إزالة الصورة من الطباعة

هل يحيا الأمل من جديد في الشام؟

مرت فترات، في الشهور السابقات، خيّم فيها ظلام متكاثف على الساحة الشامية، لم يكن سببه غياب الشمس عن أفق الساحة، بل غيوم "تمدد" الخوارج، وقتلهم الكثيرمن رؤوس المجاهدين من ناحية، وقصف التحالف من ناحية أخرى، مع الضباب المستمر من بشاعة النظام في قتل المدنيين بالبراميل وغيرها. لكنّ حقيقةَ أن الشمس في الأفق لا تزال، لم تغبْ عن عقول وقلوب المؤمنين المجاهدين من أهل السنة، رغم الإحباط والقلق وغبش الرؤية.

وقد كان من أسباب انقشاع بعض تلك الغيوم عن أفق الساحة، هو قيام "جيش الفتح" الذي تكوّن من عدة فصائل منها جبهة النصرة وأحرار الشام وجند الأقصى وغيرهم. وعلى ما بين بعض فصائله من تفاوتٍ في النظر إلى الناحية العقدية أساساً، ومن ثمّ الواقع، وتقدير طرق التعامل معه، فإنه يُعتبر إنجازاً، حقق أغراضاً جيدة على الساحة اليوم، ولعله نواة فقط لما يجب أن تكون عليه أمور الجهاد ضد النظام والحرورية.

ثم كذلك تحجيم عصابة ابن عواد، المجرم الحروري طريد العدالة الإسلامية، إلى حدٍ ما، بطرد رجال عصابته من عدة أماكن في مختلف بقاع المواجهة. رغم أنه لا يزال على درجة أعلى من كافة الفصائل لما ذكرنا سابقاً من توحد رؤيته العقائدية الحرورية، وجديته في تطبيقها دون تردد، وإن سفك دماء نصف المسلمين في تلك البقاع، إلا أن يبايعون بعد التوبة! وقد جاء هذا التحجيم نتيجة ما فعله النظام من بشاعات، أدت إلى أن طفح كيل عدد ممن تمسك بالورع البارد، وممن سار وراء فتاوى باطلة لا دليل عليها من إنهم ليسوا بخوارج، فحاربوهم وطردوهم من بعض المواقع. كذلك القصف التحالفي الصهيو-صليبي، وإن كان محدود الأثر جداً من حيث إنه يتفادي القوة الضاربة للتنظيم الحروري على الأرض، ليبقيه حيا، يؤدى مهمته في اغتيال رؤوس الجهاد لحساب التحالف.

ثم انكشاف أمر العديد من الزاعقين المطبلين على الساحة، ممن يبغى إسلاماً أمريكياً إخوانياً غربياً مستسلماً، يبرره لنفسه بأن "السياسة هي فن التعامل مع الممكن"، وهي قولة حق أريد بها باطل، إذ يكمن الخلاف في تقدير "الممكن"، ومن تقف حدوده. فالممكن للمذهب الإرجائي هو كلّ ما يتفادى تصادماً، ويلغى جهاداً ضد النظم، والممكن عند الصادقين يشمل ما يُقدّم فيه المسلمون أموالهم وأنفسهم لله، ويعلم "فإنهم يألمون كما تألمون". وقد كان انكشاف أمر هؤلاء وصلاتهم المشبوهة بالدول العميلة، وإن كانت معروفة من قبل، لكن تحت مجهر الاختبار.

والخطط الغربية للساحة الشامية، وتكتيكاتها واستراتيجيتها البعيدة، كلها واضحة لا ضبابية فيها، إلا لأعمى البصر والبصيرة. فهم، تكتيكياً، ينصرون تنظيم الحرورية البعثية، بقدر يجعلهم رأس حرب ضد المسلمين السنة، ويتركهم مفزعة شكلية للروافض والنصيرية. فهذا التنظيم الحروري حربُه اليوم موجهة بالكامل إلى جبهة النصرة والأحرار أصلاً، وكافة الفصائل الأخرى، سنية، أو شبه إرجائية أو إرجائية سلولية، على حسب توجهات قادتها، ولا مكان فيها لقتال نصيرية أو غيرهم. واستراتيجيتها تقسيم الشام لدويلات صغيرة، نصيرية، وكردية وحرورية، ولا محل للسنة فيها.

والمشكلة في إحياء الأمل في الشام، بشكل عمليّ تكمن في ثلاثة أمور كما نراها:

الأول: أن يستقيم فهم الفصائل السنية للعقيدة، وأن تعرف ارتباط هذا الفهم بالحركة على الأرض، وبالتصرفات في الأفعال. فيجب أن يتحد فهمهم لحقيقة العقيدة السنية، وأن يتحد قولهم في جماعة الحرورية بالذات، تماما كما يتحد قولهم في اليهود والنصارى، بل أهم أولى، فاليهود ليسوا طرفا في المعادلة على الأرض إلى اليوم، والنصارى ليس لهم جند يقاتلون على الأرض، الآن. لكنّ هؤلاء الحرورية هم يد الغرب الباطشة، باسم الإسلام، قاتلهم الله. وبدون هذا الفهم، وبهذا التميع العقدي والتصور المنفلت من قيد الأدلة، والفقه المأخوذ من "هذا رأي الشيخ ..."، فإن الأمل يخبو، والضباب يتكاثف، وشمس النصر تنكسف وتتوارى.

والثاني: يتعلق بالولاءات والانتماءات، فإن هذه المرحلة في غاية التعقيد في بناء تحالفات على الأرض. ذلك أن التحالف الذي لا ينبنى على عقيدة واحدة، سيكون وبالاً على المتحالفين مؤخراً. وحين أقول "عقيدة واحدة" أقصد فهما للعقيدة داخل إطار سنيّ واحد، بهذا التحديد، وينبني عليه ثوابت حركية متفق عليها. وكلما ضاقت دائرة الثوابت، كلما كان الخطر أكبر من تداعياتها. وهناك ما نسميه "الثوابت الحدّيّة" التي تراعي واقع الأمر، ولا تنسى مستقبل التحالفات.

ويجب أن أنبه هنا إلى أن من يستشهد بسماحة الإسلام في قبول "الآخر" بدعياً أو كفرياً، وأن دولة الإسلام على مرّ العصور قبلت كلّ أشكال البدع داخلها، وإنّه يسعنا الخلاف كما وسع من قبلنا، إلى إنه ليس للإسلام "دولة" حتى اليوم. إنما هي حركات مسلحة تقاوم أنظمة كفرية قائمة حولها في كلّ مكان. فحدود السماحة هنا ودرجتها تختلف كلّ الاختلاف. فنحن هنا نتحدث عن تكوينات عسكرية لا دول منظمة. والخلط في هذه النقطة قاتل. الجيوش عادة يقوم نجاحها على وحدة النظر فيها وأحاديته، ولا مجال فيها لذلك التلعثم والاضطراب والّلخبطة التي نراها سائدة في تجمعات السنة، بكل أطيافها، مع الأسف والألم.

والثالث: والأهم، أن تستقيم نفوس القائمين على العمل، وأن يكون جهادهم خالصا لله، وأن يروا عمل الشيطان في تقديم النفس وحبها للسُلطة. والشيطان ليزين للنفوس أنّ فِعْلها في الانحراف عن السنة هو في صالح المسلمين، وأنه "ما أريكم إلا ما أرى". وهذا البعد هو الأخطر والأهم والأسبق، إذ كلّ ما ذكرنا، فمفاتحه في يد الرجال، فإن صلح الرجال صلح العمل، وإن فسدوا فسد.

فالأمل موجود إن شاء الله، ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، لكن مصادر الضباب المتراكم وكمية السحاب القائم لا تزال تعيق شروق شمسه.

د طارق عبد الحليم

11 يونيو 2015 – 25 شعبان 1436