إزالة الصورة من الطباعة

حكم الانتماء إلى طائفتين، عامة وخاصة – فتنة تكفير الطائفة والمعين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد

تدور في أروقة أحد الجماعات السنية أقوال قد أدت، نتيجة لتقليد أحد المشايخ بعينه، والاقتصار على أقواله، إلى بعض المصائب التي قد تزلزل كيانها إن لم يُنتبه لها. وعلى وجه الخصوص، قد أدت هذه الأقوال إلى ثلاثة أمور: أولها التلكأ في محاربة الحرورية حين جدّ الجد، والذي مظهره التوسط وحقيقته الغلو، اتباعا لرأي شيخهم الأوحد في هذا المجال. والثاني، الغلو في تكفير المرجئة، وثالثها ريح الغلو ورائحته التي تهب من بعض أنحائها، وتتداولها الألسن وتترى عنها الأخبار، رغم سنيتها العامة.

وفي هذه العجالة، سنردّ على مسألة سألني فيها من يهتم بأمر تلك الجماعة أو "الطائفة". وأصل الطائفة أنها جزء من الشئ، يُقال طائفة من المال. والطائفة، في المصطلح الشرعيّ هي الفرقة أو الجماعة المنحازة عن الأصل العام لغرضٍ ما. والطوائف تتكون داخل الشعوب عادة وعرفاً، وتنحاز عن عامته لسبب. فإن كان السبب متعلقا بالمعاملات مثل طائفة النجارين أو الحدادين أو نقابات المهن والعمال، فأمرها فيما يتعلق بأمر الشرع والدين مثله مثل بقية الشعب. أمّا إن كانت متحيزة لأمرٍ يختص بموضوعات لها علاقة بالتوحيد مثل إقامة الولاءات أو الذب عن الإسلام والحروب، مثل الجيوش عامة، والجماعات الإسلامية المعاصرة خاصة فحكمها في صدد التكفير يتردد بين حكم الطائفة العامة التي تنتمي اليها، وهي الشعب عامة، وبين ما يتعلق بقواعدها الخاصة التي جعلتها طائفة أو جماعة متحيزة، لها أصول ومبادئ عامة مشتركة في مجالها المخصوص مع بقية أفرادها. وهذا التشابه، هو الذي أغفل عنه أكثر من تناول هذا الموضوع من قبل. إذ يتردد النظر هنا في انتماء الفرد المعين داخل الطائفة إلى الطائفة العامة، أي الشعب، فيأخذ حكمه، أو إلى الطائفة الخاصة، فيأخذ حكمها. فإن كانت الطائفة الخاصة، أو الجماعة أو المؤسسة تقوم على فكرة تخالف الشرع وتصادمه في أمر التوحيد فحكمها الكفر كطائفة، وإن كانت تقوم على بدعة، فحكمها البدعة، وإلا فلا تصادم بينها وبين حكم الطائفة العامة التي هي الشعب، والتي يُفترض في حالتنا بالشرق المسلم أنه الإسلام، إلا عند من افترض أن المسلمين على الكفر ابتداء في هذا العصر.

ومن هنا، فإنه كما نقول أنّ الشعب المسلم الذي يستصحب الإسلام هو مسلم كطائفة، لكن قد يكون فيه كافر مرتد أو مبتدع مخالف، فيجب التمييز عند الحكم على المعين، فإننا نقول أن الطائفة التي يحكم عليها، بإسلام أو كفر أو بدعة، يجب أن يراعى فيها مبادئها الخاصة فلا يحكم على المعين بحكمها العام، بل هنا فإن التمييز أوجب من حيث تداخلت وتشابهت حكم الطوائف بين العامة والخاصة، فالمعين فرد في كليهما، وليس أحدهما أولى من الآخر، إلا عن من قال إن الخاص قاضٍ على العام وهو هنا محل تردد نظر، إذ إنه بشأن عقديّ، قد يحتمل تأويلاً. ولهذا رأينا الأئمة الكبار لم يكفروا أعيان الرافضة مثلا، بل إن منظر تلك الجماعة لا يكفر عوام الروافض، ثم يتناقض مع نفسه، فيحكم بكفر المعين في الجيش التركيّ، رغم إنه لا يُكفّر الشعب التركيّ كافة. وكذلك عدم تكفيرنا، بشكل عام لكل لمن انتمى لحرورية العوادية، إلا من تلبس بكفر بعينه. وقد قلنا بوجوب استئصالهم اتباعا لحديث ووصية رسل الله صلى الله عليه وسلم في لحديث، ولفعل الصحابة رضي الله عنهم، لا مخالفة لذلك النظر. وما هذا الذي قالوه في هذا الصدد إلا لسوء فهم هذه النقطة التي وصفنا.

كما يجب التمييز بين حكم قتال الطائفة المنحازة عن عامة شعبٍ ما، وبين حكم أفرادها، فإنه يمكن قتالها كطائفة. فلا يعتمد قتالها على حكمها بل على صيالها، وحكم أفرادها يتعلق بالمعين منهم. فمنها يقاتل ردة، ومنها بغياً. ومنها تأديبا، كعصابات اللصوص.

أما عن كيفية الحكم على تلك الطوائف المنحازة، فلها قواعد وأصول أخرى تعتمد على مبادئها الأصلية لا على أقوال أعيانها، وهو ما زلّ فيه شيخ تلك الجماعة ومنظرها. ولهذا موضع آخر إن شاء الله

د طارق عبد الحليم       23 أبريل 2016 – 16 رجب 1437