إزالة الصورة من الطباعة

الأسماء والأحكام في شريعة الإسلام ج1

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

فقد سألني ابني الأصغر عن مسألة دفعتني لكتابة هذه السطور، نظرا لأنها عزيزة على الكثير من الشباب، بل ومن البالغين ممن لم يهتم بالتحقيق في مثل هذه المسائل.

فهذه مسألة عظيمة في فقه الشريعة واستيعاب العقيدة - وهو ما يتعلق به الكلام في مفهوم الإيمان، كما بيناه في كتاب "حقيقة الإيمان" - لم ينازع في فهمها وتطبيقها أحدٌ من علماء السنة والجماعة، وأوضحها كثير من كبارهم كابن تيمية وابن القيم وغيرهما في كتبهما. لكن نازع أحكامهما من أهل البدع من انتمى لفرقة المرجئة والجهمية ومن نازع في مفهوم الإيمان. ثم وسّع البلاء فيها مرجئة العصر بفتح أبواب وتشقيق كلام يؤدي بالمسلم إلى الإرجاء، بل في بعضها للكفر والعياذ بالله تعالى. وقد أوسع في شرحها شيخ الإسلام مجموع الفتاوى وفي غيره كذلك.

ولا أريد هنا توسيع دائرة البحث عما أردت له من بيان نقطة معينة في هذا المضمار، إذ موضوع الأسماء والأحكام شديد الاتساع، عالجت، وعالج غيري كثير، بعضه في مسائل الإيمان واختلاف الفرق.

فمختصر هذه النقطة المتعلقة بالمسألة هي وقوع الأسماء على مسمياتها وثبوت الأحكام على فاعليها بناء على هذه الأسماء، سواء قبل بلوغ الحجة أو إرسال الرسل بها، أو بعد ذلك.

وموقف أهل السنة في هذه المسألة واضح جليّ متسق مع بعضه دون تمحّل ولا عوج.

وما نريد إثباته هنا من أحكامها هو أن:

  1. الأسماء لها حقيقة شرعية تُستنبط من الكتاب والسنة، ويستعان على فهمها بأبحاث اللغة والدلالات اللفظية والسياق. وقد تتطابق مع ما في اللغة، أو يحصل لها تغيير وضعيّ بالشرع.
  2. إطلاق الحكم على من تحققت فيه صفة الاسم تارة قبل بلوغ الحجة وتارة بعد بلوغها إن انتفت الموانع وتحققت الشروط، وهو ما بحثناه في كتاب "الجواب المفيد".
  3. أن التفرقة بين الاسم والحكم بإطلاق هي بدعة شنيعة قد تؤدي إلى الكفر في بعض مناطاتها، يجب الابتعاد عنها والتحذير من مروجيها من غلاة المرجئة في عصرنا.
  4. أن عملية ربط إطلاق الاسم على الوصف المقارن، هي عملية شرعية بحتة لا يصح أن تدخل فيها العاطفة أو المشاعر، كما سأبين.

 

الجزء الأول

والأسماء التي ترد في الشرع، وفي الفقه المبني عليه، غالبا ما تكون قديمة في لغة العرب، كلفظ الكفر والنفاق والمعصية والإثم والصلاة، بل واسم الجلالة الذي وُصلت به الأسماء الحسنى، وإن حملت معانٍ جديدة تصاحبها تختلف في غالب الأحيان عن أصل استخدامها اللغوي بشكلٍ تام. فنقول باختصار:

"من فعل فعلا، قام به اسم الفعل بالتلازم المطلق، ووقع عليه الحكم مقيدا بالشروط والموانع حسب الحالة المعينة".

وهذا التعريف حكم جامع لهذه المسألة، بنيتُه على مجمل ما ورد عن السلف وما استقصيناه من تفصيل شيخ الإسلام في الأمر. وهو مقارن لقول شيخ الإسلام في الصارم المسلول "وبالجملة، فإن من قال أو فعل ما هو كفرٌ، كفرَ بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرًا.. إذ لا يقصد الكفرَ أحدٌ إلَّا ما شاء الله".

فمن فعل إحسانا كان محسنا في هذا الفعل. ومن فعل خيرا فهو خَيِّرٌ في فعله. ومن أثم أو عصى كان اسمه آثما أو عاصيا في وقت فعله، والشاهد على الجمع والتفرقة (الجمع بين الاسم والصفة والتفرقة بين الأحوال)، حديث المصطفى الحبيب ﷺ "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" البخاري. فهذا الحديث يدل على نزع الاسم، في حال من الأحوال، مع إمكان بقاء الصفة في غير تلك الحال. وبمفهوم المخالفة، يُقال بإمكان إضفاء الاسم في حال دون حال وهو حال المعصية (دون الكفر) على وجه الحصر، كما بيّن شيخ الإسلام في كثير مما كتب فيما يتعلق بتبعيض الإيمان.  

فعن إطلاق الحكم على من تحققت فيه صفة الاسم، فالأصل ما ذكرنا من إطلاق الاسم على فاعل الفعل بتوصيفه. ففاعل الإثم آثم وفاعل المعصية عاصٍ وفاعل الكفر كافرٌ، على الجملة، ويبقى التفصيل بقيود وتخصيصات شرعية وحالات مناطية.

ثم يجب التمييز بين اسم "الآثم والعاصي" الذي هو لغة اسم فاعل يدل على التكرار والاستمرار في كافة الأحوال، وبين الاستخدام الشرعي كما في اسم "آثم وعاصٍ" و"مؤمن" الذي رأينا في الحديث إنه مقيد بوقت الفعل، عند السلب خاصة، رغم إنه اسم فاعل.

فالخلط بين هذين الاستعمالين ينشأ عنه خلطٌ في تمييز الحكم. لكن هذا البيان لا يصلح إلا في موضع المعصية والإثم، دون الكفر كما ذكرنا، من حيث إن الإيمان مركّب تركيباً متمايّزا، لا يُنقض وجوده بتخلف بعضه، كتركيب رقم العشرة مثلا، كما أوضح شيخ الإسلام. أما الكفر، فهو غير ذلك، إذ لا يجتمع كفرٌ أكبر مع إسلام. بل ينفي الكفرُ الإسلامَ ويرفعه. ويبقى تحقق الشروط وانتفاء الموانع، في بعض صور الكفر، لإثبات وقوع الكفر الرافع للإسلام بصفته الشرعية على المعيّن.

وقد عالجت في كتاب "الجواب المفيد في حكم جاهل التوحيد" واحد من عوارض الأهلية التي قد يُعترض به على أهلية الواقع في عملٍ مكفر، وفصّلت فيه من حيث "الموضوع" الذي وقع عليه الجهل. وملخصه:

وسأبين حكم كل منها لاحقا إن شاء الله، لكن ما ألحّ عليّ لكتابة هذه السطور هي أسئلة تواردت لبيان:

وقبل التفصيل يجب النظر في نصوص ما ورد عن الأئمة الأعلام بهذا الشأن، ثم "تنزيلها منازلها" وفهمها على وجوهها الصحيحة، بالجمع بين أطرافها ورفع التناقض عن بعضها البعض.

قلت في شرح هذه النقطة في كتاب الجواب المفيد، وأنقلها لعظم أهميتها هنا، فاقرأها ثم أعد قراءتها:

" علم بالضرورة أنه إذا تقرر أصل من الأصول، وجب تنزيل كل النصوص ـ التي تبدو بظاهرها أنها مخالفة لهذا الأصل ـ على مقتضى هذا الأصل، وفهمها على ضوئه.

وليس هذا من قبيل الالتواء بالمعاني أو فرض مفهوم معين أم مسبق على النصوص ـ كما يظن البعض ـ ولكنها أصول الفقه وقواعد الفهم السليم هي التي تملي هذا النظر وتقرره.

فإن تأصيل أصل معين وتقريره لا يكون إلا بضم شواهد كثيرة من الشريعة تشهد لهذا الأصل ويقوم بها، وتجعل منه قاعدة عامة ومقررة يرجع لها في فهم سائر النصوص والحوادث الجزئية الأخرى، فإذا ما وجد نص واحد أو حادثة واحدة تخالف ـ بظاهرها ـ هذا الأصل، وجب فهمها على ضوء هذا الأصل وتنزيلها على مقتضاه؛ لأن معارضة نص واحد أو حادثة واحدة للأصل المقرر، تعني معارضة نص واحد لنصوص أخرى كثيرة، وحوادث أخرى كثيرة مجتمعة على معنى واحد يقرره هذا الأصل، فلا يعطل هذا بذاك.

ولا تكون هذه المعارضة قائمة أو ذات اعتبار إلا إذا اجتمعت شواهد وأدلة كثيرة تشهد لهذا المعنى المخالف بحيث ينتظم منها أصل آخر يقوى على معارضة الأصل الأول، وفي هذه الحالة فقط يجب المقارنة ـ تبعاً لقواعد أصولية أخرى ـ للترجيح بين هذين الأصلين.

أما إذا ما خالف الأصل المقرر نصًا هنا أو كلام لفقيه هناك، فتوقفنا عنده وعدنا إلى التشكك في الأصل الذي تقرر، فهذا ما لا يصح في قواعد الشريعة ولا في قواعد الفهم المستقيم.

ولقد قدمنا بهذه الكلمة لتبين بعدها ما نرد به على بعض شبهات قد عرضت، ونبين أيضًا بعض الإيضاحات الواجب ذكرها في هذا المقام. فمن الشبهات التي أوردها البعض على الأصل الذي تقرر سابقاً حديث الرجل الذي ذر رماد جسده، وحادثة ذات أنواط، وغيرها من الجزئيات التي اعتقدها البعض مخالفة لأصلنا المقرر بينما هي مفهومة على وجهها كما سنرى في عرضنا لها

أما عن الإيضاحات، فهي تتصل ببعض نصوص وأقوال لبعض الفقهاء، استخرجت من كتب ورسائل هؤلاء الفقهاء، فهم منها البعض عكس أصلنا المقرر سابقاً، مثل بعض أقوال للإمام ابن تيمية في بعض كتبه، أو ابن حزم، أو القاسمي، أو غيرهم مما سنعرض له إن شاء الله.

"إن الاستدلال بقول فقيه أو إمام من بعض كتبه، بينما نصوص أخرى لنفس الفقيه أو الإمام يفهم منها عكس المفهوم الأول لنفس أقواله في مواضع أخرى، لهو افتئات على الإمام أو الفقيه نفسه.

فالفقيه حين يتكلم في موضوع ما، ثم يعرض ـ بطريق العرض وليس بالقصد الأول ـ لقضية أخرى في معرض كلامه، لا يصح أن يستشهد بقوله في موضع آخر ـ الذي تحدث فيه بطريق العرض ـ لنقض كلام نفس الفقيه في موضع آخر، ناقش فيه هذه القضية بصورة أساسية ابتداءً. هذه واحدة.

والأخرى .. أنه إذا جاءت نصوص للفقيه أو الإمام توافق أصلا ً مقررا، ثم جاءت لنفس الفقيه أو الإمام في مواضع أخرى نصوص تشتبه علينا، أو تبدو بظاهرها مخالفة لنفس الأصل، لوجب علينا حمل المتشابه من هذه الأقوال على الوجه الذي يوائم الأصل، والذي شهدت له أقوال الإمام نفسه في مواضع أخرى؛ وإلا كان ذلك اتهامًا منا لهذا الإمام بالتناقض والتضارب في أقواله.

وليس ثمة ما يدعو إلى ذلك طالما اتسق المنهج، واستقام للنظر."[2]

وحتى أصلُ لغرضي من هذا البحث، سأبدأ في التعليق على بعض نصوص وردت عن شيخ الإسلام، حدث في فهمها والجمع بين أطرافها لبس عند الكثير من القراء.

قال شيخ الإسلام "وليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة"[3]

وقال "وحقيقة الأمر: أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق لمعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه"[4]

أقول، وهذا قولٌ عامٌ مطلق، صحيح بعمومه، وإن احتاج لتفصيلٍ وبيان. فقد جاء عنه كذلك "وبالجملة، فمن قال أو فعل ما هو كفر، كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافراً، إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله"[5].

ويقول الإمام الصنعاني "قلت: قد صرح الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة: أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر، وإن لم يقصد معناها. وهذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام، ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفاراً كفراً أصلياً"[6]

وقال ملا على القاري في شرحه على الفقه الأكبر المسمى منح الروض الأزهر شرح الفقه الأكبر “ثم اعلم أنه إذا تكلم بكلمة الكفر عالما بمعناها ولا يعتقد معناها لكن صدرت عنه من غير إكراه، بل مع طواعية في تأديته فإنه يحكم عليه بالكفر عند من جمع التصديق والإقرار"[7].

وقال التاج السبكي في طبقاته "ولا خلاف عند الأشعري وأصحابه، بل وسائر المسلمين أن من تلفظ بالكفر أو فعل أفعال الكفر أنه كافر بالله العظيم مخلد في النار وإن عرف قلبه"[8] 

فهل تتعارض نصوص شيخ الإسلام الأولى، التي ربط فيها الكفر بالشروط والموانع، مع قوله الثاني وقول غيره من الأئمة الذين لم يربطوه بهما؟

للإجابة عن هذا يجب أن ننظر في السياق التي وردت فيه تلك الأقوال، لنعرف حقيقة مناطاتها.

إذا نظرنا في النص الأول لشيخ الإسلام، وتتبعنا ما يتحدث فيه، وجدنا أنه يتحدث عن مسألة الأسماء في حق المبتدعين، والتي قسّمت الأمة وفرقتها شيعاً – من ص 466 إلى ص 478 – ثم يقول في آخرها، بعد ذكر أحاديث "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" وحديث "من غشنا فليس منا"، وأن هؤلاء ليسوا بكافرين خلافا للخوارج، ما نصه "وإذا تبين هذا، فمن ترك بعض الإيمان الواجب لعجزه عنه، إما لعدم تمكنه من العلم، مثل ألا تبلغه الرسالة، أو لعدم تمكنه من العمل ـ لم يكن مأمورًا بما يعجز عنه، ولم يكن ذلك من الإيمان / والدين الواجب في حقه، وإن كان من الدين والإيمان الواجب في الأصل، بمنزلة صلاة المريض، والخائف، والمستحاضة، وسائر أهل الأعذار، الذين يعجزون عن إتمام الصلاة، فإن صلاتهم صحيحة بحسب ما قدروا عليه، وبه أمروا إذ ذاك، وإن كانت صلاة القادر على الإتمام أكمل وأفضل، كما قال النبي ﷺ :( المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير ) رواه مسلم عن أبي هريرة في حديث حسن السياق، وقوله :( صلاة القاعد على النِّصْف من صلاة القائم، وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد ) ولو أمكنه العلم به دون العمل لوجب الإيمان به، علمًا واعتقادًا دون العمل."[9]

يظهر من هذا السياق في النص أن شيخ الإسلام يتحدث عن نقص أو جهلٍ في الإيمان "الواجب". والعارف باصطلاحات شيخ الإسلام يعلم ما هو الإيمان الواجب، الذي هو الفرائض والتشريعات التي تنزلت بعد إقرار التوحيد، أو "الإيمان المجمل" كما يسميه ابن تيمية كذلك (راجع كتابي الإيمان والإيمان الأوسط لشيخ الإسلام). ومن هنا فإن هذا النص لا يمكن استخدامه في موطن من نقض التوحيد، أو الإيمان المجمل، بقولٍ أو عمل، بعد أن يثبت أنه قاله أو فعله، فلا يُقال "... وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة" فهذا في حق من ضل عنه "بعض الإيمان الواجب لعجزه عنه، إما لعدم تمكنه من العلم، مثل ألا تبلغه الرسالة، أو لعدم تمكنه من العمل".

وعلى هذا يُحمل قوله الثاني "وحقيقة الأمر: أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ..." السابق ذكره. فهو في الأقوال والأفعال التي من قبيل القول بخلق القرآن وبعض مقالات المعتزلة والجهمية التي اختلف الأئمة في تكفير أصحابها (راجع ج12 ص 484 – 489). وهذه الأقوال، رغم التنازع في تكفير قائلها على التعيين، فقد قال شيخ الإسلام بأن أحمد لم يكفّر أعيان القائلين، إما لعدم قيام الحجة عليهم أو لكونهم من أصحاب الإيمان والفضل والجهاد. كذلك فإن مثل تلك المقالات فيها من الخفاء من ناحية، ومن قيام الشبهة من ناحية أخرى، ما يجعلها ليست مما نحن فيه من تكفير المعين بالقول أو الفعل المعين. وهنا يأتي قول شيخ الإسلام الثالث "وبالجملة، فمن قال أو فعل ما هو كفر، كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافراً ..." الذي أوردناه آنفا. فإنه ورد في معرض كفر ساب الرسول ﷺ. وهو ثابت نصا في القرآن ولا يحتمل تأويلاً، ولا يتطلب علما، إذ هو من الإيمان المجمل والتوحيد ومن صلب أصل الدين. فهنا، وفي مثل ذلك، يكفر المعين القائل أو الفاعل، قصد أم لم يقصد، علم أم لم يعلم. وعلى هذا يقع كلام الصنعاني الوارد ذكره أعلاه في شرك القبور. وقد وردت صيغة الكلام في كلا النصين بشأن المعين، لا أن القول أو الفعل كفر، بل قالا "كفر بذلك" أي المعين. ولا يتمارى في هذا إلا ضالّ.

ويؤكد ذلك ما جاء عن ابن تيمية في قوله "أما كونه عند المستمع معلوما، أو مظنونا، أو مجهولا، أو قطعيا، أو ظنيا، أو يجب قبوله، أو يحرم، أو يكفر جاحده، أو لا يكفر؛ فهذه أحكام عملية تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. فإذا رأيت إماما قد غلظ على قائل مقالته أو كفره فيها فلا يعتبر هذا حكما عاما في كل من قالها إلا إذا حصل فيه الشرط الذي يستحق به التغليظ عليه والتكفير له؛ فإن من جحد شيئا من الشرائع الظاهرة وكان حديث العهد بالإسلام أو ناشئا ببلد جهل لا يكفر حتى تبلغه الحجة النبوية. وكذلك العكس إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتفرت؛ لعدم بلوغ الحجة له؛ فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول فلهذا يبدع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها إذا أنكر ذلك ولا تبدع عائشة ونحوها ممن لم يعرف بأن الموتى يسمعون في قبورهم؛ فهذا أصل عظيم فتدبره فإنه نافع [10]"فهي كلها في معرض الحديث عن الأسماء والصفات، موضوع المجلد السادس، أي المسائل الإخبارية العلمية، فهذه كلها، كما بيّن شيخ الإسلام، أنها خبرية، سمعية، يجب فيها أن تصل الحجة وتقوم المحجة، فمنها ما يكفر منكرها ومنها ما لا يكفر لاحتمال التأول أو الظنية أو غير ذلك مما ذكر. وأين هذا من دعاء غير الله دعاء عبادة ومسألة أو من استعان بغيره سبحانه، أو أوكل الحكم للبشر، معرضا عن الشرع إعراضا تاما، بل معاندته في كل حكم وقانون، أو من يوالى أعداء الدين على المسلمين. فهذه الأمور هي أسّ التوحيد، فهذا مما يقع تحت قول ابن تيمية " وبالجملة، فمن قال أو فعل ما هو كفر، كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافراً".

كذلك يتبين هذا المعنى في قوله "فمن كان قد آمن بالله ورسوله، ولم يعلم بعض ما جاء به الرسول، فلم يؤمن به تفصيلا؛ إما أنه لم يسمعه، أو سمعه من طريق لا يجب التصديق بها، أو اعتقد معنى آخر لنوع من التأويل الذى يعذر به ـ فهذا قد جعل فيه من الإيمان بالله وبرسوله ما يوجب أن يثيبه الله عليه، وما لم يؤمن به فلم تقم عليه به الحجة التي يكفر مخالفها"[11]. فهنا يذكر بوضوح أن الخلاف في التكفير يكون فيما بعد ثبوت "فمن كان قد آمن بالله ورسوله" لدى المعين، ثم "ولم يعلم بعض ما جاء به الرسول" وهذا كلام بيّن لا يحتاج التعليق.

وبهذا يمكن فهم ما ذكره ابن تيميه في قوله "وهذا الكلام يمهد أصلين عظيمين: أحدهما: أن العلم والإيمان والهدى فيما جاء به الرسول، وأن خلاف ذلك كفر على الإطلاق، فنفي الصفات كفر، والتكذيب بأن الله يرى في الآخرة، أو أنه على العرش، أو أن القرآن كلامه، أو أنه كلم موسى، أو أنه اتخذ إبراهيم خليلا كفر، وكذلك ما كان في معنى ذلك، وهذا معنى كلام أئمة السنة وأهل الحديث.

والأصل الثاني: أن التكفير العام كالوعيد العام يجب القول بإطلاقه وعمومه.

وأما الحكم على المعين بأنه كافر، أو مشهود له بالنار، فهذا يقف على الدليل المعين؛ فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه، وانتفاء موانعه."[12]، فإنك تجده قد بيّن شروط ذلك، أي ثبوت الشروط وانتفاء الموانع. فقد ورد قبل ذلك في كلامه حين فرّق بين ما يُغتفر وما لا يُغتفر، وما يكون خطأ وما لا يكون خطأ، فقال: "وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن من بلغته رسالة النبي ﷺ فلم يؤمن به فهو كافر لا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد، لظهور أدلة الرسالة، وإعلام النبوة؛ ولأن العذر بالخطأ حكم شرعي، فكما أن الذنوب تنقسم إلى كبائر صغائر، والواجبات تنقسم إلى أركان وواجبات ليست أركانًا، فكذلك الخطأ ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، والنصوص إنما أوجبت رفع المؤاخذة بالخطأ لهذه الأمة، وإذا كان كذلك فالمخطئ في بعض هذه المسائل، إما أن يلحق بالكفار، من المشركين وأهل الكتاب مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، وإما أن يلحق بالمخطئين في مسائل الإيجاب والتحريم، مع أنها ـ أيضًا ـ من أصول الإيمان.

فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة، هو من أعظم أصول الإيمان، وقواعد الدين، والجاحد لها كافر بالاتفاق، مع أن المجتهد في بعضها ليس بكافر بالاتفاق مع خطئه.

وإذا كان لابد من إلحاقه بأحد الصنفين، فمعلوم أن المخطئين من المؤمنين بالله ورسوله، أشد شبهًا منه بالمشركين وأهل الكتاب، فوجب أن يلحق بهم، وعلى هذا مضى عمل الأمة قديمًا وحديثًا، في أن عامة المخطئين من هؤلاء تجرى عليهم أحكام الإسلام التي تجرى على غيرهم، هذا مع العلم بأن كثيرًا من المبتدعة منافقون النفاق الأكبر، وأولئك كفار في الدرك الأسفل من النار، فما أكثر ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم زنادقة منافقون، بل أصل هذه البدع هو من المنافقين الزنادقة، ممن يكون أصل زندقته عن الصابئين والمشركين، فهؤلاء كفار في الباطن، ومن علم حاله فهو كافر في الظاهر ـ أيضًا."[13] فواضح أنه يتحدث عن مسائل الإيجاب والتحريم، لا أصل الدين.

وهذا الذي قررناه يواءم اختيارنا في كتاب "الجواب المفيد"، حيث نظرنا إلى الأحكام من حيث موضوعاتها، حين تعرضنا لعارض الجهل وأثره في إيقاعها.

ولا يغرّنك المتلاعبون بالمعاني، الذين يدّعون أن ابن تيمية أنكر التفرقة بين أصل الدين وفروعه، فإن هذا كذبٌ محض، بل قد ذكر تعبير أصل الدين فيما لا يُحصى من المواضع، دالاً به على التوحيد أو الإيمان المجمل أو كلمة السواء، وهو أمر يعرفه من اطلع على كتب شيخ الإسلام وردد النظر في كتبه بما يكفي.

ويُحمل كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، التي أشكلت على عدد من الباحثين، على هذا التفصيل.

وللحديث بقية إن شاء الله في الجزء الثاني

د طارق عبد الحليم

14 صفر 1444 – 9 سبتمبر 2022

 

[1] راجع الجواب المفيد في حكم جاهل التوحيد https://tariq-abdelhaleem.net/ar/post/73404 ص 10

[2]  الجواب المفيد في حكم جاهل التوحيد، طارق عبد الحليم https://tariq-abdelhaleem.net/ar/post/73404، ص 38

[3]  مجموع الفتاوى ج12 ص 466

[4]  السابق ص 487

[5]  الصارم المسلول ص 177

[6]  تظهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد ص 22 وبعدها

[7] الروض ملا على القاري ص 451 طبعة دار البشائر

[8]  طبقات السبكي ج1 ص 91

[9]  مجموع الفتاوى ج12 ص 478

[10] الفتاوى ج6 ص 60-61

[11] الفتاوى ج 12 ص 494

[12] الفتاوى ج12 ص 497

[13]  الفتاوى ج 12 ص 496

القراءة 

قص ولصق الرابط التالي

(https://tariq-abdelhaleem.net/ar/uploads/documents/9e09de3967478cfbb86a446b3bf41827.pdf)