إزالة الصورة من الطباعة

قراءة في قراءة د أكرم حجازي لطالبان – سقوط وانحراف

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم

لا شك أن للباحث د أكرم حجازي، الذي نتعرض له اليوم في كلمته، أو قراءته لخروج أمريكا من أفغانستان واستيلاء طالبان على السلطة فيها[1]، بعض ما يحمل قيمة ويدعو للإعجاب، من حيث يخلط الفكر الاجتماعي الوضعي بأحوال المسلمين، ويخرج ببعض صيغٍ ذات فائدة للموجّهين الاجتماعيين، إلى درجة ما. لكن كما يقال "الطبع يغلب التطبع". والباحث قد تربى تربية خالية من العلم الشرعي الأساسي أو التعمق في مصطلحات وفنون علوم الشريعة، واقتصر في جلّ علمه على الطرق العقلية المنطقية التي لجأ إليها من يدخلون تحت مطلة العلم الاجتماعي خاصة والعلوم "الإنسانية" عامة. وهؤلاء لهم منهجهم في النظر والتحليل، وإن صح في مواضع معينة، إلا أنه يشط ويُغرب عن الحق في مواطن كثيرة، فيحمل خبثاً ويُلقي زبداً. ومن هذا على سبيل المثال هو اعتماد تلك العقلية للفكر الشمولي الذي يغّلب الكليات على الجزئيات، ويعامل التصرفات الإنسانية كأنها نتاج عملية فيزيقية جبرية عامة لا روح فيها.   

وسأقوم بالتعرض لسقطتين من وابل سقطات فقهية وأيديولوجية وتحليلية في تلك القراءة، حتى لا أطيل على القارئ الكريم.

فالسقطة الأولى أن الإسلام هو القادر على اعتراض المسار الصيني والأمريكي ... وطالبان تصمد (ودعنا لا نقول تنتصر) حتى ينهزم الأمريكان طواعية لأسباب نختلف عليها ونتفق على نتيجتها (الهوان والعار والخزي)، والشرارة تكون من آسيا الصغرى .. لكنها ويا عجباه ليست من طالبان!!! الخيار العقلي المنطقي الوحيد ... لماذا؟ لأنهم أحناف!! عجيب.. وهل الأحناف ليسوا مسلمين؟ عجبي! بل هم مسلمو روسيا الذين ننتظر على أيديهم الخلاص؟ زمرة قليلة محكومة بطواغيت شتى، في دول آسيا الصغرى وبالطاغوت الأحمر داخل روسيا! أهذا منطق يقول به باحث منصف؟! ولو صح هذا لصح في العقول أن نقول أن الخلاص سيكون على يد تركستان الشمالية والإيجور! عجيب ..

والنقطة الساقطة الثانية هي ذلك التقسيم العجيب لمناطق النفوذ الفكري للمذاهب الأربعة! لا أدري من أين أتى الباحث بهذا التقسيم؟! قال إن المذهب الشافعي أعمق في أصول الدين، وهذا مع الأسف خطأ شنيع يدل على جهل قائله بالمصطلحات الشرعية، كما عرفنا عنه مسبقا. فإن الرسالة، وما أتبعها من كتب بُنيت عليها هي في أصول الفقه لا أصول الدين. وإنما كان غالب من اتّبع الأشعري من الأشاعرة، في علم الكلام أو ما يسمونه علم "أصول الدين"، من حيث كان هو شافعي المذهب، فقهيا، لا علاقة له بمذهبه الكلاميّ!. هذا خلط في خبط لا معنى له.

ثم إن للمالكية والحنابلة مشاركة رئيسة في علم أصول الفقه، كما أن من المالكية من هم من أكابر علماء الكلام كالباقلاني، رأس المالكية في زمنه. ثم من زعم أن السياسة الشرعية هي حنفية التوجه؟! عجيب استدلال ذاك الباحث؟ إن من أجود وأشهر ما كتاب في السياسة الشرعية هو كتابي السياسة الشرعية وأحكام أهل الذمة لابن القيم الحنبلي، وما دونه شيخ الإسلام ابن تيمية الحنبلي، ثم تحرير الأحكام للقاضي ابن جماعة الشافعي، ثم الأحكام السلطانية للماوردي الشافعي، ثم الأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلي الفراء الحنبلي، كتاب الغياثي للجويني الشافعي، إلا من عد كتاب الخراج لأبي يوسف من ذاك الباب، ولا يكاد. وتلك أشهر وأعرق ما دُون في السياسة الشرعية. فمن أين راودت تلك الفكرة العقيمة من أن السياسة الشرعية أعمق في المذهب الحنفي، عقل الباحث؟!

ثم ما هذا الخفاء المنسوب للحنفيّ عامة والذي ادّعاه عليهم في خطابه؟ من أتى بهذا التحليل؟ ما دليله عليه؟ أنما هو حطب ليل، أو رأي شخصي بناء على تجربة فردية شخصية لا أكثر ولا أقل. وهذا النهج لا يليق بمفكر ولا بباحث أن يعتمده في بناء تحليل أو "قراءة" كما يسميها!

نعم، إن الكلّ يخشى التوحش الصيني، سواء في ذلك المسلمون أو النصارى أو غيرهم. ونعم الصين دولة ملحدة لا قيم لها ولا مذاهب يمكن أن تتلاقى مع الثقافات أو العقائد الأخرى سواء الإسلام، أو العقائد الباطلة بشتى أشكالها. ونعم، قد يكون، معقولا في النظر الصحيح أن أحد أسباب خروج أمريكا هو حاجتها إلى مواجهة الصين بطريقة أخرى، وترك تلك المنطقة محترقة لتقطع عليها طريق الخروج العسكري. لكن الخروج العسكري هو السيناريو الأبعد هنا، بل الأقرب هو ما عرضنا في مقالتينا[2] عن طالبان من أن الانهاك الاقتصادي كان هو العامل الأول لخروج أمريكا من أفغانستان، ومحاولتها لصد هجوم الصين في الاقتصادي الواسع في كافة أنحاء أفريقيا وآسيا الصغرى، وتوجهها بقوة إلا أوروبا، بل وإلى القارة الأمريكية. فالصين لا تحتاج لخروج عسكري يصدّه الغرب، قدر ما تستخدم القوة الاقتصادية والتفوق البشري للتوسع والسيطرة والاستعمار.

وأخيرا، فإن تلك القراءة التي قدمها الباحث، وإن صحت بعض مقدماتها، كما هو الحال في غالب التحليلات السياسية والاجتماعية، إلا أن مسارها ونتائجها خرجت عن الصواب وعدلت عن الحق وجانبت العقل وخالفت الشرع وتجاوزت العدل، فلم تنسب لطالبان أي فضلٍ فيما حدث، بل وعرّتها عن أي احتمال في تقديم شعلة حق للمسلمين، وشككت في نواياها وخطابها بشكلٍ متعصب مزرٍ غريب.

د طارق عبد الحليم

8 صفر 1443 – 15 سبتمبر 2021

[1]  المسجلة بتاريخ 3 سبتمبر 2021 على اليوتيوب

[2] راجع https://tariq-abdelhaleem.net/ar/post/73344  "ما بعد دخول كابل! اختبار طالبان في حلقة السياسة العالمية"