إزالة الصورة من الطباعة

أسباب ضعف المسلمين وانحدارهم - الجزء الثاني

كما ذكرنا سابقاً، فإن الأمم تتشكل حسب الواقع الذي يعيشه العالم البشري في مرحلة من المراحل التاريخية. ولنضرب مثالاً من أحوال الغرب في العصر الحديث. فما حدث إبّان الحرب العالمية الأولى لم يكن قاصراً على انهيار الامبراطورية العثمانية، لكن انتصار الحلفاء عام 1918 أدى إلى انحلال أربعة امبراطوريات، الروسية والعثمانية والألمانية والنمساوية-الهنجارية.

كنت، ولازلت أميل إلى أنّ الأسباب الرئيسة التي تنخر في كيان أمة، وتؤدى إلى انحلالها وهدمها، هي العوامل الداخلية بالأساس، أي ما يكون من داخل الأمة، لا من خارجها. أما العوامل الخارجية، فهي محض عامل مساعدٍ، وغالبا ما يتحول بالزمن إلى عامل داخليّ مثل العمالة، أو اختلاط الشعوب.

وعلى كل حال، فإن الأمة الإسلامية لم تعدم التعرض لكافة عوامل التعرية البشرية التي يمكن أن تتعرض لها أمة، حتى تنحلل عراها، وصارت خلايا متناثرة تحمل فكرة الأمة، لا صفات وجودها.

وقد بدأت تلك العوامل تؤثر في الكيان المسلم منذ عهد عثمان رضى الله عنه ، ثم من بعده علي رضى الله عنه، حيث نصّت الفتن والمصائب برأسها في الفتنة الكبرى، وفي ظهور الخوارج المارقة.

ويمكن النظر إلى هذه العوامل في ضوء مجالها في الحياة الإنسانية، اجتماعية-ثقافية وسياسية وعسكرية واقتصادية، حسب ترتيب أهميتها، علما بأنها كلها تتفاعل معاً في وحدة واحدة، إذ لا يميز النسيج الاجتماعي للأمة بين سياسي وثقافي وغيره.

الناحية الثقافية – العقدية

وأهم أسباب زوال هذه الأمة وانقطاع وجودها الحقيقي يتعلق بالناحية الثقافية العقدية. أهم ما أدى لهذا الانهيار هو الخراب العقديّ سواء الإرجاء أو الحرورية.

أثر الإرجاء

تاريخياً، فإن الأثر الإرجائي[1] الذي صاحب الأمة منذ قرون بدأ أثره الاجتماعي قرب نهاية الدولة العثمانية، ثم انتقل للأثر السياسي، فيما بعد محمد عليّ والحملة على الإخوان في جزيرة العرب. وحين نتحدث عن الإرجاء الاجتماعيّ فإننا نقصد العلمانية في أحد صورها، إذ التخفيف من أثر الأوامر الإلهية والتهاون في الالتزام هو الخطوة الأولى في طريق العلمانية الصريحة. وهو ما لم يتحقق ادتماعيا بشكل كامل إلى اليوم، لكنه أسفر بشكلٍ كامل على المستوى السياسي في كافة حكومات العرب الحاكمة في بلاد المسلمين، بعد ما أسموه بالربيع العربيّ، الذي أعقبه خريف وشتاء قارص لا يظهر له نهاية!

وقد كانت الحركات الإسلامية التي تبنت النهج الإرجائي، قبل الحكومات، هي السبب الرئيس فيما وصل اليه الارجاء الاجتماعيّ من ناحية، ودعم العلمانية السياسية من ناحية أخرى. وهذه الجماعات، وعلى رأسها جماعة الإخوان السلمية، ثم السرورية السريرية، والسلفية الملكية الاستسلامية عباد الملوك، وغيرهم من الجماعات التي سارت على منهجهم مثل جماعة القرآن والسنة، وأنصار السنة، وحزب النهضة العلماني التونسي ثم أخيرا السلفية المنزلية البرهامية التي فاقت كلّ تصور في نفاقها ووخروجها عن مقتصى الديانة وخيانتها لله ورسوله.

تلك الجماعات كلها هي الي تقف وراء ما نحن فيه من تدهور عقديّ، لولا قيدّ الله أبا الأعلى المودودي وسيد قطب رحمهما الله، من بعد محمد بن عبد الوهاب وابن تيمية، لاختلف الوضع كلية، ولزالت الأمة بأسرها إلا طائفة. وقد ضرب الإرجاء بتصوراته الخربة في عقول الناس وتصرفاتهم، وناسب ما أرادت الحكام والملوك، ومن هنا قال السلف "الإرجاء دين الملوك"، إذ ليس أفضل عندهم من شعب متسيّب مستهين بحدود الله وحقوقه، يحكمونه فلا يبالى بأي حكم أو شرع يُحكم.

أثر الحرورية

ولاشك أن أثر الحرورية، إلى عهد قريب، كان أقل بكثير من أثر الإرجاء في ضرب الحركة السنية الصحيحة، وتعطيل مسيرتها. ذلك أنّ الأمر من قبل، قد اقتصر على ظواهر غلوٍ في العقيدة، نتيجة حتمية للتفريط العقدي الذي جاء به الإرجاء من ناحية، والخيانة العامة والولاء الكفريّ الذي تبنته النظم العلمانية الحاكمة، ملكية وجمهورية على السواء.

وقد قامت جماعات في الستينيات وبعدها، منها ما تبنّى الغلو، ومنها ما تبنّى الحرورية الصّرفة. فالأولى مثل الجماعة الإسلامية، والتي كان فكرها يميل إلى العنف ضد الجميع، حكاما ومحكومين، مع ميل إلى التكفير بشكل عام، وإن لم يكن ظاهرة في تصرفاتها ليكون منهجاً تتقرر به فرقة. ومنها جماعات تبنت الفكر الحروري، بأصله الكلي الذي هو التكفير بما ليس بمكفر، وإن اختلفت في فروع الفرقة كما هو في فروع فرق الخوارج، منها جماعة شكرى مصطفى وبعدها الجماعة الإسلامية المسلحة بالجزائر، حتى النكبة الحالية الكبرى والفتنة العظمى بما يسمى تنظيم الدولة، الذي هو تنظيم بعثي حروري بمسحٍ خلافة. فكان هذا الأخير فتنة لكثير من الشباب الذين لم يعوا دروس التاريخ، وظنوا أن سنن الله يمكن أن تجامل البعض لحسن نيتهم، دون الأخذ بأسباب النصر كاملة غير منقوصة، حسب القدرة.

والناحية العقدية الحرورية ليست عادة من القوة والانتشار بين الناس كالإرجاء، إذ إنها لا تسير في اتجاه الفطرة الانسانية بأي درجة من الدرجات. فالقتل بما تشتهي النفس، دون سندٍ واضح شرعيّ أو قانونيّ – عند العلمانية – قبيح عقلاً وفطرة، وهو مما اتفقت فيه الشرائع والملل بكافة أنواعها. أما التسيب والانحلال فهو رفيق النفس الأمارة بالسوء، وهو أسهل عليها من القتل وسفك الدماء، الذي هو من نفسية الحيوان أقرب. من هنا، فإن الحرورية لم يكن لها، ولن يكون لها بعد شعبيّ أو حاضنة شعبية في يوم من الأيام. إنما هي دائما خارج الاطار الاجتماعي الطبيعي للشعوب، كظاهرة مؤقتة، بين شباب يترنح فكريا، وينحط خلقيا ونفسياً.

الحرورية إذن ظاهرة إجتماعية مَرَضِيّة، لا يمكن أن نعاملها إلا على هذا الأساس. وإن كانت تُسمى في الشرع بدعة كلية، أو كفر، على خلافٍ في رأي المجتهدين. ومن ثم، فليس لها بقاء طويل أو امتداد مأمول في حياة الشعوب بعامة. فهي كالعاصفة التي تجتاح أرضاً، تدمر كثيراً لكن تنتهى في يومين. والإرجاء على عكس ذلك، هو كالغيم المانع للشمس، لا يقتل الزرع على الفور، لكن يقتله على مدى سنوات من منع الدفئ عنه، قليلاً قليلاً.

د طارق عبد الحليم

22 مايو 2015 – 4 شعبان 1436


[1]  الإرجاء مذهب قديم منذ القرن الأول الهجري، لكنّ أثره السياسي والعسكري لم يظهر بقوة على دولة الإسلام إلا منذ أيام انحطاط الدولة العثمانية.