فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      عقيدة الموحدين في قواعد التكفير – لله وللح

      الحمد لله والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى وعلى آله وصحبه

      لا أدري عن نفسية المتخاذلين او المتميعين والاستسلاميين والمتراجعين، وكافة طائفة ال"ين" من هذا اللون من البشر، لكني أحسبها نفسية معقدة تافهة ترتكز في مشاعرها على نفس مهزوزة مهزومة، وفي أفكارها على عقل ضعيف جاهل لامنطقي.

      وقد سمعت لسنواتٍ طويلة مرت، من كثير من المرجفين (من طائفة ال"ين" إياها!) عن إنني، وبعض أحبابي، من التكفيريين (!)، الذين يكفرون المسلمين، هكذا بإطلاق! وبالطبع، فقد أخرجت مجلدات عدة في شرح الإسلام وأفكاره ومبادئه وأصوله، حسب معتقدي الذي هو أقوال أهل السنة والجماعة، لم أحد عنها قيد أنملة، فلم أر أحد من تلك الطائفة الخبيثة من ال"ين" يكتب رداً واحداً، لا والله ولا ردٍ واحد لا غير، بشكلٍ علميّ مدعومٍ بدليل يرد على ما ادعيت طوال عمري أنه مذهب أهل السنة، فقهاً وعقيدة. بل دونت كتباً في الردّ على أهل البدع من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والصوفية وغيرهم، خلال نصف قرن من الزمن، أغفلتها طائفة ال"ين" الخبيثة.        

      وقد دونت في مقدمة افتتاح موقعي منذ 2004، صفحة عقيدتنا، ثم نشرناها في كتيّبٍ للتيار السنيّ مع مشاركة أخي الحبيب الشيخ د هاني السباعي، ولا تزال على الموقع بحمد الله تعالى.

      وحتى لا نترك القول لطائفة المتخاذلين والمتميعين والاستسلاميين والمتراجعين والمرجفين، أبيّن عقيدتي، ومن أحبّ، فيما يلي.

      أقول وبالله التوفيق:

      1. التكفير مسألة فقهية، لها قواعدها في كتب الفقه، وبعضها يندرج في العقيدة، من حيث موضوعها.
      2. لا يصح أن يُكفِّر مسلمٌ مسلماً دخل الإسلام بيقين إلا أن يخرج منه بقولٍ أو فعل يقينيّ، يدركه صاحب علمٍ واطلاع، وعقل قادرٍ على صحة إنزال المناطات.
      3. يصح أن يقع المسلم في الردّة، أي يكفر بتعبير آخر، وهو ثابت بالآية الكريمة "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ" المائدة 54. والخطاب هنا "للذين آمنوا".
      4. قد يدرك المرء أنه وقع في الردّة أو قد لا يشعر بذلك، بنصّ الآية القرآنية: "أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ" الحجرات 2. وأجمع علماء التفسير أن حبوط العمل هنا هو الكفر. وهذا دليلٌ يقينيّ لا ردّ عليه، أنه "قد" يقع الكفر دون قصدٍ من صاحبه.
      5. أنّ العامي لا يصح له أن يكفر مسلماً إلا إن كان في أمر واضح جليّ مما عُلم من الدين بالضرورة، كما ورد في الحديث الصحيح "وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» البخاري. مثل أن يسمعه بأذنه يسب الله سبحانه أو يسب النبي صلى الله عليه وسلم، أو يهزأ بآيات القرآن علانية، أو ينكر وجوب الصلاة أو الزكاة أو الحج، أو نبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن أقر بالله، ومثل ذلك مما لا يسع المسلم، بل وكثير من غير المسلمين، جهله.  وهذا المعنى ثابت بدلالة الخطاب في حديث "أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما" إذ لم يمنع الحديث المسلم من أن يكفّر من ظهر منه كفراً بواحاً، وإلا لقال "لا يصح أن يقول مسلم لأخيه يا كافر".
      6. أنّ حديث "أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما" إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه" البخاري ومسلم، صحيح على ظاهره، فإنه لا يصح كما قلنا أعلاه تكفير العاميّ لغيره إلا في الحالات الاستثنائية التي ذكرنا. ونصّ الحديث لا يمنع أن يُطلق أحدٌ على غيره لفظ الكفر، كما هو واضح، إلا بشرطه كما بيّنا، ولا يمكن أن يؤخذ به في إبطال القول بإمكانية التكفير بإطلاق. بل هو لشدة التحذير من خطورة أمر الرميّ بالكفر، دون علمٍ أو دون دليل يقينيّ. فإن ثبت العلم وصحّ الدليل، فهي فتوى كغيرها لا يحل كتمانها بدعوى الاحتراز، فإن مفسدة إخفاء العلم لها مفاسدها الكثيرة.
      7. إننا لا نرى كفر عوام المسلمين، بل نرى استصحاب الأصل فيهم، دون توقفٍ أو تبيّن، أو أي من البدع التي نسبوها إلينا وإلى الشيخ الجليل عبد المجيد الشاذلي رحمه الله تعالى، وهو منها براء، بل هي قول من أقوال الشيخ مصطفى الخضيري رحمه الله تعالى، وقد تراجع عنه.
      8. إننا نرى كفر الحكام بغير ما أنزل الله، المبدلين لشرع الله بتنحيته واستخدام غيره، وهو حقيقة معنى التبديل، كما في سبب نزول آيات المائدة 42 إلى 44، حيث أخفى اليهود الآية وحكموا بغيرها دون محوها من التوراة، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يرفعوا أيديهم عن موضعها، "فإذا هي، (آية الرجم(، تلوح"، في حديث ابن عمر المتفق عليه، راجع نيل الأوطار باب رجم المحصن، وراجع تفسير الطبريّ بتحقيق أحمد ومحمود شاكر الجزء 10 ص 324 وبعدها. والأدلة على ذلك واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار، لا يحاجّ فيها إلا جاهل أو مغفل أو منافق عميل. وقد ناقشناها بالتفصيل في كثير من الأبحاث والكتب[1]، خلاف ما كتب علماء أهل السنة على مدى القرون عن معنى التوحيد.
      9. موضوع كفر المجتمعات يعتني بنوع النظام السائد فيه، أي إن كان النظام غير إسلاميّ فهو نظام كافرٌ، ويكون المجتمع يعيش على أحكام الكفر، فهو مجتمعٌ جاهليّ. وهذا مخالف لموضوع كفر الأفراد في المجتمع ذاته. فقد، يكون النظام علماني يسحب الدين من ساحة الحياة، ويحارب الإسلام عياناً بياناً، لكن الأفراد في المجتمع لا يزالون على أصل دينهم، مسلمون، كلّ حسب ما هو عليه، بل وهذا هو الواقع فعلاً.
      10. الأصل هو القاعدة الأصولية "الحكم بالظاهر والله يتولى السرائر"، كما في حديث "أفلا شققت عن قلبه" مسلم. ولقد قلب أهل الأهواء والبدع معنى هذه القاعدة وهذا الحديث الشريف، لكننا نكشف عوارهم فنقول:
        1. إن كان ظاهر المرء، والأصل فيه، الإسلام، فهو على إسلامه، لا يخرج منه إلا بدليل يقيني كما ذكرنا.
        2. إن ظهر من المرء كفر ظاهر واضح يقيني، مما ذكرنا منه أمثلة من قبل، فقد تعارض ظاهران، لكن يكفر الفاعل لأن الإسلام لا يجتمع مع الكفر في نفسٍ واحدة.
        3. إن كان الكفر مما فيه اختلافٌ "مُعتبرٌ"، وأؤكد على كلمة مُعْتبر، أي خلاف بين العلماء لا بين العوام، فالأمثل هو عدم الحكم بالكفر احتياطاً، وإن جاز اتّباع المقلد لقول العالم الذي يراه ثقة عنده.
      11. القول بأنه لا يصح "تكفير مسلم" هكذا بإطلاق، قول يفتح باب الكفر بذاته، إذ قد يكون الفاعل قائلاً أو فاعلاً لكفرٍ بواح، فيعتبره أحد المسلمين رغم فعله هذا مسلماً، وهذا خطير جداً، إذ يختلط الحق بالباطل، وينتفي الغرض من إنزال الرسالات والكتب والقرآن، الذي جاء "حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ" آل عمران 179. فإن دعوة هؤلاء المرجفين تلغي هذا التمييز، وتساوى بين المسلم والكافر "أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ" القلم 35.  
      12. القول بالتسلسل في التكفير بدعة شنيعة منكرة، لا يقول بها إلا الخوارج. أمّا عن قاعدة "من لم يكفّر الكافر فهو كافرٌ" فهي صحيحة بتوفر شروطها وعدم موانعها. فإنه يجب أن يكون الكافر الذي يُقال بكفره، قد ثبت كفره بيقين خارج عن الشك أو التأويل، وشاعت أدلة كفره وبانت براهين الشرع فيه، كما في الكفار الأصليين. فإن حدث وأن أحد المسلمين لم يكفّر نصراني أو يهودي، مع علمه بقولهم في الله وابن الله وعقيدة التثليث، فلا شك في أنه كافرٌ حكماً على الحقيقة، لكن يجب أن يُبيّن، له الدليل من باب الدعوة قبل إطلاق الاسم عليه.
      13. هناك موانع تمنع من إطلاق اسم الكفر على فاعله، منها النوم أو العته أو الجهل أو الإكراه أو التأويل بشروطه. وهي موانعٌ لها ضوابط شرعية محددة يجدها القارئ في مظانها من كتب الأصول والفقه، في أبواب الردة وأبواب عوارض الأهلية. وقد دوّن فيها العديد من علماء أهل السنة خاصة المحدثين، مثل كتاب الشيخ أبو العلا الراشد في عارض الجهل، كما دوّنت فيها كتاب "الجواب المفيد في حكم جاهل التوحيد" عام 1978[2]. وقد نظرت فيه إلى ما يقع عليه عارض الجهل عند الجاهل، ففرقت بين ثلاثة أنواع:
        1. الجهل بما هو من حدود التوحيد اللازمة لثبوت الألوهية لله، رباً وإلها، واحداً لا شريك له في قضائه ولا حكمه.
        2. ثم الجهل بأصول الشريعة ـ بمعنى القواعد القطعية فيها ـ سواء الثابتة بالنص أم بالاستقرار الكلي للنصوص استقراء مفيد للقطع[3]، ويدخل في حكمها المتواتر من الأخبار، والصفات الثابتة التي لا تعرف إلا بالنقل، ومواقع الإجماع والمعلوم من الدين بالضرورة من مسائل الفروع[4]. وهذا القسم كله لا يكفر الجاهل به قبل إقامة الحجة عليه، وفيه تفاصيل.
        3. وهي الأمور التي تعتبر من أصول الاعتقادات عند أهل السنة، ولكنها لم تثبت بطريق قطعي، فهي ظنية الثبوت عند البعض. وما كان مثل هذا فلا يكفر جاهله قبل إقامة الحجة عليه والجمهور على عدم تكفيره، حتى لو أنكره بعد إقامة الحجة عليه، وذلك لعدم إقامة الدليل القطعي مثل القول بالصراط والميزان ورؤية الله، كما في أقول المعتزلة مثلاً، بل يعتبر مبتدعًا فاسقاً.

      وهذا ما ندين به ونموت عليه إن شاء الله تعالى، رضي من رضي وسخط من سخط. ولا نزال في انتظار من يردّ على هذه العقيدة السنيّة الصافية إن شاء الله تعالى.

      د طارق عبد الحليم

      2 شعبان 1442 – 15 مارس 2021

       

      [1]  راجع على سبيل المثال كتاب "حقيقة الإيمان" مجموعة الأعمال الكاملة ج1 ص 55، المختصر المفيد في التوحيد السابق ج 1 ص 11

      [2] الطبعة الأولى 1978، طبعة مكتبة المدني ص 67، عقيدة الموحدين (بتقديم عبد العزيز بن باز رحمه الله) ص 327 وبعدها طبعة مكتبة الطّرفين، الطائف، 1991، الأعمال الكاملة ج 8 ص 27 وبعدها

      [3] الاعتصام للشاطبي جـ 1 ص 161

      [4] طريق الهجرتين ص 413. وراجع تفسير المنار جـ 1 ص 140 وبعدها في أقسام الكافرين في شرح قوله تعالى "إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون"، (البقرة 6) وأن هناك من الناس من لا يختلف بالنسبة إليه أمر العلم أو الجهل بسبب إعراضه الأصلي