة لا يمتزجان، وإطلاق العنان لكل مندفع إما للتهكم على الدين أو إتهام الملتزمين من المصريين بما لم يثبت ولا يليق. وهنا أحببت أن أتوقف لأشرح لهؤلاء بعض الأمور الواقعية بعيداً عن الإساءة والأحلام:
الأمر الأول: أنه لا يمكن إختزال الدين الإسلامي في كونه مجرد شعائر تقام في المساجد أو في المواسم. فالإسلام لمن لا يعرف هو دين شامل ونظام حياة متكامل، ويشمل كل متطلبات الشعب من الوعي والمشاركة السياسية والديموقراطية.
الأمر الثاني: هو أن كل دساتير الدول المسيحية واليهودية هي دساتير صيغت بصبغة دينية ولحماية الصليب وعبادته في الدول المسيحية مثل أمريكا وفرنسا وأسبانيا وإيطاليا، ولو إتسمت هذه الدول بصبغة علمانية مثل بريطانيا، أو لحماية الملة والطائفة اليهودية كما هو الحال في إسرائيل. وبالتالي لا يمكن في مصر ذات الأغلبية المسلمة أن نستنسخ دساتير تخالف الشريعة إسلامية أو دساتير علمانية بحتة تنقص من هوية الأمة وتنزع من الشعب هويته الدينية، حيث أن ذلك لا يجوز شرعاً وسيخالف إرادة الشعب الحقيقة، وينتقص من المصادر القانونية التي يمكن إعتبارها للحفاظ على أمن وأمان الدولة وكل فئات الشعب.
الأمر الثالث هو تحكيم الشريعة الإلهية وجعلها المصدر الرئيسي للتقنين، فهي وحدها هي التي تحقق لكل فئات الشعب وطوائفه أهدافه من الحرية السياسية، وحرية العبادة، وحرية الفكر، وتكفل له الأمن والأمان، والعدل والمساواة في الفرص، وتكفل الدرع الواقي الشعب من الترويع الإجرامي والسياسي ومنع الفساد، وتكفل عدم التفريط أو الإفراط الديني والوسطية السمحة. والشريعة هي التي تسهل على الناس تعلم السياسة وفهمها وممارسة ما يصلح منها. وبالتالي فإننا لا يجب أن نتبرأ من إرتباط ديننا بسياستنا بل ويجب أن نتفهم أنهما مرتبطان وأن أي محاولة لفك هذا الإرتباط أو لتمييع مفهوم الإسلام السياسي إنما هو صنيعة الجهل الديني أو نزعات لإفساد مصلحة مصر والمصريين وإضاعة هوية مصر الدينية.
الأمر الرابع: هو أننا لا يصح أن نسمح لأحد مهما كان أن يتهكم على الله ولا على الرسول (ص) ولا على الدين الذي إرتضاه لنا الله، أو أن يستهزيء بالإسلام أو أهله أو شعائره. ولا سيما أن المسلمين لا يستهزؤون بالملل الأخرى ولا يجوز لهم التهكم على الكتب السماوية ولا على الرسل الأخرى.
الخطأ الخامس هو أن منا من يعتقد بأن تفعيل مفاهيم الحرية والديموقراطية والعدل على أرض الواقع السياسي هو أمر يتأتى بالمطالبة فقط بهذه الحقوق، وهذا الفهم خاطيء بالمرة وليس له أي سبق تاريخي في دول العالم المتقدمة. ولإصلاح هذا الخطأ يجب علينا أن لا نترك واجباتنا لغيرنا ولا تفويض من ليس لديه الخبرة على الأداء أو من لا يستطيع تحقيق هذا العمل بأي سبب كان.
كان علينا أن نرسم خطة وسياسة واضحة لتحقيق مطالب الشعب. ومن مباديء الإدارة في رسم الخطط هو أن تكون الخطة واقعية ممكنة التنفيذ ولها معالم واضحة وخطوات مبرمجة زمنياً، ثم نقوم بالعمل على تنفيذ الأهم فالمهم، ثم مقارنة الإنجاز الذي تحقق بعد تفعيل كل خطوة على حدة حتى لا نلف في حلقات مفرغة تعود بنا لنقطة الصفر ونحن لا نشعر بما يحدث أويدور من حولنا، وتكون النتيجة هي إضاعة إنجازات الثورة وإهدار التضحيات، حتى ولو حسنت المقاصد والنوايا!
وأنا لم أكن فس يوم من محبي النقد السلبي لذاته، ولذا أحببت أن أقترح على من وَكَلهم الشعب للتفاوض بإسمه أن يبدأوا فوراً بتفعيل المجلس الرئاسي المؤقت بإنتخاب ثلاثة أفراد مدنيين يقومون بإستلام فوري للحكم من المجلس العسكري، وهذا يتوافق مع مطلب الجيش بالعودة لعمله في حماية حدود مصر وحماية شعبها، ثم الإجتماع بالحكومة المصرية للإتفاق على جدول زمني لإنجاز أولويات الخطة وتحقيق مطالب الشعب. ذلك سيرجع الأمن بالشارع المصري، ويعطي الشعب الإطمئنان المنشود، وسينفي أي أحاسيس بالتواطؤ أو التباطؤ، وسيدفع كل مواطن على تحقيق أعلى أداء وظيفي أو مهني لتحسين مستوى الحياة في مصر والخروج من عنق الزجاجة.