إزالة الصورة من الطباعة

تطور علم أصول الفقه .. بين الشافعي والشاطبيّ – الجزء الثاني

الحمد لله الذي لا يحمد سواه، المحمود على كل حال، وبكل لسان ومقال، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد

أشرنا في الجزء الأول من هذا البحث إلى "التفرقة بين عملية تطور العلم – خاصة علوم الشريعة - في أوساط العلماء المهتمين به، من حيث استخدامه وتطبيقه، وبين عملية تدوينه وتقييده وترتيبه في الكتب. وفي هذا الصدد تختلف العلوم الشرعوية عن ألوان العلم الأخرى، من حيث إنّ المرجع الرئيس والوحيد لكلّ تلك العلوم الشرعية موجود مدوّن بالفعل، وهو كتاب الله سبحانه. ونحن نرى ذلك في العلوم الثلاثة التي وصفها العلماء بأنها محور علوم الشريعة، وأقصد بها علم الحديث والفقه وأصول الفقه. فقد نزّل الناس الفتاوى زمنا قبل أن تبدأ عملية تدوين الفقه وتبويبه، ثم بدأ التدوين على أساس ما أفتى الناس". وعلى هذا الأساس من الفهم والتوجه سنبني بقية بحثنا إن شاء الله.

الرسالة:

كانت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بياناً وافيا شافيا كاملا للقرآن، ولتعاليم الإسلام، على مستوى الفرد والجماعة، الرجل والمرأة، الاقتصاد والاجتماع والسياسة، بلا استثناء. ولم يكن حياته قولاً وفعلاً وتقريراً، أي سنته، إنشاءاً لأحكام جزسية لا غير، بل كان فيها الكثير من الكليات نصاً، كما أن تحت جزئياتها يجتمع المنهج النبويّ الشرعيّ.

بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، صدرت فتاوى الصحابة، ثم التابعين، ثم تابعيهم، ومنهم أئمة الفقه والحديث. وكانت تلك الفترة تتميز بعلو شأن علم الحديث من حيث ضرورة جمعه وتصحيحه وجرح وتعديل رجاله لتصفيه من الدخيل. كما كان الفقه كذلك، إذ كانت الحاجة، ولا تزال إلى إنزال الأحكام على المناطات لتصبح فتاوى، يعيش الاس بها، حيث كانت هي "القوانين" التي تصوغ المجتمع الذي يخضع لشرع الله، حتى مع ظلم أو فسق بعض ولاته.

لكن المنهج النبويّ في التعامل مع الأحداث، الذي هو تشريع خالصٌ، كان ملهماً للفقهاء، من حيث كان حيّاً في تعاملات الصحابة، ثم التابعين وتابعيهم. ثم جاء من بعد ذلك خلفٌ ضعف فيهم ذلك الحس، كما ضعف الحس بالعربية مثلاً، فأنشأ الخليل بن أحمد الفراهيدي علم الروض، وبدأ الأسود الدؤولي علم النحو بالتشكيل ثم برز فيه الخليل، وبرز الهراء في علم الصرف.

فكانت إذن أقضيات الصحابة وتابعيهم وتابعي تابعيهم تجرى على منوال قواعدٍ مستقرة رأوها بعين العقل وشهادة النص، حتى أتي الزمن الذي احتاج فيه الناس إلى تدوين هذه القواعد، لتكون قانوناً ومنهجا يسير عليه الفقهاء في أقضياتهم وفتاويهم.

وهنا جاء الشافعي. وجاءت الرسالة. فهي إذن حصيلة عقودٍ من الممارسة للمنهج النبويّ، من خلال الفقه والحديث والفتاوى، من عدد ضخم من علماء الفقه والحديث من الرعيل الأول والثاني بعد الصحابة رضوان الله عليهم.

ولسنا بصدد مدح الرسالة ولا واضعها، فمن نحن لنتحدث ولو بإطراء، عن الشافعيّ رحمه الله! وكما قال العلامة أحمد شاكر في مقدمة تحقيقه[1] "وكفي الشافعيّ مدحاً إنه الشافعيّ، وكفي الرسالة تقريظاً إنها من تأليف الشافعيّ".  لكن قصدنا هنا هو رَصد مراحل تطور علم أصول الفقه، ورصد تطوره ونضوجه، من حيث "الرسالة" أول ما دُوّن فيه، وكلّ من كتب فيها من بعده عيال عليه فيه.

وإذا نظرنا فيما أتى به الشافعيّ رحمه الله في الرسالة، وتطلعنا في أبوابها، وجدناها قد اشتملت على بعض أبواب أصول الفقه، كما يعرفها علمه اليوم، بل كما عرفها علم الأصول في القرن الخامس الهجريّ. وهذا يثبن بلا موضع شك أو محاججة تطور هذا العلم من وراء عمل الشافعي رحمه الله.

فالرسالة قد تناولت أبواباً في الناسخ والمنسوخ من القرآن، والعام والخاص وأنواعه، والأمر والنهي وفرض العين والكفاية، واستطردت في البيان وأنواعه مع تنزيله على كثيرٍ من الفرائض، والحديث في علل الحديث، وحجية حديث الآحاد والاختلاف في أكثر من موضع[2]. كما تناولت بعض صفحاتها الحديث في الاجماع والقياس والاستحسان والاجتهاد، في الجزء الأخير من الكتاب.

ولسنا كذلك في صدد الحديث عن مذهب الشافعيّ في القياس أو نظره في الاستحسان، إذ هذا موضعه في دراسة الأصول ذاتها. كما إننا لن نخوض في الفرق بين ما سميّ بمدرستي الرأي والحديث، فإن لنا في هذا نظر سندوّنه بإذن الله، إذ هو أحد أغراض هذا البحث.

والملاحظة الأولى هي أنّ أبحاث الأصول في الرسالة لم تأت متكاملة الجوانب كما هي في كتب الأصول من بعدها، ولم يكن هذا من الممكن بطبيعة الحال، وإن كانت قد أسست الهيكل الرئيس لما أتى من بعدها، فأنت لا ترى الكلام في سد الذرائع مثلا، ولا في الاستصحاب، ولا في المصلحة المرسلة، بل ولا في إطلاق المطلق وتقييد المقيد في أبواب البيان، رغم أنه استشهد بآيات تدل عليهما في ج2ص231، "قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير" الأنعام 145.

والأمر الثاني إننا نرى من طريقة تدوين الشافعيّ رحمه الله طابع عصره، من اهتمام بالحديث. وهذا أمر طبيعي كذلك، إذ كان هذا العصر هو بداية عصر القمة والأئمة في تدوين علم الحديث، نصاً ونقداً وجرحا وتعديلاً. وقد صنف عبيد الله بن موسى مسنده[3] ومن بعده نعيم بن حماد[4] أحد شيوخ البخاري. بل كان عصر مالك والموطأ. فلا غرو أن يكون اهتمام إمامنا الشافعيّ بالحديث على تلك الدرجة العالية في كتابته للرسالة، وهو تلميذ مالك أولاً وأخيراً.

وقد كان سائداً في ذلك الوقت انقسام الناس إلى مدرستي الرأي والحديث، وكانتا يتبارزان في الوجود. وبطبيعة الحال، كأي مدارس فكرية على سطح الأرض، فإن هناك طرفان، وبينهما أطياف لا تُحصى، ووسط أعدل. وقد زعم بعض الناس أنّ طرف الرأي انحصر في أبي حنيفة وتلامذته، كما رأي البعض أنّ مدرسة الحديث، حتى وقت أحد لم يكن لها إمام في الفقه بعد، رغم أن ذلك خطأ في التصور وبساطة مخلة. فإن الإمام الأوزاعي[5] رحمه الله كان علماً في الحديث والفقه، وهو معاصرٌ لمالك رحمه الله، ودخل عليه ومعه سفيان الثوريّ في المدينة.

والحق أني أكره هذا التقسيم، لإطلاقه وإبهامه بين رأي وحديث. فإنه حين ينسب عالمٍ للرأي يجب أن يُحدد ما المقصود به على وجه الدقة. فمثلا قد حسب بعض المتحدثين في هذا الأمر أنّ مالكاً من أهل الرأي، وهو صاحب الموطأ، فأين موضع "الرأي" في مذهبه. وقد اتخذوا ليلاً مسألة ولوغ الكلب في الإناء لتقديم القياس على الخبر، ومعارضة خبر خيار المجلس للقاعدة العامة، لعل اهتمامه بالمصلحة ومراعاتها، أو تقديمه للقياس في مقابل حديث الآحاد. وهذا الأمر غير ثابت عن مالك، بل إن عبارة الشاطبي "الظني المعارض لأصل قطعي، ولا يشهد له أصل قطعي فمردود بلا إشكال. ومن الدليل على ذلك أمران: أحدهما: أنه مخالف لأصول الشريعة. ومخالف أصولها لا يصح؛ لأنه ليس منها. وما ليس من الشريعة كيف يعد منها. والثاني: أنه ليس له ما يشهد بصحته. وما هو كذلك ساقط الاعتبار"[6] تدل على تقييد ذلك بأن تكون العلة ثابتة ثبوت قطعيا يقينياً[7].

المهم هنا أن نثبت أنّ مالكاً كان له نظرٌ فقهيّ يقوم على الكتاب والسنة، لا على "الرأي" كما يحب المتسرعون في الحكم أن يطلقوا عليه. وقد يوافقه أئمة أخر، أو يخالفونه، فليست هذه النقطة هي مدار الحديث، لكن أنْ يقال إنهم هم أهل الحديث أو هم من توسط بين الحديث والرأي، وهم العاملون بهما، وأن مالكاً من أهل الرأي، فهذا ظلم وبهت وجهل.

ونسأل الله إنارة البصيرة، فالعقول قاصرة إلا من أمدّ الله بمدد من عنده.

يتبع الجزء الثالث إن شاء الله تعالى

د طارق عبد الحليم

26 يناير 2015- 6 ربيع ثان 1436

http://jpst.it/weqh


[1]  الرسالة بتحقيق أحمد شاكر ص5

[2]  بعضها كان في معرض حديثه عن حجية الأخبار كما في الكتاب الثاني.

[3]  الإمام عبيد الله بن موسى بن أبي المختار (ت213)،معاصر الشافعي، وروى عنه البخاري، ووثقه الكثير إلا أحمد بن حنبل (سير الأعلام ج9).

[4]  هو ابن الحارث بن همام بن سلمة بن مالك ، الإمام العلامة الحافظ أبو عبد الله الخزاعي المروزي، روى عنه البخاري وأصحاب السنن

[5]  هو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، أبو عمرو الأوزاعي التابعيّ. قال علي بن بكار : سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول : ما رأيت مثل الأوزاعي والثوري فأما الأوزاعي ، فكان رجل عامة ، وأما الثوري ، فكان رجل خاصة نفسه ، ولو خيرت لهذه الأمة لاخترت لها الأوزاعي - يريد الخلافة" سير الأعلام ج7.

[6]  الموافقات للشاطبيّ ج3 ص17،المسألة الثانية

[7]  7. راجع في ذلك مبحث مفيد على هذا الرابط http://www.feqhweb.com/vb/showthread.php?t=5088&s=62d32269cd29eca3c94c8835a613e1ca#ixzz3Pw29ILxg