إزالة الصورة من الطباعة

وفاء وتأريخاً - حاملي رسالة الوحدانية

رسالة التوحيد، دين الأنبياء، أصل الدين، كلمة السواء، الإسلام[1] .. لا إله إلا الله، كلها عنوان كلمات الله التي أرسلها لعباده منذ أخرج آدم من الجنة، ومنّ عليه بعدها بأن وعده بإرسال الهدى لمن أراد أن يتبعه " فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" البقرة 38.

وقد حمل أنبياء الله هذه الرسالة التوحيدية خلال عمر البشرية كلها، إلى أن نضجت، واستحقت أن يضع الله سبحانه القرآن بين أيدى أبنائها، نوراً وهدى، لا يزول ولا يحول "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" الحجر 9.

بيّن أنبياء الله أن التوحيد هو عبادة الله سبحانه وحده لا شريك له، التي هي طاعته في أمره ونهيه، في العبادات والمعاملات والجنايات والماليات، وكلّ ما هو من شؤون بنى آدم. وأنّ تلك العبادة مبنية على إقرار بأن الله هو الرب الحقيق بتلك الطاعة "وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ" مريم 36، وأن له الصفات العُلى والأسماء الحسني، منزهة مثبتة بلا تمثيل أو تعطيل.

ثم تابع صحابة محمدٍ صلى الله عليه وسلم بيان ذلك، ثم تابعيهم وتابعي تابعيهم، ثم علماء الأمة الخاتمة من السلف الصالح، كلهم مطبقون على هذا المعنى، يربطونه بالإيمان، ويبينون درجات كلّ، ما يصح فيه الزيادة والنقص، وما هو من القول أو العمل أو اللسان أو النية. وكُتب في ذلك كتب لا تنحصر، ولا مجال لسرد أسمائها هنا، إلا لماماً، منها كتب الأسماء والصفات وكتب العقائد وكتب السنة ككتاب ابن حنبل واللالكائي والطحاوي، وغيرهم آلاف بلا مبالغة. فجزاهم الله عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خيراً.

ثم كان الانحراف والتحول، بدأ محدوداً قليل الأثر، ووقف له الصحابة ومن بعدهم بالمرصاد. إلا إنّ سنن الله لا تتبدل، فقوى الانحراف واتسعت رقعة الخلاف، وحاد أكثر الناس عن الجادّة. فرأينا من بعد خوارج نافع بن الأزرق ومعتزلة واصل بن عطاء وإرجاء الجهم بن صفوان، وصوفية إبراهيم بن أدهم، وكارثة رافضة عبد الله بن سبأ. وكانت واقعة العصر التي تصدى لها إمام أهل السنة بلا مدافع أحمد ابن حنبل حين أراد المعتزلة والمأمون أن يتسوّروا على صفات الله وكتابه، فيما عُرف بفتنة خلق القرآن.

وظل الصراع الفكري بين أهل السنة، وكلّ هؤلاء لا يتوقف، كما كان الصراع العسكري بين السنة وبين البغاة منهم والخوارج كذلك.

وحدثت عاصفة التتار في القرن السابع الهجريّ، فاكتسحت العالم الإسلاميّ، وكان لابد أن يظهر من يقوّم للناس دينهم الذي اعوج، فتصدى لذلك شيخ الإسلام الإمام الحافظ أحمد ابن تيمية الحرّاني، فتصدى للتتار، ولكافة طوائف البدعة بلا استثناء، وأعاد للتوحيد الصافي نقاءه وصفاءه، ومن بعده تلامذته ابن القيم وابن كثير وابن عبد الهادي وغيرهم.

وتقلبت القرون، وتوالت الدول "وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ" آل عمران 140، حتى وصلنا إلى القرن الثاني عشر الهجري، حاملين نفس الجراثيم التي كانت تقوى وتضعف مع تقلب الأحداث، وتغير الدول ومزاج الخلفاء والحكام والولاة، بما يحفظ لهم البقاء، وبما يرضى الجند وأمراء الجيوش، سنة الله "ولن تجد لسنة الله تبديلا" فاطر 43. هنالك تصدى شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب لما كان من شرك جاهلي في أرض الحرمين، وصدع بالحق، وبيّن توحيد العبادة وتوحيد الربوبية أحسن بيان، وخاض في كثيرٍ من مسائل الإسلام والإيمان، وكتب كتابه الفريد "كتاب التوحيد" الذي طبع عشرات المرات على مدى القرنين الماضيين. فكان هذا الكتاب منبراً عالياً، وعلماً مرفوعاً للتوحيد، له فضل التقدم على كلّ من جاء من بعده.

ثم إذا بعصرنا الحديث، في بداية القرن التاسع عشر الميلادي، أو الثالث عشر الهجري، يطلّ على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بغزو الفرنسيين للشرق، ثم ولاية محمد على الكبير، وحربه على دولة الإخوان في الجزيرة، ثم ظهور الإلحاد بلباس جديد، اسمه العلمانية، والمعتزلة باسم العصرانية والعقلانية والحداثة، ولم يظهر الخروج إلا في أواخر القرن العشرين، كما ظلّ الإرجاء دين الملوك والخلفاء كما كان دوماً، ثم ما تبع ذلك في أوائل القرن العشرين من سقوط دولة الخلافة عقب الحرب العالمية الأولى ثم استعمار الدول الإسلامية كلها، ثم تفتيتها عقب الحرب العالمية الثانية، وإنشاء الكيان السرطاني الصهيوني في فلسطين.

كلّ تلك الأحداث، كانت عوامل تعرية قوية الأثر جدا في فهم التوحيد عند عوام الناس، خاصة بعد ثورة التقنيات والإعلام. فاضطربت العقيدة واختلطت المفاهيم.

قيّد الله سبحانه في عصرنا هذا الرجل الذي يصح أن يُقال إنّ له في عنق كل موحّد فضل في عصرنا، الإمام العلامة أبو الأعلى المودودي، صاحب المصطلحات الأربعة في القران، وتفسير تفهيم القرآن، وشرح سورة النور وكتاب الحجاب، وكثير من الكتب التي لها أعظم الفضل والأثر على إقامة عمود الدين وإعادة مفهوم التوحيد إلى الأذهان في النصف الأول من القرن العشرين. ثم تبعه بعد ذلك شهيد الأمة، نحسبه، سيد قطب، الذي قدّم حياته ثمنا لبيان التوحيد، نظرياً وعملياً، فأخرج رائعتيه "معالم في الطريق"، ثم " تفسير في ظلال القرآن"، فلم يدع لأحدٍ من بعده مجال إلا التكرار والتعليق، في شرح التوحيد. وكلّ من دوّن سطرا فيه من بعده عيال عليه. وكان صنوه في ذلك أخاه محمد قطب رحمه الله، وعدد آخر من أكابر العلماء كالإمام العلامة أحمد شاكر، كما ظهر في تحقيقه لتفسير الطبري مع أخيه العلامة محمود شاكر، والإمام السعدي والإمام محمد ابن إبراهيم وغيرهم. ولا ينسى هنا الكاتب محمد جلال كشك صاحب مجلة التوحيد، التي كان لها أثر كبير بين المثقفين الإسلاميين. كذلك ما دتب الشيخ محمد رشيد رضا الذي ظلم نفسه وجهده بارتباط سيرته بمحمد عبده المصري المعتزلي، صاحب جمال الدين الإيراني المعروف بالأفغاني.

وكان أثر هذين الإمامين الجليلين، المودودي وقطب، إذن، أثر عالميّ تجاوز حدود بلادهما، باكستان ومصر، وأقام حكومات ولم يقعدها، وتأسست عليه كافة الجماعات التي انتسبت للجهاد بعد، والسلفية التي تقوقعت فيما بعد وصارت إرجائية ومطية للحكام، كسلفية المداخلة والبرهامية الحديثة الشركية، شرك الولاء.

ثم أعقب ذلك، في السبعينيات، ظهور رجال من الجيل اللاحق التالي لجيل سيد قطب رحمه الله على رأسهم تلميذه الشيخ عبد المجيد الشاذلي رحمه الله، بعد خروجه من المعتقل، صاحب كتاب "حدّ الإسلام وحقيقة الإيمان" وهو كتاب أصولي فريد في بابه، تناول التوحيد بشكل تأصيلي بارع. وكان العبد الفقير إلى الله صاحب هذه السطور، من أبناء جيل الأربعينيات، ممن صاحب الشيخ الشاذليّ فترة، وأخرج كتاب "فتح المنان في بيان حقيقة الإيمان"، وهو شامل في بيان مناحي الإيمان ودرجاته ومناقشة الفرق المخالفة فيه، كما أخرج غير ذلك من الكتب والابحاث المتعلقة بالتوحيد. كما كان من جيلنا ذاك الشيخ العلامة رفاعي سرور، صاحب الكتب الرائعة في الحركة الإسلامية وفي بيان التوحيد. وكان من الأقران الأصحاب، الأصغر عمراً، الشيخ ابن عبد الهادي المصري صاحب كتاب "الانطلاقة الكبرى" الذي برع في جمع كلّ ما يتعلق بالتوحيد فيما كتب ابن تيمية وتلامذته، فكان مرجعا في ذلك.

ثم تبع ذلك جيل أخرج عدد من الكتب أو الكتيبات التي تناولت التوحيد، عٌرفت وانتشرت بين أبناء الحركة الإسلامية خاصة، وكان لها أثر كبير على أبناء تلك الحركة خاصة في الشام والعراق وما حولهما، مثل "ملة إبراهيم" للشيخ أبي محمد المقدسي، وهو كتاب صغير الحجم ظهر حديثا في أواخر التسعينيات، يتحدث عن التوحيد وتطبيقاته على حكام العصر خاصة بالخليج.

لكن السمة التي نراها، هي سمة التدهور مع الزمن، فليس من جيل جاء في كلّ ما ذكرنا إلا وأبناؤه أقل انتاجاً، كماّ وكيفاً ممن قبلهم، سنة الله في خلقه.

وفي مقابل هذه الجهود الطيبة في نشر التوحيد الصافي، خرج أصحاب الجراثيم الكامنة، من مرجئة خلّص كربيع المدخلي وأمين الجاميّ وعلى الحلبي وغيرهم، ومرجئة عملاء، كالبرهامي ومحمد رسلان وأسامة القوصي، وغيرهم. كما خرجت الخوارج بفكرها منذ أواخر الستينيات، على يد شكرى مصطفى وجماعته التي أسماها الجماعة الإسلامية، ثم الزوابري في الجزائر وجماعته التي أسموها الجماعة الإسلامية المسلحة، ثم أخيرا جماعة إبراهيم ابن عواد الحرورية في العراق والشام التي أسموها "الدولة الإسلامية". وكلّ جماعات الخوارج تتصف بضعف منظريها، بل انعدام علمائها، إلا ما كان من شكري مصطفي ذاته الذي كان شاعراً كما ألف عددا من الرسائل الشهيرة. ثم طائفة العقلانيين الاعتزاليين كحسن الترابي ومحمد المسعري وعابد الجابري وطه علوان وأمثالهم كثر.

وقد اقتصرنا في عرضنا هذا على من كانت له صلة بالحركة الإسلامية، وأغفلنا الكثير ممن كتب من الناحية الأكاديمية البحتة، كأبحاث ورسائل جامعية أو كتب، إلا أن يكون له صلة بالحركة الإسلامية. كما أننا لم نذكر من تحدث عن التوحيد من أبناء الحركة الإسلامية، في خطب ومحاضرات، وهم كثرٌ والحمد لله، ابتداء بالشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله، وهو أشهر من أن يُعرف به، إلى الشيخ د هاني السباعي صاحب الصولات والجولات في مضمار الخطابة.

وقد نكون قد أغفلنا عن ذكر بعض من لهم اسهامات في بيان التوحيد فمعذرة مني إليهم، فهي عجالة قصدنا بها إيفاء حق من قدم في هذا الباب، ووضع الأولويات والترتيب في الفضل حسب الأسبقية تاريخاً وأثراً، فإن داء بني آدم الجهل والنسيان.

د طارق عبد الحليم

28 مايو 2015 – 10 شعبان 1436


[1]  كلها تعبيرات جمعها الشيخ عبد المجيد الشاذلي رحمه الله في كتابه "حدّ الإسلام"