إزالة الصورة من الطباعة

تطور علم أصول الفقه .. بين الشافعي والشاطبيّ - الجزء الأول

الحمد لله الذي لا يحمد سواه، المحمود على كل حال، وبكل لسان ومقال، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد

العلوم، في تطورها، كالوليد في نشأته، أو كالنبتة في نموها، تبدأ بسيطة سهلة لا تحمل الكثير من عناصرها التي تتهيأ لها مع الوقت، والتي تشملها بالقوة لا بالفعل، ثم تنمو وتتطور، وتتسع رقعتها وتمتد مساحتها، لتكتمل على سوقها، حتى تصبح مرجعاً متكاملاً لطالبي معانيها. فمن زعم أن علماً قد وُلد متكاملاً على يد فلان، فقد أبعد النجعة وانحرف في النظر. وعلم أصول الفقه لا يخرج عن هذا المسار قيد أنملة.

وقد عزمت على أن أخرج هذا البحث الذي يتناول تطور علم أصول الفقه، منذ أن أعلن الإمام الشافعي رحمه الله ميلاده في كتابه العظيم "الرسالة"، الذي قال عنه الإمام عبد الرحمن بن مهدي[1] رحمه الله "لمّا نظرت الرسالة للشافعيّ أذهلتني لأنني رأيت كلام رجلٍ عاقل فصيح ناصح، فإني أكثر الدعاء له". إلى أن ختم الإمام الشاطبيّ رحمه الله مرحلة نضجه واستوائه على عوده في كتابه الفريد "الموافقات"، بل، في رأينا، هو مولد علم لصيقٍ به، جديدٍ في الساحة، هو علم أصول النظر والاستدلال، كما أحب أن أسميه.

وقد ساد في أقوال المحدثين ممن تناول هذا الأمر في ثنايا الحديث عن تاريخ التشريع الإسلاميّ، مثل الخضيري وعبد الوهاب خلاف ومحمد أبو زهرة ومناع قطان، وغيرهم، أمر تطور أصول الفقه. وكان بينهم شبه إجماع على أن هذا العلم قد تطور من خلال مدرستين أصوليتين، هما مدرسة الشافعية والمتكلمين، ومدرسة الأحناف. ويشتم الباحث من حديث أولئك العلماء أنّ المدرستين مبتوتّا الصلة ببعضهما، من حيث أحداهما وهي مدرسة الشافعية والمتكلمين، تتناول الأصول من القمة إلى القاعدة، أي تضع القواعد الأصولية أولاً، بطريق عقلي منطقي، ثم تنظر بعدها وعلى ضوئها في الفروع، بينما تفعل الأخرى عكس ذلك، فتبدأ من القاعدة إلى القمة، ناظرة في الفروع ثم بانية عليها القواعد الأصولية.

لكن الناظر في تلك الكتب، لا يجد تتبعاً تفصيلياً لتحقيق هذه الدعوى، أو على الأقل، لم أقع بنفسي على ما يدل على ذلك، رغم إنني قد نحيت هذا المنحى في كتابي "مفتاح الدخول إلى علم الأصول" فقلت ما نصه:

"وقد أُلف فيه على طريقتين:

ثم ظهرت الكتب المحدثة منها: أصول الفقه للخضري، أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف، وأصول الفقه لمحمد أبو زهرة."[2]

فأنت ترى إني أخذت بذات القول الذي أقوم بمراجعته اليوم، وهذا من طبيعة عمل البشر القاصر من ناحية، ومن طبيعة عملي في ذاك الكتاب الذي جاء محصلة ثلاثين عاماً من جمع متفرقات لم يُقصد بها إلا الاختصار والتبسيط لهذا العلم من جهة أخرى.

ومما يجب ملاحظته التفرقة بين عملية تطور العلم – خاصة علوم الشريعة - في أوساط العلماء المهتمين به، من حيث استخدامه وتطبيقه، وبين عملية تدوينه وتقييده وترتيبه في الكتب. وفي هذا الصدد تختلف العلوم الشرعوية عن ألوان العلم الأخرى، من حيث إنّ المرجع الرئيس والوحيد لكلّ تلك العلوم الشرعية موجود مدوّن بالفعل، وهو كتاب الله سبحانه. ونحن نرى ذلك في العلوم الثلاثة التي وصفها العلماء بأنها محور علوم الشريعة، وأقصد بها علم الحديث والفقه وأصول الفقه. فقد نزّل الناس الفتاوى زمنا قبل أن تبدأ عملية تدوين الفقه وتبويبه، ثم بدأ التدوين على أساس ما أفتى الناس.

ومما تناولت أعلاه، فإن الغرض من هذا البحث يتلخص في:

  1. الحديث عن تطور علم الأصول بشكلٍ عام، من عصر الشافعي رحمه الله إلى عصر الشاطبيّ رحمه الله، دون الخوض في كلّ تفاصيله والوقوف مع كلّ كتبه، فإن ذلك يخرجه من مكانة البحث إلى مكانة الكتاب.
  2. إعادة النظر في مقولة إن تدوين علم الأصول انقسم إلى المدرستين اللتين أشرنا اليهما آنفا، لنتحقق من مدى صحتها ودقتها، عن طريق مقارنة أمهات كتب العلم في المذاهب المختلفة.
  3. النظر في أقوال بعض المحدثين ممن قللوا من شأن كتاب الموافقات، فلم يوفيه حقه في مكانته من هذا العلم.
  4. إقرار خلاصة ما نراه في مسألة تدوين هذا العلم وتاريخه.

وسيكون حادينا في هذا البحث النظر في مراجع عديدة، على رأسها رسالة الشافعي رحمه الله، والمستصفي للغزالي[3] الشافعي، وأصول الكعبيّ[4] والبزدوي[5] من الأحناف، وما تجمع من أراء الإمام الصيرفي[6] الشافعي من حيث يعتبر حلقة وصلٍ هامة فيما نحن بصدده. كذلك سنعتني ببعض ما دوّن غيرهم في أصول المالكية من حيث إن الشاطبي، الذي انتهت اليه رياسة العلم، فيما نرى، مالكي المذهب. كما استعنّا فيه بكتاب كشف الظنون لحاجي خليفة[7]، وإرشاد الفحول للشوكانيّ وغير ذلك مما يأتي في محله، خلا بعض ما دوّن المحدثون في باب الأصول أو تاريخ التشريع الإسلاميّ.

نسأل الله إنارة البصيرة، فالعقول قاصرة إلا من أمدّ الله بمدد من عنده.

يتبع إن شاء الله تعالى

د طارق عبد الحليم

23 يناير 2015 – 03 ربيه ثاني 1436


[1]  عبد الرحمن بن مهدى: كان إماماً محدثاً فقيها ناقدا قدوة في الدين والدنيا، مدحه الشافعي وأحمد بن حنبل بما لا مزيد عليه، ووضعه قبل وكيع. قال أيوب بن المتوكل : كنا إذا أردنا أن ننظر إلى الدين والدنيا ، ذهبنا إلى دار عبد الرحمن بن مهدي.قال اسماعيل القاضي: سمعت ابن المديني يقول : أعلم الناس بالحديث عبد الرحمن بن مهدي" سير الأعلام الذهبي ج9.

[2]  مفتاح الدخول إلى علم الأصول، د طارق عبد الحليم ص16

[3]  الإمام الغزاليّ: وهو غني عن التعريف، قال الذهبي "الشيخ الإمام البحر ، حجة الإسلام ، أعجوبة الزمان زين الدين أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي ، الشافعي ، الغزالي ، صاحب التصانيف ، والذكاء المفرط ."سير الأعلام ج19  

[4]  الإمام الكعبيّ: أبو الحسن عبيد الله بن الحسين، قال الذهبي "الشيخ الإمام الزاهد ، مفتي العراق ، شيخ الحنفية أبو الحسن ، عبيد الله بن الحسين بن دلال ، البغدادي الكرخي الفقيه"السير ج15. توفى عام 340هـ

[5]  الإمام البزدوي الحنفي: علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البزدوي، قال السمعاني: قال : وكان إمام الأصحاب بما وراء النهر ، وله التصانيف الجليلة" توفى عام 482هـ سير الأعلام ج18.

[6]  الإمام الصيرفي الحنفي: قال الذهبي "عمرو بن علي بن بحر بن كنيز الحافظ الإمام المجود الناقد ، أبو حفص الباهلي البصري الصيرفي الفلاس ، حفيد المحدث بحر بن كنيز السقاء ".ولد عان نيفٍ وستون ومائة، فكان معاصراً للشافعي. وقد وثقه أمة الحديث كأبي حاتم وانسائي وأبي زرعة، وروى عنه أصحاب الكتب الستة. سير الأعلام ج 11.

[7]  كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: للكاتب الأديب البارع العالم مصطفي بن عبد الله المعروف بحاجي خليفة، من مواليد القسطنطينية العثمانية المتوفي 1086 هـ، انظر ترجمته في الأعلام للزركلي ج7ص236