إزالة الصورة من الطباعة

جموح الهوي .. باب الاسترسال في المباح

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد

سبحان الذي أنعم على عباده سوابغ النعم وحذّرهم من بلاءات النقم، وأعطاهم من واسع خزائنه ما لا يحصيه بشر، ومنع عنهم من البلاء ما لا يبقي ولا يذر. وقد أباح الله تلك النعم لعباده وجعلها درجات في طلبها، منها الواجب ومنها المندوب ومنها المباح. وجعل منها مطلوب عينا ومطلوب كفاية، إن أداه البعض سقط عن الكل. كما جعل طلبها عاماً، في كلّ حال وآن، أو محدوداً بذاته أو ليخدم طلباً أعلى كما يخدم المباحُ أو المندوبُ التكليفَ الواجبَ، وكما يخدم التكليف الحاجيّ أوالتحسيني التكليفَ الضروريّ. فسبحان من أقام هذا الشرع على مهيع معتدل وأساس مكتمل.

لكنّ البشر تستدرجهم حب الشهوات، وما فيها من ملذات، فتسترسل في عمل مباحات، هي، وإن كانت في أصل وضعها، ومقصد الشارع الحكيم منها، مباحة للناس[1] "قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق"، إلا إنها قد تنقلب مكروهة أو محرمة إن تجاوزت الحد المضروب لها. وصدق من قال

والنفس كالطفل إن تُهمله شَبّ على** حبِ الرِضاع وإن تفطمه ينفطِمِ

فإن الله سبحانه قد أباح الطعام والشراب بشكل عام، فجعله واجبا للحفاظ على الحياة، وجعله مندوباً لتكملة الصحة "كلوا من طيبات ما رزقناكم". لكن هذا المباح قد ينقلب مكروها فحراما، إن تعدى إلى الإسراف فيه، فآذمى الصحة، ثم عرّض الحياة للخطر. فهذا الفعل، الأكل، وإن كان نعمة من الله في قصده الأساسيّ، إلا إنه ينقلب مأمورا بتركه إن تحول القصد للإسراف، فصار محرما بهذا القصد الثاني "كلوا واشربوا ولا تسرفوا".

ومن هنا جاء دور الاحتراز في فعل المباحات، والحذر من تعاطيها بما يحرفها عن قصدها الأول، إلى قصد ثان، فتصبح محرمة، ويحسبها المرء مباحة، إذ لم ينتبه لهذا المعنى فيها.

كذلك، فإنه يجب توجيه النظر إلى أنه من الأفعال ما يظهر أنه مباح أصلاً، وهو في الحقيقة منهيّ عنه في أصل وضعه الذي قصد الشارع سبحانه. مثال ذلك اللهو واللعب الذي يهدر الأوقات ويضيع الأعمار. فهذا اللهو باطل أصلاً "إنما الحياة الدنيا لعبٌ ولهو" فلم يذكر الله اللهو واللعب في معرض امتنان، إذ هما من الباطل أصلاً. والله سبحانه لم يخلق باطلاً "وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين".

وقد يقول قائل: فما بالك باللهو المباح، مثل الغناء المباح أو التنزه في البساتين أو التمتع بالزوجه وملاعبتها، أليست هذه مباحات على الإطلاق؟

قلنا نعم، ولا! هي في أصلها من المأمور بتركه لأنها من باب اللهو الذي هو من باب الباطل ابتداءّ، كما ذكرنا من حيث أن الله لم يمتن بها كنعمة اصلية، إلا في عرض النعم الأصلية مثل قوله سبحانه "ولكم فيها جمال حين تريحون وتسرحون"، فالتمتع بالجمال عارض لا نعمة أصلية. ولكن، من كونها لا مبالغة في تعاطيها، ولا مداومة عليها، فتصبح من المباح إذا كان القصد منها هو خدمة فعل شرعي مطلوب، بأن تزيح الملل وتريح العقل والجسد. فإن زادت عن الحدّ انقلبت للكراهة أو التحريم، مثل صرف أوقات "الفراغ" كلها في التنزه مع الزوجة والأولاد بحجة أنه وقت "الفراغ" من العمل ... فهذا يجب أن يكون محدوداً، لا مانعا من فعل أولى منه بالجملة.

ومثال ذلك في حياتنا امتهان الرياضات، كان يكون المرء لاعب كرة محترف أو غيرها من الرياضة، فهذا أمر انقلب إلى أن أصبح من ترّيض محمود محدود إلى صرف كلّ الوقت في تدريب ولعب فكان مكروها على أقل تقدير، إن لم يمنع من واجب مشروع، ويصير حراما إن منع من ذلك. كذلك مهنة وكيل "الحفلات الإسلامية" أو "حفلات الغناء والأناشيد الإسلامية"، كلها مهنة تزيد عن الحد الذي يبقيها داخل دائرة المباح، ن حيث ليست خادمة بهذا الشكل من المداومة لأي مطلوب شرعيّ. فالرياضة مثلا هواية أساساً، واحترافها ليس خادما إلا لفعل مطلوب الترك شرعا، مثل إضاعة وقت وفكر وطاقة جماهير الناس، بشكل مستمر متتابع، وربطهم بغير الله وتشريعاته. وهي، على نفس الوِزَان، بالنسبة للفرد المحترف. كذلك قل في بقية المهن المماثلة[2].

من هنا، فإن "التعود" يجب أن يكون على أمر مطلوب شرعاً، أو يخدم مطلوب شرعاً، فإن كان ليس مطلوباً على الجملة، ولا خادما لمطلوب، كان بطبيعة الحال مضاداً لمطلوب، فوجب تركه.

كذلك، فإن هذا النظر يفيد فائدة عظيمة في توجيه الأحكام في أمر ما يجب تركه ابتداءً، لكن فيه جانب مصلحيّ، سواء جزئي أومؤقت أو محدود، مثل النوازل التي تقع بالمسلم في بلاد الغربة، من ضرورة قضاء الحاجات، بينما يقع في طريقها بعض المكروهات أو المحرمات. مثال ذلك الخروج للطرقات لقضاء الاحتاجات أو العمل في مكان به نساء أجنبيات، فإن الإقدام فيه حاجيّ والنهي فيه نهي عن التزام الفعل دون حاجة، فيباح مع ترصد الفرصة لمنع المداومة.

وباب التوسع في المباحات من الأبواب التي يعز على الكثير تحقيقها والوقوف مع الحد الشرعي فيها، إذ النفس تدفع إلى التلذذ والاستمتاع، خاصة إن ورد في الفعل ظلُ الإباحة، ولو شاحباً. فانتبه إلى هذا المعنى، وأعن نفسك على شيطانها.

اللهم أعنا على فعل ما تأمر، وترك ما تنهى، جملة وتفصيلاً.

د طارق عبد الحليم

18 أبريل 2016 – 9 رجب 1437

[1] مطلوبة الفعل بالكلّ على حد تعبير الشاطبيّ

[2]  للتوسع في النظر الأصولي لهذه المسألة يمكن الرجوع إلى الموافقات ج3 ص 216 ، كذلك أشار اليها الغزالي في الإحياء باب المباحات