إزالة الصورة من الطباعة

من لوازم الإفتاء

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد   من الضرورات العلمية الشرعية، المفروضة على كلّ عالم يتعرض للحديث في الأحكام وإصدار الفتاوي في النازلات، أن يكون على علمٍ تام، أو كأتم ما يمكن، بالواقع الذي يتطلب إنزال حكم شرعيّ عليه، ليكون بهذا فتوى في ذلك الواقع بذاته. والعلم بذلك الواقع، ليس، كما يظن البعض، معرفة بعض ملابسات هنا وهناك، بل هو إحاطة بكافة الظروف المتعلقة بالواقعة، من قريبٍ أو بعيد، كالبيئة التي وقعت فيها، ودوافعها، ومراميها، سبباً ومقصداً، وطبيعة المتحري عن الفتوى في حقّه، وخلفيته الخلقية والعلمية، وغير ذلك، مما يجعل الفقيه أقرب ما يكون من المحقق الجنائيّ، فيمكنه أن يعيّن الحكم الشرعيّ التي تقع تلك الواقعة تحته، أو القاعدة الكلية إن لم يتوفّر نصاً، ثم يقيم فتواه بناءً على ذلك كلّه، وهو معنى الاجتهاد، أي بذل الجهد. وبدون ذلك فالجهد المبذول غير كاف للتوصل إلى حكم الله في الواقعة، ذلك بفرض علم المتعرض لذلك أصلاً.   ومن الأخطاء العامة أنّ أولئك الذين يدركون حقيقة تلك العملية الشرعية العلمية التي تسمى "الفتوى"، كما وصفناها، يعتقد أن الغلم بالواقع يقتصر على حال الأفراد الذين يسعون لفتاوى مختلفة، في أمور الحياة المتباينة. والحق، أن أحد جوانب معرفة الواقع، هو معرفة حال الجماعات والشعوب، لا مجرد الأفراد، ليكون تحقيق مناط الفتوى أقرب للحق الذي يريده الله سبحانه، ممن يوقّع عنه في تلك الواقعة.   وإذ اقرر هذا، أصل إلى ما أريد من هذه التقدمة، وهو إنني لا أرى كيف يمكن لعالم شرعيّ، في زمننا هذا، أن يدّعي التحقق بالواقع المطلوب، في قضايا خاصة أو عامة، دون أن يحيط بطبائع الشعوب، ومستقرات عاداتها وعرفها وتقاليدها، سواء الشرقية منها أو الغربية.   فأما الشرقية، فمن الواضح ضرورة ذلك، من حيث أن "العرف محكّم" كما هو في الأصول، حيث لا يعارض شرعاً. كما أن ذلك يعين على توجيه السبب والمقصد على حدٍ سواء، ومن ثم تحديد الدافع، وهو أصل "النية" في الاصطلاح الشرعيّ، وعليها يُبنى نصف أحكام الشرع.   وأما المعرفة بالغرب، وطريقة فكره، ووسائل عيشه، وعاداته وتقاليده ودوافع أهله، فهي لا تقل أهمية عما سبق، إلا في الغرض من ذلك، وفي حيز الأحكام المتعلقة بالعلاقة بيننا وبين الغرب عامة.   وكثير، بل غالب سكان الشرق، بله الفقهاء منهم، يعتقدون، توهماًن أنهم يعرفون الغرب، ويفهمون شعوبه، بل منهم من لا يرى لذلك أهمية أصلاً، إذ الأصل إنهم "كفار"، فما بالنا نبحث في واقعهم وطرق معاشهم!؟ وهذا المعنى يكاد يكون مستقراً في أذهان الغالبية الساحقة من علماء الشرق، وعامته.   وهذا خطأ كبير، لا شك فيه.   فإن معرفة أحوال القوم، تُعين على فهم تصرفاتهم ودوافعهم، وما هو من أصل عاداتهم، وما هو من صنع ألات الإعلام التي تخدعهم ليل نهار، كما تخدع شعوبنا نفس الآلة، ليل نهار.   ولا نقصد من هذا عذراً لأفعال لا تتوافق مع شرعنا، أو لعقائد ضالة وأديان محرفة، فهذا أمرٌ مبتوت فيه الرأي لا مجال لتجديد فيه. لكن المقصود هو توجيه طرق التعامل وجهة صحيحة، والتفرقة بين السبل المختلفة التي يجب سلوكها مع طبقات تلك الشعوب، ومع حكوماتها، أو أفرادها في بعض الأحوال. وهذا ما يضمن أمرين، أولهما الأمان لقومنا من مكر القوم الماكرين منهم، والثاني تحري العدل في التعامل معهم، كما وجهنا إليه الله سبحانه.   ولتحقيق معرفة أحوال القوم، لا يكفي أبداً، خاصة لمتصدّرٍ لإفتاء أن يأتي علمه بالقوم من سماع آراء وأخبار، أو نوادر المسافرين والعائدين، أو مجلات يكتب فيها كلّ من هبّ ودبّ. بل نرى أن الأجدر بالحديث في هذا الأمر، هو من عايش القوم، وعرف ثقافتهم وتفهم حضارتهم وشاهد عاداتهم، ورأي كيف تُدمّر حياتهم الاجتماعية، أكثر مما تبنيها، واستخلص العبر، التي تعينه على بذل الفتاوى لبني قومه، فيما يأخذون، وفيما يتركون، وفي كيف يتعاملون مع الغير. والأوفق والأفضل هو من باشر الحضارتين رأي العين، وعاش في بيئتيهما مما يسمح له أن يعرف دقائق الفروق بينهما، والخلل في كليهما. فنحن لا ننسى أن "حضارتنا اليوم" ليست حضارة إسلامية على الإطلاق! بل هي خليط شاذٌ غريبٌ من حضارة اختفت منذ مائة عام، وحضارة ارتفع شأنها حتى بلغت ذرواها، ولا زالت، منذ عدة عقود.   فالفقيه هنا في وضع صعبٍ للغاية، لا يدرك صعوبته إلا من عرف معنى ما أرمي إليه، وفهم غرض ما أقصد إليه، أحسّ بأهمية ما أشير إليه. وإلا، فإني على يقين أن هناك من سيُلقي بهذا الحديث عرض الحائط، معتقداً أنه مالك لعلوم الزمان والمكان، فلا يجب أن يشغل نفسه بما يقوله فلان أو علّان! وهؤلاء هم جراثيم الدعاة وفيروسات المفتين.   د طارق عبد الحليم 26 مارس 2020 – 1 شعبان 1441

 

https://www.facebook.com/tabdelhaleem/posts/10156604371745938