إزالة الصورة من الطباعة

نشأة الشخصية ... بين الآباء والأبناء

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد

لا تقتصر علاقة الأب بابنه على طور النطفة فالعلقة فالمضغة، فالطفل الرضيع، فالشاب اليافع القادر على القيام بشأن نفسه، في بعض الأحيان! بل تتجاوز تلك العلاقة هذه الأكوار كلها، والتي يشترك في غالبها الإنسان والحيوان، إلى علاقة فكرية وأخلاقية وأيويولوجية، يرتفع بها الأبناء تارة عن آبائهم تارة، وينخفضوا عنهم تارات، أو يساووهم في أكثر الأحيان.

فالطفل الصغير، لا يرى أمامه، في مَهْدِ عمره ومَطْلَع حياته، إلا أمّا تحنّ عليه وتجود له بلبن صدرها ليأكل منه ويدفأ به. ولا يكون الأب في ذاك الوقت، إلا عاملاً من وراء الستار، راعياً للأم وللأبن معا، مؤمنا كلّ ما يحتاجونه، كالجندي المجهول. فهو، للرضيع، ليس إلا وجهاً مألوفاً، وصوتاً معروفاً، وإن تحدثت بعض النظريات عن مدى تلقى الرضيخ أو الطفل الصغير المعلومات البنّاءة في تلك الفترة، إلا إنها غالباً معلومات كليّة عامة، عن الأشياء الحسيّة لا أكثر.

ثم يبدأ الطفل في النمو، ويبدأ العقل في التكوين، وتصبح المعلومات الأساسية مخزونة بنسبة كبيرة بالفعل، كأسماء الأشياء، وصفاتها، وطبيعتها، وبعض علاقتها، فالنار مع الحريق أو الأكل مع الشبع، وبكلمة أخرى، يبدأ في الوعي بالأسباب ومسبباتها، بطريقة بدائية فطرية.

ومع تطور العقل، تتعقد شبكة العلاقات بين الأشياء وقيمتها وغرضها، وبين حقيقة الأسباب ومسبَبَاتها (أي نتائجها). وهذا الطور هو طور الصبا المتأخر والشباب اليافع.

هنا، في هذه المرحلة، تظهر شخصية الأب ويلوح وجهه واضحاً وأثره مكينا للولد، ويتوارى دور الأم شيئا فشيئا، إلى دور توفير الخدمات الحياتية اللازمة، أو التوجيه الحنون، القاصد إلى أمن الولد قبل أن يقصد إلى نجاحه.

والوالد، شخص في ذاته، له كيان عقليّ وتكوين سيكلوجيّ نفسيّ، وقدرة علمية، سواء متخصصة منحصرة في عمله، أو عامة شاملة تغطي مساحة أكبر في مسرح الحياة العامة، ماضيها وحاضرها، واستشرافا لمستقبلها.

يتفاوت الولد الناشئ في أسرة ما، من هذه الزاوية تفاوتا شديداً، يوازي تفاوت الناس في الرزق! وسبحان الله، الوالد جزء من رزق ولده بلا شك.

يرى الولد في صباه، تصرفات أبيه ومواطن ضعفه ومصادر قوته، ويلاحط رد فعله عند الأحداث صغيرها وكبيرها، حتى درجة ارتفاع صوته وانخفاضه، ومدى تأثره بما هو حاضر أو غائب. يلحظ الطفل الناشئ والشاب اليافع كلّ هذا بعين الفطرة، وبصورة الصحيفة البيضاء، تنتظر المادة التي تملؤها. فيكون الأب، لفترة زمنية طويلة، قد تمتد إلى ست أو سبع سنوات، مثالاً للأبن، وتكون تصرفاته مرجعاً له، في عقله الباطن، والذي سيقبله بعدُ كمصدرٍ له أو سيرفضه، حسب شخصيته الذاتية، التي تتكون بشكل غاية في التعقيد، خلال تلك المرحلة، والتي تليها من شباب مجادل متسائل، ثم التي تليها من رجولة قادرة أو عاجزة.

وخلال فترة التكوين الثانية تلك، في السنوات الست أو السبع، لا يكون حديث الأب لأبنه كثير الجدوى، بل هو التصرف والعمل. ثم تبدأ مرحلة الشباب الثالثة، فيكون التساؤل فالدل فالصراع، فالقبول أو الرفض. وهذ أدق تلك الراحل وأصعبها، وأحوجها لخبرة الآباء وصبرهم وعلمهم، إن كانوا من أصحاب العلم، وقليل نادرٌ ما هم!

وقد رأينا من الأبناء من تفوق على أبيه، علمياً وشهرة، وهم غالب من نرى من المشاهير، الذين يندر أن تعرف آباؤهم. ومنهم من تساوى في الرفعة، حيث استقرت تصرفات الأب وأعماله ومعالم شخصيته، ثم موضوعات حديثه وتوجيهه للأبن، في عقله الباطن، وكتواطئت تلك التصرفات والأفعال، ثم الأحاديث والمناقشات، مع فطرة الإبن، فكُتب لها القبول، وتشكلت الشخصية الجدية متأثرة بشخصية الأب، وعملت، مع همة الإبن وعزمه على أن يكون مثل أباه، علماً أو فقهاً أو شهرة أو ثروة. وتجد مثل تلك الشخصيات حاضرة، وإن ندرت في الحضارات الغربية، من حيث أنّ الليبرالية والفردية التي يتبنونها، عملت على تحطيم أثر تلك الفترة الحاسمة، فترة الشباب المارق المجادل المُخاصم المُتسائل، وأعطت مساعة للولد، كي يستغني عن خبرة أبيه، وعلمه وفكره وتوجيهه، فأوهمته أنه قادرٌ بذاته على إنماء شخصيته، وتكوينها دون الاستفادة من تجارب أقرب البشر إليه وأحنهم عليه! لكنك واجدٌ مثل هذه الأنثلة، من نبوغ الإبن كالأب، أكثر حضوراً في تاريخنا الإسلاميّ، لعكس الأسباب التي ذكرناها في منطق حضارة الغرب. ونظرة في كتب الرجال تريك كم من الآبناء من ساؤ على درب أبيه، وساواه، أو قربَ منه، في مستواه العلميّ، وهي أكثر من أن تُحصى.

لكن، في بعض الأحيان، تكون شخصية الأب جانية على الأبناء، سواء قوة أو ضعفاً. فالأب الذي لا شخصية له، قد يؤثر تأثيراً سلبياً على ابنه، من حيث يعطيه مثال التسليم والإحباط، يكون له معْلَماً، أو في قليل من الأحيان، يدفعه حسّ المغالبة والرفض، ليصير عكس ما عليه ألأب من خسران وخيبة، وهي القليل من الحالات. أو قد تكون شخصية الأب طاغية قوية رفيعة الشأن، فلا يستطيع الإين مجاراتها، فإما أن يقنع بالقليل، أو أن يندفع نحو العكس والخسران، وهي حالات رأينا مثالها في حياتنا رأي العين.

الحاصل، أن مسؤولية الأب خطيرة الشأن، عميقة الأثر، دائمة الأثر، سواء شئنا أم أبينا. والموضوع أوسع من أن يُحاط به في وريقات قليلة، لكنه جهد المقلّ، إلى حين رجعة إن شاء الله تعالى.

*****

شخصية الآباء .. وعوامل تكوينها

تحدثنا من قبل، عن أثر شخصية الآباء على تكوين الأبناء، بشكلٍ عام مجملٍ، يقيم للموصوع صلباً، دون أن ندخل في تفصيل كثير من زواياه ووجه النظر في دقائقه وخفاياه.

لكن ترى، ما هي شخصية الأب التي عوّلنا عليها كثيراً في بناء الجيل القادم؟ أهي ثابتة على مرّ الأيام أم تتغير بتقدم الزمان؟ هل تبدلت عوامل تكوينها، عمّا كتبنا في تكوين شخصية الأبناء، بتفاني الأجيال بعضها في بعض؟ ما هي ملامح الشخصية الأبوية التي تنتج جيلاً ناجحاً رائداً؟

تحذير لازم:

وقبل أن أبدأ أودّ أن أبيّن للقارئ أن تناول هذا اللون من الدراسات فيه كثير من الذاتية Subjectivity ، وهو ما يضاد الموضوعية Objectivity، سواء من الكاتب، الذي تنعكس "شخصيته" هو على آرائه ونظراته، أو على القارئ، المتلقي لتلك الآراء، ومدي تلاقيها مع طباعه وشخصيته. لكنّ هذا لا يمنع أن مثل هذه الدراسة لازمة من ححيث إنها تقدم، على أقل تقديرٍ، قالب عام، ونمط يمكن من خلاله التصرف لاحتواء أنماط أخرى، تقرب أو تبعد من هذا النمط على قدر موضوعية الكاتب والقارئ جميعاً. ويعلم الله إنني تحريت الموضوعية ما استطعت لذلك سبيلا.

***

وكما نوّهت قبل، فإني لا أعتمد كثيراً، إلا النادر، على ما يدوّنه الغربيون في هذا الشأن بالذات، لإختلاف الأسباب والمقاصد والغايات، وتنافر البيئة التربوية والفكر الحضاريّ، بما لا يدع محلاً لتلاقٍ أو لاستفادة إلا في بعض النواحي القليلة، التي لا ننكر حاجة المُطّلع إلى معرفتها، وإن قلّت. بل إن كثرة الإطلاع على النتاج الغربيّ في هذا الشأن، هو من أهم أسباب انحراف أجيالنا الحديثة، والوسيطة (بين أعمار 40-60 عاماً)، عن المأمول منهم، حتى صرنا إلى ما نحن فيه من تبعية كاملة خاضعة للفكر الغربيّ، وكأن ذلك شرف ما بعده شرف!

الشخصية الإنسانية عامة، هي مُركّبٌ معقد متشابك، من جوانب نفسية كثيرة، يتصل بعضها بالنفس وبعضها بالجسد، فينشأ عن ذلك التفاعل العضويّ النفسيّ، توجّه معين، تظهر تجلياته في تصرفات المرء، وأحواله، وطرق تعامله مع الواقع والأحداث، وطريقة تقييمه للآخرين، وإحساسه بمسؤوليته العامة والخاصة، أقصد مجتمعياً وأسرياً.

والشخصية، أمرُها داخليّ ذاتيّ، غير ظاهر، لكن أثرها هو ما يظهر للعيان، سواءً في الصمت أو الكلام، أو الإيماء أو الإيحاء.

ويجب هنا التفرقة بين الشخصية والطبع. فالشخصية أعم من الطبع. إذ الطبع، أو الطباع، عنصر هام حاسم في تكوين شخصية ما. والطبع هنا يعني الجبلّة، التي فُطر عليها المرء. والطبع لا يكاد يتغيّر البتة، فكما يُقال "الطبع يَغلِبُ التطبع". ومثال الطبع حدة المزاج، أو استواءُه، أو تراخيه ولينه. ومن هذا الطبع، تنشأ "العادة"، مثل الخجل، أو الإنطواء أو الانفتاح. وهذه تتعدى إلى مثل الشجاعة والكرم والخوف أو البخل، وكلها درجات متفاوتة حسب الجبلّة، تبدأ على سبيل المثال من الخوف المُقعد ، إلى الحذر الموسوس إلى الإقدام الحّذر، إلى الاستهتار المُردي. فكلها متشابكة تنشأ عن بعضها، وأصلها في الجبلّة.

وهذه الطباع، لا يمكن، كما ذكرنا، تغييرها، إلا في أقل القليل وأصفر التقاصيل، لكنها تبقى متحكمة في النفس، وحيّة في الشخصية التي تحملها.

أمّا الشخصية، فهي أعم من تلك الطباع، إذ الطباع جبلّية. أما الشخصية، فمنها جبليّ ناشئ عن الطبع، ومنها مصنوع من البيئة والتربية معا. وسننظر في أثرهما فيما يأتي إن شاء الله.

والبيئة التي أعنيها هنا، هي كلّ ما يتصل بالطفل الرضيع، ثم الصبي الناشئ، ثم الشاب اليافع فالرجل المكتمل الشخصية، سواء من الناس، أو الأشياء، أو مركباتهما.

ويمكن النظر فيها من ناحية التطور التأريخيّ، لا الأهمية بالضرورة، في البيئة المنزلية والأسرية، ثم البيئة المدرسية، ثم الجامعية، ثم العمل.

وقبل أن نأخذ في الحديث عن الأثر البيئي في بناء الشخصية، نود أن نشير إلى أن وصف الشخصية بالقوة أو الضعف، هو، مع كونه تعميم وتبسيط مُخِلٌ، في غالب الأحيان، لأبعاد الشخصية الإنسانية، وتركيبها المتشابك، إلا إنه ضروريّ لتعامل الناس فيما بين بعضهم البعض. والناس عادة ما تصبغ القوة على الشخصية التي لها "حضور" حيثما كان صاحبها.

و"الحضور" هنا يعني أن المحيطين بالرجل المقصود، يلحظونه منذ الوهلة الأولى لسبب قد يخفى عن العين المبصرة، وإن لاحظته عين البصيرة.

وقد يتعدد سبب "الحضور" في مجلس ما. فإن العالم المتخصص في فرع معين من العلم، لا يحتاج إلى شخصية قوية لتلحظه الأعين، وتستمع له الآذان، وهذا حضور "مهني" Occupational leadership. وقد يكون الحضور بسبب رتبة أو موقع وظيفيّ، كرئيس مجلس إدارة أو جنرال، وهو حضور "رسمي" Position leadership، وغير ذلك من أسباب "الحضور". إلا إننا هنا لا نعني إلا "حضور الشخصية" غير المرتبط بعلاقات مبنية مسبقاً، بل هو حضورٌ آنيّ، سواءً كان في جمعٍ سياسي أو اجتماعي أو علميّ.

*****

البيئة العائلية:

والمقصود بالبيئة العائلية، التي تؤثر في بناء الشخصية، هي كلّ من، وما يحيط بالطفل، من بداية مرحلة إدراكه لمن ولما حوله إدراكا استيعابياً، وهو ما يمكن أن يبدأ بين الثانية والثالثة من العمر.

وبطبيعة الحال، فإن الوالدين هما أقرب الناس إلى الطفل. فهو يراهما على الدوام، خاصة الأم في السنوات القليلة الأولى. وتأثير الوالدين، ليس فقط عن طريق تصرفاتهما الفردية، وطباعهما الخاصة، لكن الأكثر أهمية هو شكل التعامل بينهما أولاً، ثم معاملة الإخوة والأخوات ثانياً، والذي يُعطي الطفل أداته الأولى لتقييم الغير. فهو يشاهد كيف يتحدثا في الغضب والرضى، وكيف يواجها الأحداث والأزمات، وإن لم يفهم طبيعتها، ثم ما طبيعة علاقتهما بالآخرين، بداية من دائرة العائلة المقرّبة، كالعم والخال، وأولادهما، إلى الأصدقاء ثم المعارف، وما طبيعة موضوعات حديثهما. وفي هذا يلحظ الطفل مدى الشدة أو اللين في الحديث أو المعاملة، ومدى الصدق والكذب في رسم تلك العلاقات، ومدى الفردية أو الاجتماعية التي تصبغ الطابع العائليّ عامة. حتى درجة ارتفاع الصوت أو خفضه في الحديث هو مما ينشأ عليه الطفل والصبيّ في وسطه العائليّ.

 أمّا علاقة الآباء بالإخوة والأخوات فهي علاقة مفصلية بالنسبة للصبي، أكثر مما هي بالنسبة للأم، من حيث إن دور الأب في تشكيل الشخصية يفوق دورها كثيراً. فالطفل، ثم الصبي، يلحظ، ويتأثر كل التأثر، بأي فرق في التعامل، أو التمييز بين الإخوة. وعادة ما يعزو هذا إلى حب الوالدين لأحد الأبناء أكثر من الآخرين، لكنّ هذا الإحساس، في غالب الأحوال، يزول في مرحلة النضوج، حين تظهر له أبعاد الصورة العائلية كاملة مفهومة.

ونحن لا نقلل من دور الأم في تكوين شخصية أبنائها. لا، على الإطلاق. فالأم مثال لابنتها في تصرفاتها أكثر من الأب عادة، خاصة في فترة ما قبل المراهقة. فهي ترى أمها ترتدي حجاباً وتلتزم بالصلاة، وتهتم بشؤون الآخرين وتحاول مساعدة الغير، فينطبع كلّ هذا، إن وافق طبعها، في شخصية الصبية منذ صغرها.

أمّا الولد، فيلحظ أباه أكثر مما يلحظ أمه، في التصرفات، ويسمع له في الآراء والتوجهات. ومن ثمّ فإن كان الوالد شخصاً تافهاً فقير المعرفة قليل العلم، همه العمل والتلفاز، لم يسهم في تطوير ولده البتة، بل يصبح له أثر عكسيّ، قد يدمر حياة الولد، إن لم يهديه طبعه الأصليّ لوجهة مفيدة.

والوالد، حين يكون من أصحاب العلم الدنيوي أو الشرعيّ، أو ممن له ثقافة ومعرفة بالحياة من خلال اطلاعه على بعض التاريخ والسياسة والعلم الشرعي، قلّ أو كثر، فإن الإبن سيتأثر حتماً إن أتاح الوالد له فرصة التلقي عنه، وإجابة أسئلته واستفساراته. وكم هي عظيمة تلك المسؤولية، تقع على عاتق الأباء، في صياغة فكر الأبناء وشخصياتهم، وتوجيههم، بشرط أن يكونوا هم أولاً على علم صحيح، قلّ أو كثر. وانظر إلى عبد الله لقمان في القرآن الكريم، كيف تحدث إلى ابنه وهو يعظه. آية من علو الهمة والشعور بالمسؤولية، وتوجيه لكافة الآباء بأن يحذوا حذو لقمان عليه السلام.

والتوجيه يكون بالمحاورة، وبالمثال، وبالتصرف، كما يكون بشرح الغوامض من المواقف التي قد لا يُدرك الولد أبعادها، على حسب عمره.

وهذا الأثر البيئيّ العائليّ، يستمر مع المرء شاباً حتى تكتمل شخصيته، قوية أو ضعيفة، عالمة أو جاهلة، طيبة أو خبيثة.

إذن، فالبيت، أو الوسط العائليّ عامة، هو صاحب الأثر الأول والأهم في تكوين الشخصية.  والأب هو الشخصية المحورية في هذا الوسط كله. وعلى دربه، هو والأم، يكون هذا الوسط في تراحم لا تزاحم، توادّ لا تضاد، أثرة لا إيثار.

ومن نافل القول هنا أن نشير إلى أنّ طبع الأب، لها تأثير مباشر على شخصية الأبناء. فالأب الصبور، أو الضَجِر، أو المتعجل، أو البطئ، صورة لأبنائه، يأخذون منها مثالاً، غالباً ما يواف طبعهم، إن توافقت جينات الأب والإبن في هذا الصدد.

ونود أن نشير هنا إلى أنه فرق بين "التربية"، و"التعليم". فالتربية هي أساس تكوين الشخصية وتقويمها وتوجيهها. والتعليم هو تغذية الشخصية بالمادة اللازمة لممارسة دورها في الحياة، من خلال معطيات المعرفة البناءة. ولا شك أن التعليم أو "العلم" فيه عنصر التربية قائم ومؤثر كذلك، لكنه ليس الغرض الأساس الأصيل فيه. فكلّ مربٍ معلم، لكن ليس كلّ معلمٍ مربٍ.

*****

البيئة المدرسية:

والبيئات المختلفة المؤثرة في الشخصية تتداخل فيما بينها، خاصة بعد عمر السابعة على وجه التقريب، حين يبدأ الصبيّ في الخروج من الدائرة الأولى الأهم في حياته، بيته، الذي تكون فيه التربية هي الهمّ الأول، إلى المدرسة التي تقوم بدور التعليم، وإن أثّرت من خلال التداخل الشخصيّ بين الصبيّ وبين معلميه، وبين زملائه وأقرانه.

والتعليم، هو عملية بناء العقل، وتطوير المنطق، وإقامة التصور، ومن ثم إعطاء الشخصية الأدوات اللازمة للتصرف، حسب مزاجها وتكوينها. وضعف التعليم، يعني نقص في قدرة الشخصية على العطاء، في أيّ مجالٍ كان.

والصبيّ، في بداية مرحلة تعليمه، يحتاج إلى التوجيه، من البيت خاصة، ومن المعلم، إن كان ممن يحسن فهم دوره في حياة المتعلمين الصغار. ولا أقصد التوجيه بمعني المساعدة على أداء الواجبات المدرسية. بل أعنى الإعانة على فهم الوسط الاجتماعيّ التعليمي الجديد، والتعامل مع أفراده، سواء من المعلمين أو الأقران. والصبيّ، في بداية هذه المرحلة، لا يعرف ردود الأفعال الملائمة للمواقف المختلفة. فالوسط المدرسيّ، ليس كالوسط العائلي، حيث الحماية والرعاية هي الهدف الأول. بل، العكس في الوسط المدرسيّ، يبدأ الصبيّ في التعامل مع وسطٍ الأصل فيه التحدي والشقاق والغلبة للأقوى. وهي نقلة كبيرة في حياة الصبيّ، لا يجب أن يُستهان بأثرها على شخصيته، أو عدم الاهتمام بتقييمها وتقويمها.

وهناك عوامل كثيرة، يجب اعتبارها في البيئة المدرسية، من حيث أثرها على تكوين شخصية الصبي البادئ في تلك المرحلة. تبدأ من مدى تفهم المعلمين لدورهم الخطير في هذا الأمر، للمادة التي تُدرس للصبي، ذكراً أو أنثى، مع مراعاة الاختلاف بين الجنسين، وهو أمر لم ينتبه له الوسط التعليمي على الإطلاق! فالمناهج الدراسية واحدة للجنسين. وقد يصلح هذا في كثيرٍ من المواد، مثل المواد العلمية والرياضية، لكن من اللازم الحتم أن يكون هناك فرقٌ في المادة التعليمية حين يتعلق الأمر بالعلوم الإنسانية. فتكوين العقلية يختلف بشكل حاسمٍ بين الذكر والأنثى. وهذا الفارق يبدأ من مرحلة الصبا المبكّر. فإن لم تُعتبر هذه الفروق، ظهرت عيوب وانحرافات كثيرة خطيرة في الشخصية، الذكرية والأنثوية. واحتياجات الذكر والأنثى في مراحل تكوين الشخصية، تختلف بالكامل عن بعضها، في اعتبارات كثيرة، تحتاج لدراسة مستقلة، تركّز على الشخصية الذكرية والأنثوية، وما يجعل كليهما يتألق ويتحصّل على أكمل طاقات الشخصية.

ولا شك أن عقيدة مجتمع ما تؤثر على منهجية تنشئة أبنائه، إذ ترى في الغرب كيف إنهم يسمحون للشذوذات، من كل لون ونوع، أن تظهر نفسها وتعيش في حامليها وتنتشر فيمن حولهم، ويعتبرون أن نقضها أو محاولة تعديلها تعدٍ على تطور الشخصية الطبيعيّ! ثم ينطلقون في هذا من زاوية حرية الاختيار، حتى لو كانت هدّأمة للفرد وللمجتمع! ومثال ذلك تشجيعهم الصبيان أو الصبايا أن يظهروا ميولهم لنفس الجنس بطريقة عادية، ويعاقبون من يردعهم، حتى لو كانوا أولياء أمورهم، فإن مفهوم "وليّ الأمر" في الغرب قد تبدل وانقلب رأساً على عقب في القرن الماضي.

وترى من هذا، أن هذه التصرفات هي تصرفات جماعية أو مجتمعية، يتآلف ويتحالف عليها المجتمع كلّه، ولو رفضها كثير من أفراده، بشكل منفرد. وبأنها، بل هي، مؤامرة على البشر، لمحو آخر ما تبقى من مظاهر الفطرة السليمة السوية في الناشئين. وهذا كلّه يأخذ دوره في الطور المدرسيّ، ويمثّل أثراً حاسماً على تفكير الصبية، ذكوراً وإناثاً.

وهناك جوانب لا حصر لها، تتعلق بالمعلم/المعلمة، وبالطالب الناشئ، وبالمناهج الدراسية، وبالوعي العام التربويّ، في البيئة المدرسية، ما يلزم النظر فيه بتفحّصٍ وتدقيق، إزالة آثار جاهلية عميقة الجذور، ضربت أبناءنا بمفاهيم فاسدة وتصورات خاطئة، وزينتها بحلو الكلام ومؤثرات الأفلام!

ومثال من ذلك، كذلك، ما تراه من عملية تهجين كاملٍ للمجتمع، باسم المدنية والتحضّر في التعامل! فالمرء، الغربيّ لا يجرأ على أن يسأل طبيبه تفاصيلاً أو يستفهم عن دواءً أو علاج قد يراه مناسب لسبب ما، إلا أقل القليل، إذ أوهموا الأجيال إن هذا ضد احترام المهنية، وتقدير دور المتخصص! وهكذا في كلّ حقل من حقول التعامل في المجتمع، باسم التمدّن. ونحن لا ننظر أنّ التخصص له الكلمة الأخيرة والقول الفصل في المسائل المتعلقة بتخصصه، لكني أشير إلى الناحية النفسية التي تقيّد المرء وتجعل سؤاله خروجاً عن العرف والأدب واللياقة!

ولهذا تجد هذه المجتمعات، رغم نظامها واستسلامها للنظم الموضوعة "systems"، قد تدَجّنت بالكامل، وأصبح النظام system سيداً لا مُستخدماً. وهذا كله ما تعمل البيئة المدرسية على زراعته في نفسية الطفل، وهو "سيادة النظام" والإيمان بعدله المطلق ونزاهته الكاملة وتحكمه الشامل.

*****

مكونات الشخصية وأنماطها

كما أسلفنا من قبل، فإننا نرى أن الشخصية الإنسانية يصعب حصرها في إطار واحد يغطي كلّ جوانبها. وهو ما وصلت إليه الدراسات الغربية مؤخراً كذلك، رغم وضوحه. وقد انتهت هذه الدراسات إلى اعتبار مؤشرات خمسة رئيسة، تدلّ على الشخصية الإنسانية:

1.  الانفتاحية: وهي مؤشر يعني مدى انفتاح المرء على من حوله، من سريّة وخصوصية تامة إلى انفتاح وشفافية كاملة مع الآخرين.

2.  إدراك الذات: وهو مؤشر يعني مدى فهم المرء لذاته، ومكانه في البيئة المحيطة، وما يدور حوله من أحداث من جوانب عدة، وفي مستويات كثيرة ودوره، سلباً أوإيجاباً.

3.  الاجتماعية: وهو مؤشر يعني مدى حرص المرء على الاختلاط بالغير وشعوره بالراحة في وجود الآخرين، ولعبه دوراً محوريا في التجمع المدنيّ ولو صَغُر، بين مرحبٍ بالخلطة والتجاوب على الدوام وبين محب العزلة والتفرد.

4.  التوافقية: وهو مؤشر على مدى استعداد المرء لتقبل آراء الآخر والموافقة عليها أو مخالفتها، بين موافق على الدوام، وبين مخالف على الدوام.

5.  التردد/التوتر النفسيّ: وهو مؤشر على مدى استقرار الحالة العصبية للمرء، بين قلق واطمئنان، بين تعصّب وانضباط، بين انفعال وهدوء .. وهلم جرا. فهو مؤشر عقليّ عصبيّ نفسي. ولعله الأبرز، وإن لم يكن الأهم في هذه المؤشرات.

وأول ما نلحظ هنا هو أنّ هذه كلها "مؤشرات" وليست "تعريفات" أو "حدود". وإن كنا نرتضي، لو حكم الأمر، أن نضع تعريفاً للشخصية بأنها "كيفية إدراك المرء وتصرفه في المواقف المختلفة".

 

لكن هذه المؤشرات الخمسة لا تحيط بجوانب الشخصية بكاملها كما أشرنا، وإن كانت تعطي انطباعاً جيداً عن الشخص، وردود أفعاله، دخليا وخارجياً.

وقد جرت محاولات في المجال السيكولوجي أو علم النفس، قسّم فيها العلماء الشخصية بطريقة ثنائية، في محاولات لوضع حدّ أو تعريف لها.

فمثلاً، اقترحوا أنّ الشخصية الإنسانية تنقسم إلى نوعيّ ألف وباء (Type A and Type B).

وصاحب الشخصية من طابع "أ" Type A، تراه يسجّل أرقاماً منخفضة أو عالية في مؤشرات معينة من الخمسة السابقة. فهو يسجل رقماً منخفضاً في المؤشر الأول (الانفتاحية)، وعالياً في الثاني (إدراك الذات)، ومنخفضاً في الثالث (الاجتماعية)، ومنخفضاً في المؤشر الرابع (التوافقية)، ورقما عالياً في المؤشر الأخير (التردد العصيب أو النفسيّ). وصاحب الشخصية من طابع "ب" Type B، يسجل عكس ذلك، على درجاتٍ متفاوتة.

لكن هذا لا يمنع من قول أنّ هذا التقسيم ليس حداً جامعاً مانعاً بطبيعة الحال، بل هو وصفٌ للشخصية وليس تعريفاً لها.

وقد ارتبطت مؤشرات الشخصية من نمط "أ" A، بقوة الشصية وعكسها نمط "ب" B بضعفها. وهذا أمرٌ غير صحيح على إطلاقه. بل إنه يجب اعتبار نمط الشخصية في ضوؤ كافة مؤشراتها، إذ القوة والضعف يتراءيان من مناظير مختلفة حسب الموقف الحاضر، والبيئة التي تتعامل فيها الشخصية. وهو بعدٌ يجب اعتباره في تحديد نوع الشخصية ونمطها. وقد شمل بحثي في الدكتوراة الأنماط المختلفة للشخصية حسب بيئاتها وملاءمتها لدورها في تلك البيئة. لكن هذا موضوع يتسع الكلام فيه من وراء غرض هذا المقال[1].

*****

النظرة العكسية لتطور الشخصية

وقد أشرت إلى موضوع أنماط الشخصية توسّلاً إلى محاولة إيجاد صلة، ولو بعيدة، تصل ما بين تاريخ بناء الشخصية وعوامله، وبين نمط الشخصية التي تجسّدت في شخصٍ ما، بعد تمام نشأته.

ولا شكّ أن عملية بناء الشخصية ترتبط ارتباطا أساسيا، وإن لم يكن متطابقاً تماما، مع الزمن الذي يعيش فيه الناس، أي تختلف مع الظروف الزمانية والمكانية للمجتمعات. ولكن من المفيد دراسة تاريخ النشأة لتفهّم الشخصية المحورية، ومعرفة مصادر نموها وتوجهاتها. ففي بعض الأحيان، يكون دافع التصرف خافٍ حتى على صاحبه، ويكون معرفة تاريخ عملية بناء شخصيته مفتاح لفهم نفسه وفهم غيره له.

فهناك ثوابتٌ لا تتغير في عملية بناء الشخصية. منها الطباع الخاصة بالفرد، وهي غالبا ما تكون خصوصية لا تتأثر إلا بما هو من جبلتها الأصلية.

وهناك عوامل بيئية، كما ذكرنا قد تؤثر سالباً أو موجباً، على الشخصية، فتحرف بعض جوانبها، أو تقيمها سوية قدر الإمكان.

*****

بناء الشخصية في العصر الحاضر

لاشك أنّ عوامل بناء الشخصية ترتبط بالزمان والمكان، الذي يرتبط بالتكوين البيئي والنظام الأسري. إذ كلّ عصر له ارتباطاته الأسرية، وعوانل بناء أسريّ، وسيطرة الأب على بيته، ودور الأم في بيتها، كلها عوامل تختلف اختلافاً حاسماً بين بيئة وأخرى، وبين زمن وزمن، وبين ثقافة وثقافة، إلى حدّ التناقض في بعض الأمور والأحيان.

وما يهمنا هنا، هو البيئة التي نسعي حافدين لتكون محضناً لأبنائنا، فننشأ شخصيات متزنة الطبع، غاضبة لله، طاهرة النفس، نقية السريرة، حانية على الأهل، ولية للمؤمنين، شديدة على الكفر والكافرين، قوية في العمل، رجّاعة للحق إن أخطأت، مسارعة في الخيرات إن تمكنت.

ولنصل إلى هذا، أو قريباً منه، يجب أن ننظر إلى كلّ عامل من العوامل التي تساهم في إنشاء الشخصية كما ناقشناها.

*****

شخصية الأب وتصرفاته

كما أسلفنا، فإن الأب هو العامل الأول، بعد الطباع الجبليّة، في تكوين شخصية أبنائه، خاصة الصبية منهم، لعوامل بيولوجية ونفسية بالطبع. ومن ثم، فإن النظر في الشخصية الأبوية، وما يجب أن تكون عليه، هو مفتاح النظر في أمرنا هذا الذي أخذنا فيه.

والأب، رجل متعدد المهام والواجبات، إذ هو أبُ وهو زوجٌ وهو أخٌ وهو ابنً، وهو صديق، وهو زميل، وهو عاملٌ لكسب قوت. وقبل كلّ ذلك، فإن له طباعه الخاصة، وشخصيته المستقلة. ثم فوق كلّ ذلك هو صاحب نظر خاص ورؤية معينة، يقيّم بها دوره في كل مهمة من المهمات الموكولة إليه، في مرتبتها.

ولأننا بصدد الحديث عن دور الأب، فسنجعل همّنا هنا النظر في جوانب الشخصية التي تُنشأ وتُوجّه وتُربي.

ولا بد قبل أن نضع بعض النقاط المتعلقة بهذا الأمر أن نشير إلى أنّ الطفل الصغير، منذ شهوره الأولى، وهو متلقٍ للعلم، بصورة أو بأخرى، بدليل تعلمه للغة. فهو، وع علم اللغة، يلتقط كثيراً مما يدور حوله، من صورٍ للتعاملات والتصرفات، خاصة من أبيه، وإن كان ذلك قد يبدأ في السنوات الأولى، لا الشهور الأولى. ومن ثمّ، لا يجب الاستهانة بالتصرف المسئ بحجة أنّ الولد لا يزال صغيراً لا يُدرك!

ومن أوصاف الشخصية، أو من تصرفات الأب التي تنبني على شخصيته، والتي نعتبرها صالحة لتنشئة الجيل القادم، على أفضل مما نحن عليه، أن يتصف الوالد بما يلي، قدر المستطاع، فإنه لا كمال في الخُلُق والشخصية إلا لرسولنا صلى الله عليه وسلم:

  1. تقوى الله سبحانه: ما استطاع المرء لذلك سبيلا، بأداء الصلوات، وتلاوة القرآن في البيت. فإن هذا مما يرقبه الطفل ويُزرع بذرةً في نفسه، لا تنتقض على الأغلب. ومن الواجب أن يكون ذلك قريب من مكان جلوس الإبن ليرى حركات أبيه وتلفظه بالقرآن.
  2. الإقلال من لهو الحديث: ومن إضاعة الوقت في المناقشات والجدل، فالطفل يستفيد من كلّ ما يرى، فهو كالأسفنجة في هذا العمر، يمتص ما يرى، سواء من المعلومات، أو التصرفات، بشكلٍ دقيقٍ عميق.
  3. مراعاة الهدوء في الحديث وخفض الصوت ما أمكن: فإن هذا مما ينطبع في تصرف الطفل، فإن عارضه طبعه الأصليّ، فإنه لا يجد فيه غضاضة ولا ينكره على غيره، وفي هذا ما فيه من قلة النهي عن المنكر.
  4. عدم الشجار وإظهار الشقاق مع الأم أو الأكبر من الأبناء أمام الطفل الناشئ: فإن ذلك يؤثر سلباً على اتزانه النفسيّ، ويزيد من توتره العصبيّ الذي أشرنا إليه مسبقا كمؤشرٍ على الشخصية، فيصبح مهزوزاً، مفزوعاً، غير متوازنٍ في ردود أفعاله. والواجب، عزل الطفل عن أيّ شجار أو جدلٍ غير محكومٍ بحكمة في الحديث، وبالأخص، عدم التلفظ بألفاظٍ مسيئة أيّا كان نوعها، ولأي سببٍ كان، فإن هذا مما يجعل الطفل معتاداً على مثل تلك الألفاظ أولا، وعلى سهولة استخدامها وهو الأهم.
  5. التحاور وشرح المسائل التي تعرض للطفل، أو الصبيّ حسب عمره: فإن من ميزة الطفل الناشئ الشغف بالمعرفة، وكثرة التساؤل، في كلّ أمرٍ يعرضُ له. وكيف لا، وهو صفحة بيضاء يراد بها أن تمتلئ بما يشفي ولعها بالمعرفة. فالواجب أن يصبر الوالد على أسئلة الطفل أو الصبيّ، فإنه مما رأينا عدم صبر الوالدين، ونهر الطفل عن زيادة التساؤل للشعور بالضيق أو للإشتغال بأمر آخر، وهذا الإنتهار خطأ معيب، بل يمكن أن يطلب من الصبيّ الانتظار برهة أو برهات، حتى يفرغ له الوالد إن كان مشغولاً حقاً، ثم يعود إليه، ولا ينسى، ما أمكن، من حيث إن ذلك يثبت الثقة في نفس الصبيّ بوالده وبتصرفاته.
  6. الابتداء بشرح بعض المسائل التي تختص بالدين وببداية الحياة، ثم التدرج لبعض حِكَمِهَا، مع تقدم الصبيّ في العمر، بأبسط طريقة ممكنة. وهذا الأمر بالغ الأهمية، إذ يستمر الصبيّ في التلقي حتى طور الشباب، وحين ينتقل إلى البيئة المدرسية، إذ حينها تتشابك أمامه مشكلات الحياة، ويبدأ في الحاجة المُلحة لفك طلاسمها، وفهم حكمها والاستفادة من تجاربها
  7. وعِبرها. وهذا لا يكون إلا بتوجيه وشرحٍ وبيانٍ من الوالد خاصة، يعتني فيه بذكر المسألة، ثم بيان أصلها، ثم معانيها وما تدل عليه، ثم كيفية تكوين رأي فيها وتقييمها، ثم الحكم عليها أو إبداء الرأي الحاسم الحق فيها. ولا يجب القفز فوق هذه الخطوات، بل يجب أن يكون تناول هذا الأمر منكقياً متسلسلاً لا خرق فيه، من حيث إن الصبيّ أو الشاب الصغير، يرى ضعف الاستدلال، وعدم ظهور العبرة وإن لم يجرأ على المصارحة بذلك، فتترك في نفسه فجوة قد تدوم دوام عمره.
  8. صدق الوعد واحترام الكلمة: وهي خليقة يجب التمسك بها في كلّ شأن من الشؤون، وإظهارها وتنبيه الطفل الناشئ عليها، من حيث تولّد الشعور بالمسؤولية وإحساس الرجولة. ومها تجنب الكذب في أيّ موضع والتعبير عن ذلك لفظاً، أنّ الكذب خليقة شيطانية سيئة لا ينتج عنه إلا الخيبة، ولا ينتج إلا عن الضعف. وهذا يكون في الأقوال والأفعال جميعاً. فإن اضطر الأب لتغيير خططه، فليشرح ذلك، ويبيّن سببه لأبنائه، معلّلاً ومبيناً للسبب، لا مستهتراً وكأن الأبناء لا قيمة له ولا رأي. فالأمر ليس أمر تنفيذ قرار، بل هو شرح لقرار، ليحفظ ثقة أبنائه أولاً، ويعتبروا من صدق الوعد ثانياً، ويتفهموا أن الأمور قد لا تجري على ما خططنا لها لأسباب معينة ثالثاً، وكلها نقاطٌ هامة ومحطات خُلُقية وفكرية تساهم في بناء الشخصية.
  9. الحفز على فنّ القراءة، سواء بالمثال، أن لا يصرف الأب جلّ وقته أمام التلفاز مثلاً، يشاهد توافه البرامج، بل يعمل على تكوين مكتبة، ولو صغيرة، في بيته، ويشجّع الأبناء على المشاركة في اختيار كتبها، حسب أعمارهم، بل وأن يكون لكلٍّ مكتبته الخاصة، يتسابق في ملئ رفوفها بما يحب. وعلى الأب أن يصرف وقتا في القراءة أمام أولاده، ليكون مثالاً لهم في هذا التوجّه.
  10. ملاحظة، ثم مراعاة ما يرى الآباء من نقاط تفوّق، هي عادة تكون راسخة في طباع الولد، فيحفزه عليها، مثل ملكة الحفظ، التي يمكن للأب أن يوجّه ابنه إلى حفظ القرآن أو الحديث للإستفادة منها على أحسن وجه.
  11. توجيه الأبناء، في المرحلة المبكرة من العمر إلى ما قد يشذٍ من طبعٍ أو ينبو من خُلُق. فإن الناشئ كالبذرة النامية، في أول خروجها من الأرض، تحتاج إلى مسندين يقيمونها ويقوّمونها في وجه الريح، حتى يقوى عودها وتستقيم على الطريق، عالية معتدلة. وهذه المرحلة يجب أن تكون مبكرة في عمر الأبناء، حيث إن معظم معالم الشخصية، يتكون ويثبت في ذات المرء أبكر مما نقدّر له. والشخصية قد ينتهي تكوينها الأساسي ببلوغ الحادية عشر أو الثانية عشر، خلاف تراكم المعلومات وفهم الحقائق، فإن هذا يستمر ردحا طويلاً من الزمن، فلا يصح الخلط بينهما. وتراكم المعلومات وفهم الحقائق، ساتها يتنزّل على الشخصية، ويتقولب بقالبها، وقلّما، في النادر، ما يغيّر من طبيعتها الأصلية.
  12. الحسم في الأمور، وعدم التراجع في القرارات، إلا إن ظهر خطأ القرار، وساعتها يجب على الأب أن يشرح سبب التراجع، مبيّ،ا أن الرجوع إلى الحق قوة لا ضعفاً، فإن في غير ذلك زعزعة ثقة الأبناء في أبيهم، وتعودهم على صفة التردد وعدم الحسم، وي من أسوأ الصفات التي يمكن أن تتسم بها شخصية المرء، أو الرجل عامة في أيّ من أدواره وأطواره.

*****

ثم هناك أمران، من العادات المكتسبات، في تصرفات الأباء وعاداتهم، يجب أن نشير إليهما، لأهميتهما القصوى في تربية شخصية الأبناء.

أولاً: ربط الطفل بالمسجد، وهو ما لا يكون إلا إن كان الأب متعوداً على الذهاب للمسجد، بشكلٍ منتظمٍ أو متقارب. ونحن هنا لا نقصد إلى بناء شخصية قادرة على الفوز في الدنيا والتفوق في صناعة المال فحسب، بل نحن في صدد بناء شخصيةٍ يكون همّها الأول هو رضاء الله سبحانه، فتنمو واعية بوحدانيته وتتحقق بمعانيها، وتتقوى بالعزة بربها ودينها، وتكون سطوة الإسلام في قلبها هي الغالبة، فتعمل لله، وتتعلم لله وترعى أهلها وتنشأ أبناءها لله، وتكون الدعوة مبتغاها، بأي طريق تيسر لها حسب طبائعها ونشأتها، وكلٌّ ميَسّرٌ لما خُلق له.

والثاني هو المبادرة بالإيضاح لمسائل يعلم المرء إنها قد تُشكل على ولده، أو تكون من رزايا البيئة المدرسية التي يستمع فيها لشبهات كثيرة، مغرضة أو غير مغرضة، سواء في ذلك. والأب في هذه المرحلة، يكون معلّماً وموجّها ومربياً، إذ عليه أولاً أن يحفز ولده على ألا يهاب سؤاله عما يعرض له من شبهات، ثم أن يفنّد شبهات الباطل بطريق علميّ شرعيّ وعقليّ، يتمشى مع الحاضر ووسائله وما استّحدث فيه من نظريات، وما ثبت منها من حقائق وما لم يثبت. وهذا الأمر هو ما نرى غالب الآباء غير موفقين فيه لقلة اهتمامهم بالتعلم ابتداءً، فتأتي استشهاداتهم ضعيفة، مردود عليها، في غير محلها، فإذا الأب محجوجٌ لا حاجٌّ، وإذا الولد فريسة في يد الشبهات، لا يعلم منها مفراً.

فمسؤولية الأب الأولى هي أن يتعلم بذاته، علماً يقدر به على أن يصد عوادي الشبهات عن أبنائه، وأن يصرف وقته في إيضاح ما استغلق وإحكام ما اشتبه في عقل ولده. وذلك، بطبيعة الحال، على قدر ما يمكنه من ذلك، فإن من الناس من لا يقدر على علم إلا النذر اليسير. وفي هذا الحال، عليه أن يوجّه ابنه إلى من يمكنه أن يزيل عنه الشبهات، سواءً شيخاً أو مثقفاً صاحب دينٍ وخُلُق، يطمئن إليه.

*****

دور الأم في بناء الشخصية:

وكما قال شوقي بحق:

الأم مدرسةٌ إذا أعددتها *** أعددت شعباً طيب الأعراق

وهو من أصدق ما قيل في هذا الباب. فإن دور الأم غاية في الأهمية، خاصة في السنوات الأولى من عمر الطفل أو الصبيّ، ذكراً كان أوأنثى.

فالأم هي الوجه الأول الذي يراه الوليد في دنياه، يرى فيه الحنان والعطف والرحمة والحب والرعاية متجسدة في صورة أمه، لا يكاد يرى غيرها. وهنالك تنشأ فيه روح تقدير الإحسان، والوفاء لمن يطعم ويسقي. فحب الأم لأبنائها لا شغب عليه، وإن كان من لون يختلف عن حبّ الأب لهم، فلكلّ طورٌ ودور.

والنساء بطبعهن الجبليّ، يقدمن العاطفة على العقل والشعور على المنطق، في كلّ حالة وحال. هذا ما أثبتته تجربة عشرة آلاف عام من تاريخ الجنس البشريّ، وأكدته الأبحاث السيكلوجية الحديثة، فلا معنى للمحاورة فيه.

وهذا الطبع، لا يعني تقرير حقيقة واقعة، دون تقييم أو تفضيل، أو حساسية. فكما ذكرنا، لكلٍّ من الجنسين دور معلوم مرسوم محدود، مجبول على خلائق معينة تتفاوت بين الأفراد بلا شك، ولكنها تجتمع في الجنس والنوع على أمور متقاربة في كلِّ جنس.

والمرأة، بطبعها كذلك، وتمشياً مع طبعها الذي ذكرنا، تحب الاجتماع، وتفضل مخالطة الناس. وهذا الكبع الاجتماعيّ لازم ليكون توطئة للقرب من وليدها، وحبها لملازمته على الدوام، وقدرتها على ذلك دون الأب.

وأما الرجل، فإن في طبعه الفطريّ الجبلي حب الأدوات والآلات، وهو ما تأكد منذ أيام رجال الكهوف، الذين صنعوا أول رماح وخناجر للصيد، بينما كانت نسائهم يرضعن أطفالهن، كما هو مفروض معهود. وقد رأينا مصداق هذا في عصرنا الحديث. فاارجل يعشق سيارته! وحاسوبه ومحموله، ويفضّل مجالستهم والتمتع باستخدامهم أكثر من أيّ شئ آخر! خلافاً للنساء، اللاتي يفضلن الجلوس مع الصاحبات والقريبات، في حديث أبعد ما يكون عن السيارات والحاسوبات.

فشخصية الأم، كامرأة، تختلف تمام الاختلاف عن شخصية الرجل. ومن هنا يختلف دورها في تنشئة الوليد عن دور الأب بشكلٍ حاسم.

*****

وشخصية الأم هي الواجهة الأولى التي يواجهها الوَليد في حياته، لذلك فإن اسها "أُمّ" أي تؤم وتتقدم. ومن هنا فإن جوانب شَخصيتها يجب أن تكون منضبطة ومتناغمة مع شخصية الأب، كلٌّ في مجاله، لصالح الناشئة، إذ لا الأب يمكنه تقديم ما تقدّم الأمة لأبنائها، ولا الأم بقادرة على أن تقدّم لأبنائها ما يقدمه لهم أباؤهم.  

ومما أرى أنّ شخصية الأم الصالحة تستحوذ على:

  1. التقوى: ورعاية حقّ الله في تصرفاتها، وتحمل مسؤولياتها، وأن يكون القرآن والسنة هاديها، والحكم لها عند الخلاف والشقاق مع زوجها.
  2. المثابرة: وهو خلقٌ لازمٌ في طبع الأم الصالحة، إذ إن واجبات الأم لا تقف عند حدٍ في زمانٍ أو مكان، إذ تسهر بالليل بجانب طفلها، وتتحمل ألم الإرضاع ومشقة المتابعة المستمرة بعينٍ لا تغفل، حرصاً على سلامة الوليد، وعلى حسن صحته وحمايته مما يؤذيه.
  3. الحنان: وهو أمرٌ يتجاوز القيام بالواجبات تجاه الأبناء. وهو ما نشاهده في كثير من أمهات العرب، الذين انتكست فطرهم، وتغيرت طباعهم، مع تآمر قرونٍ من التخريب المتعمد لطبائع الأنثى السوية، التي تنشأ أماً حانية مشفقة تضحي بكلّ شئ في سبيل وليدها.
  4. الرضا: ودور الأم في البيت، خلاف الأب ودوره في الخارج، لا ينفصل عن دورها كزوجة. إذ هي تشارك الأب في تهيئة مناخ معتدل المزاج، يعيش فيه الوليد، ثم الطفل ثم الصبيّ، مطمئن البال، غير متزعزع النفس أو مرتعب القلب، يرى صراعاً دائماً بين أمه وأبيه، فيستقر في شخصيته ولاوعيه أنّ الدنيا قائمة على الصراع والصراخ، والنزاع والشقاق، وأنّ البشر أعداءٌ بعضهم لبعض، إذ إن الأم والأب هما البشر كلهم بالنسبة للوليد. وهذا أخطر ما يكون في مرحلة تكوين الشخصية. ورضا الأم، وقناعتها هو صمام أمنٍ للطفل، يقيه زوابع الدنيا، إلى حين!
  5. حسّ النظافة والترتيب: وهذا الأمر، عن تجربة شخصية، بالغ الأهمية في تكوين شخصية الوليد، بل وفي توجيه طباعه ثم تصرفاته. إذ الأم المنظمة النظيفة، تُنشأ في عقل وليدها الذي يرقبها في كلّ لحظة، نفس الحسّ، بينما الأم المهملة المبعثرة الشخصية، تترك انطباعا لا يمّحي في شخصية وليدها، يلازمه طوال حياته.
  6. الفهم والمنطقية: في مقابل الشعور والعاطفية: وهو أمرٌ نعلمُ أنه قد يكون مخالفاً للجبلّة الأصلية للمرأة في بعض جوانبه، لكن هناك مستويات ومناح عقلية يمكن أن تتميّز فيها المرأة وتُحسنها، إذ ليس كلّ العقل والمنطق دائر في مجالٍ واحدٍ. فعقل المرأة يدفعها إلى حسن التصرف في الأزمات، ودعم الأسرة معنوياً في الملمات، وهو ما يعين الولد على تقدير دور العمل الجماعيّ، الذي تُعتبر البيئة الأسرية أول شكلٍ منه، ومستوى فيه، ومثال عليه.
  7. التواضع، والصدق واستقامة اللسان والعلم بمكارم الأخلاق، إذ كلّها مما يلحظه الطفل الناشئ، وإن اعتقدنا غير ذلك، ويرسخ في نفسه، ويكوّن جانباً من شخصيته، خاصة حين يكون ممن يلازمه ليلاً ونهاراً، في سنواته الأولى، التي تترسخ فيها معالم شخصيته، وتستقر عناصر جبلّته.
  8. الشغف بالمعرفة: وهي ضرورة يحتاجها الطفل والصبيّ، من حيث إن مصدره الأول والأساس في تلقيه اللغة، وسماعه للقصص والحكايات، واستماعه للحوادث والروايات، هو ما تلقيه الأمّ في سمعه، وما يتلقاه في روعه، سواء قصدت إليه أم لم تقصد. فإن كانت ممن لا يهتم إلا بتوافه الأمور وبالقيل والقال، فبئس ما سينشأ الطفل عليه. أمّا إن كانت ممن يحب الإطلاع، قدر المستطاع، فإنّ ذلك سينعكس على شخصية الطفل فيما يتلقاه سماعاً ومشافهة منها.

وأعرف إنّني لم أوفي الأمّ حقّها، في بيان دورها في حياة الأبناء، في سنواتهم الأولى، التي هي أهم سنوات العمر، حيث تتكون معالم الشخصية، كما ذكرنا، لكن ما ذكرتُ هنا هو بعض ما يجب أن تكون عليه الأمّ، جبلّة، وتراعيه تصرفاً، في تنشئة أبنائها.

*****

دور المعلم في بناء شخصية الأبناء:

وبعد أن انتهينا، بشكل غاية في الاختصار، من الحديث عن بعض ما يتعلق بشخصية المؤثرين في البيئة العائلية للنشئ، ننتقل مع الصبيّ من بيته إلى حيث يتلقى "العلم"، حسب المقصود بهذه الكلمة المطاطة اللزجة، والتي تتراوح معانيها اليوم بين طرفي العلم القليل، والجهل المطبق!

والمُعلّم يختلف عن المُرَبِّي. لكن المعلّم الحق هو من يشمل الإسمين، ويحمل الصفتين، وإلا فإن في الكتب والشرائط متسعاً لكل طالب.

وصدق شوقي مرة أخري حيث قال:

قم للمعـَــــــلّم وفِّهِ التبجيــــــلا *** كاد المعلمُ أن يكون رســــولا

أرأيت أفضل أو أجلّ من الذي *** يبني وينشأ أنفساً وعقــــــولا

وانظر يا رعاك الله إلى تفريقه بين تربية الأنفس والعقول، أي التربية والتعليم.

فالفرق بين الصفتين، هو أن المعلم يكتفي بنقل المعلومات وشرحها وإيضاح ما أُغلق منها على الصبيّ المتعلم. أمّا المعلّم المربيّ، حامل الصفتين، فهو من يفسّر ويُسقط هذه المعلومات على واقع الحياة، ويُلبسها تجارب الأمم والأفراد على السواء، ويستنبط للمتعلم فوائدها وما يحتاجه مها ليكون من المفلحين. والفارق جدُّ كبير.

ومشكلتنا في هذا العصر خاصة، في توفر المعلمين، بله المعلمين المربيين!

ولبيان ذلك، أعود بالقارئ نيّفٌ وخمسين سنة، حين كنا، نحن الذين في عقدهم الثامن الآن، نحسب، ويحسب كبارنا وعلماؤنا ودعاتنا، من المهتمين بالإسلام وأحوال المسلمين، أننا "جيل الصحوة". ثم إذا بالأعوام تمرّ مسرعة الخطى كأنها على موعدٍ مع قدرنا، فإذا بنا لسنا جيل الصحوة، ولا قريب منه! وإذا بنا نرى الجيل اللاحق لنا، فنأمل أن يكونوا هم جيل الصحوة، وهم من رأوا النور بين الستينيات والثمانينيات، لكن خاب أملنا مرة أخرى، وضاعت فرصة أخرى للصحوة. ثم جاء جيل التسعينيات، وهم اليوم الذين كانوا في عمرنا قبل أمثر من نصف قرن ... لكننا، ويا حسرتاه، لا نرى الأمل قائماً في هؤلاء الشباب والرجال، الذين هم في عمر أحفادنا اليوم!

وبين ذاك الجيل الوسيط، وهذا الجيل الجديد، نجد أن المعلمين، أو المدرسين، الذين تعتمد عليهم الأمة اليوم في تعليم وتربية نشئها الصغار، هم أنفسهم فاقدي للأهلية العلمية والتربوية، إلا من رحمَ ربيِّ، وهم الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة والعشرين والخمسين من العمر، ممن ولدوا في الفترة بين 1970 و 1995، على وجه التقريب بطبيعةالحال. وهي الفترة التي بانت فيها آثار السقوط التام بين مخالب الثقافة الغربية، ب