إزالة الصورة من الطباعة

الأشبار والأصفار بين الوصف والقذف

الحمد لله الذي لا يحمد سواه، المحمود على كل حال، وبكل لسان ومقال، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وبعد

عرفنا ما تمر به ساحتنا العلمية من خروقات لأهم أسس وقواعد المصداقية العلمية، وهي صحة الإنتماء إلى تلك الساحة، التي فتحت الأحداث أبوابها على مصرايها لكل دخيل مصطنع جاهل رويبضة، لا يملك حتى حق الحديث بله التدوين.

وكان من توابع ذلك "الانفتاح" الذي وصفه أحدهم "بجهاد أمة"، اغتراراً وتلبيساً، أن رمت تلك الشرذمة المارقة عن مركب العلم علماءً ومشايخ بألفاظ وتسميات، جاؤوا بها من أعماق هواهم المنحرف، فطفت على سطح كلماتهم كميت السمك في الماء العفن، إذ لا أصل لها ولا فرع. وهو أمرً لا نعاتبهم عليه لأمرين، أنه لا عتب على الناقص المريض، ثم إنها الطريقة الوحيدة التي تضعهم على خارطة الساحة العلمية، لكن كسراب بقيعة!

والسؤال هنا، من صاحب الحق في تعيين العالم من الجاهل وإسباغ اللفظ المناسب على من حصل له وجود على الساحة، سواء دخلها من الباب، أو تسرب من النافذة اللصوص؟

يتدرج السائر في طريق العلم حسب قواعد مسنونة تتكرر وتتقرر على مدى القرون والعصور، لا تجديد فيها ولا تغيير. فطلب تحصيل العلم أولاً، ثم العمل على فهم ما حصّل وربط جزئياته، ثم إدراك كلياته وتركيباته، ثم النظر والبحث في مسألة أو مسائل تشذّب قوى الاستنباط، نصا واستقراءً، ثم يكون محصول ذلك ما ينتج عن طالب العلم هذا من كنب وأبحاث، يقرر من عرف عنهم علو الكعب في ساحةالعلم قبلاً، إن كان يصح أن يوصف الطالب بالعالم، أو الشيخ في مصطلح العلوم الشرعية، أم هو لا يزال ناظراً في العلم لن ينضج بعد.

والعلماء، بعد أن يقرهم أقرانهم بأنهم مستحقون للقب، درجات. تبني على أمرين هامين، اتفق عليهما علماء الأصول، بلا خلاف. أولاً فهم مقاصد الشريعة في العلوم التي يقع عليها بحثه ودراسته، فهما تاما، لا يجوز فيه تقليد، حتى يكون مستوعباً لها لا يحتاج لغيره فيها. وهي أعم من "مقاصد الشريعة التي تّذكر في موضوع المصالح المرسلة، والتي فُتن بها رويبضات الزمن. وثانيها، التمكن من الإستنباط من الأدلة، وهو ما يسمونه الفقه، وهو علمٌ قائم بنفسه، يتحصل للمرء بالدربة ومزاولة النظر في المسال الفقهية، مقرونة بفهم مقاصد الشرع في محلها. وهذا الأخير لابد منه على تمامه مهما اختلفت درجة العالم كما سنرى.

وهذا القدر الذي وصفنا، يقع على ثلاثة أصناف، حددها العلماء بثلاثة كالشاطبي أو أربعة كابن القيم، ومحصلتها واحدة، قال الشاطبيّ "وليس وراء ذلك إلا العدم" الموافقات، كما قال ابن القيم بعد الرتبة الرابعة "رتبة كل متكلف متخلف متدني بنفسه" أعلام الموقعين.

فالأول هو من بلغ الاجتهاد في مقاصد العلوم الشرعية، وبلغ الغاية في فهم أصولها وكلياتها، لا ما يعني بها أصاغر زماننا من تصور فهم مصالح ومفاسد ينسبونها للشرع افتراءً عليه، كما كان مالك في الحديث أو الشافعيّ في الأصول، ثم تملك القدرة التامةعلى الاستنباط كما قررنا. وهؤلاء من في رتبة الأئمة الآربعة أو من وازاهم كابن تيمية والسيوطيّ وعدد ممن اتفق العلماء على جلالتهم وبلوغهم ذلك القدر. وهؤلاء يُشترط فيهم بلوغ درجة عالية في اللسان العربي حتى يكون فيه كأهله، من تصاريف اللغة وتراكيب الجمل وتصاريف العرب في كلامها، لا أقل.

والثاني، من فهم مقاصد الشرع في العلوم الشرعية، وإن لم يبلغ فيها مبلغ الإجتهاد، لكنه تمكن منها معرفة وتحصيلاً، ثم تملك القدرة التامةعلى الاستنباط كما قررنا. وهؤلاء هم سائر العلماء الذين دونوا وعرفت أسماؤهم على مرّ تاريخنا. وهؤلاء، كذلك، يُشترط فيهم بلوغ درجة عالية في اللسان العربي حتى يكون فيه كأهله، من تصاريف اللغة وتراكيب الجمل وتصاريف العرب في كلامها، لا أقل.

والثالث، من وعى مقاصد الشرع في العلوم الشرعية على وجه الإجمال دون التفصيل، في كافة العلوم الشرعية الضرورية، لا التابعة، وإن قلّد في التابعة كالعربية، وتملك القدرة التامةعلى الاستنباط كما قررنا. وقد يقع لهذا اجتهاداً في مسائل معينة يُتقن فيها مقاصدها إتقان النوع الثاني، ويكون قوله مأخوذ به في تلك المسائل على التحديد. وهؤلاء كذلك يُشترط فيهم بلوغ درجة عالية في اللسان العربي حتى يكون فيه كأهله، من تصاريف اللغة وتراكيب الجمل وتصاريف العرب في كلامها، لا أقل.

فالعلم بالعربية، كأهل اللسان، لازم في كلّ درجة، وهو لا يتأتى إلا بممارسة الآداب شعراً ونثراً، والاطلاع على علوم اللغة عامة، إلا الغريب الذي استثنوه من ذلك، حتى يفهم عن الآيات والسنة التي وردت بلسان عربي مبين. ويمكن للقارئ أن يرادع في هذا المعني المعديد من الكتب منها الموافقات للشاطبي ج4 كتاب الإجتهاد، أو إعلام الموقعين ج1، أو آداب العالم والمتعلم للخطيب البغدادي، أو ما ورد في أبواب الادتهاد والتقليد في كافة كتب أصول الفقه.

فإن وصلنا لهذا، وعرفنا كيف يوزن العالم، وكيف يُسبغ عليه لفظ العالم أو الشيخ، باتفاق من هم من أهل العلم في ساحته، عرفنا أن ذلك الوصف يكون لازماً له، لا يسلبه عنه أحد، وأن من سواه ممن أظلق على نفسه أو أطلق عليه من هم ليسوا أصلاً أهلا لعلمٍ من العامة والرعاع، لا يُعتد بقولهم لا عن أنفسهم ولا عن أحدٍ من العلماء ممن وثقهم من هم في طبقتهم. وكان ما يصف به رعاع العلم العلماء من أوصاف قبيحة تزرى بهم، فهي من باب القذف لا الوصف، يصح بها جلدهم أو حبسهم تعذيراً لاحتقار العلم أولاً، ولادعاء ما ليس فيهم بلباس الزور ثانياً، وفيه ما فيه من خداع للعامة وتضليل للخلق.

ولا يقال، الرعاع لهم حق الكلام وإبداء الرأي والنصح، قلنا، لا إلا فيما هو مما علم من الدين بالضرورة، مثل الأمر بالصلاة والزكاة، وترك المعاصي المتعارف عليها، ليس إلا. أما فيما عدا ذلك فليس لهم حق الكلام على وجه الإطلاق. ذلك في الأزمنة العادية، فما بالك في أزمنة النوازل؟

فإن قيل، فبم نعرف، نحن العامة، من هم العلماء المسموع كلامهم والمتبع توصيفهم لغيرهم؟ قلنا عليك ةبنتاجهم العلميّ، كما كررنا مراراً من قبل في مقالات لنا، فإنك لن تجد من وصل لأحد تلك الدرجات الثلاث إلا وله كتب معتبرة بين أهل العلم بطريق اللزوم. أمّا الدخول في ساحة العلم بالصدر المفتوح والصوت العالى الجهور، كأن ساحة العلم كساحة ناد ليلي، يدخل الحارس ليوقف قتالا نشب بين الزبائن، فيطرد المعتدي ويبقى على الآخر، حسب توصيفه للموقف!  هذا نوع من البلطجة العلمية، لا تصدر من مسلم يحترم دينه.

د طارق عبد الحليم   5 مارس 2018 – 18 جمادي الآخرى 1439