إزالة الصورة من الطباعة

أليس منكم رجل رشيد!

أليس منكم رجل رشيد!

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

مقدمة

إن ما دفعني لكتابة هذه الورقات إحساسي بأننا –كجهاديين- نستنفد الفرص التي يهبنا إياها الله عز وجل لنستفيد من الدروس ونتعلم من أخطائنا، فهذه الساحة الشامية بعد أن أكرمها الله في فرصة استثنائية طال انتظارها أكثر من ربع قرن بالثورة على الطاغية, وراجت سوق الجهاد فيها, على وشك اللحاق بأختيها العراقية والجزائرية -إلا أن يتداركها الله برحمته-، وهذا ما نرجوه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الله تكفل له بالشام وأهله, وأن الشام خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده، وسبب ذلك -إضافة لمكر الكفر العالمي بها- إعراض الجهاديين عن التعلم من أخطائهم وضعفهم الشديد في قضية مواكبة الحدث، فصاروا عبئاً على الساحة ومصدر إزعاج لها بدل أن يكونوا المنقذ والدليل، ومحاولة التبرير دوماً بأن المنهج قد سرق، أو أنها شذوذات فردية من بعض الغلاة الذين تطفلوا على المنهج وليسوا من أهله.

أرى الحاجة ملحة لدق ناقوس الخطر قبل أن تضيع الشام من أيدي الأمة مرة أخرى, والنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب, وأخبرنا أنه إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم, وبالجمع بين الحديثين يتبين لنا أن الشام "قلب الأمة"، فقلب الأمة الآن مهدد بالانهيار وأهل الشام بعد أن تبنوا الهوية الإسلامية لثورتهم واحتضنوا أهل الجهاد والمنهج، بدؤوا في مراجعة موقفهم بعد أن رأوا جرائم من ينسب للتيار الجهادي, وتكفيرهم إياهم, واستحلالهم لدمائهم وحرماتهم, وقد تنتهي القضية كما انتهت في كثير من الساحات إلى أن يحتضنوا المشروع الغربي, أو يرتموا في أحضان الكفر العالمي للخلاص! وقد بدأت بوادر وعلامات لذلك ونسأل الله اللطف.

أعلم أنني في كلامي سأجرح مشاعر كثيرين, وسأقسو عليهم بعض الشيء, ولعل كثيراً منهم خير مني عند رب العزة, ولعل كثيراً منهم أفضى إلى ربه بعد أن قضى في ساحات الجهاد مقبلاً غير مدبر وهو الآن في حواصل طير خضر يسرح من الجنة حيث يشاء يضحك لهم الجبار، ولكن تكررت ظاهرة تمكن الغلاة في الساحات الجهادية وإفسادها, وهذا ليس أخطاء فردية, أو أن المنهج "سرق" كما يُدَّعى, بل لا بد من مراجعة شاملة للمنهج وسبر أخطائه ومحاولة إصلاحها فالله عز وجل أمرنا أن نسير في الأرض ونعتبر فلن نتمكن من إصلاح أنفسنا إذا أهملنا سنة الاعتبار.

أقول هذا وأنا ابن هذه المدرسة حملت منهجها منذ نعومة أظفاري, وقاتلت وسجنت في سبيلها, ولا أذكر ذلك إلا قطعاً للطريق على أهل المزاودات الرخيصة ومحاولات التخوين، والله عز وجل علمنا ألا نأمن مكره وعلمنا أن نكون من الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون, ولما سألت عَائِشَةُ، زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: " لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ.

أكتب هذا بعد أن رأيت كثيراً من أبنائه يرفضون الاعتراف بأن هناك خللاً في أصله وفلسفته, ويصرون أن المنهج بصورته الحالية حق، لكنه يسرق كل مرة من قبل هؤلاء المفسدين الذين يسيئون فهمه فيجنحون.

وأود التنبيه إلى أن معظم الأفكار في الرسالة تولدت نتيجة طبيعية للتشاور والتناصح مع إخوة أفاضل أفنوا أعمارهم في الساحات الجهادية والسجون والمعتقلات وحلقات طلب العلم، أَمَضَّهم ما يرونه ويعيشونه من أخطاء وانحرافات في الساحة الجهادية، وهم كثر ولله الحمد، وأخص منهم بالذكر أخي ورفيق دربي الغالي الشيخ أبي يزن الشامي حفظه الله، فكثير مما في هذه الرسالة أفدته من مجالسته والتباحث معه فجزاه الله خيراً. وسيلاحظ القارئ الكريم أن بعضد الأفكار مكررة بقوالب متعددة وهذا مقصود لأهمية الفكرة من وجهة نظر وضرورة التركيز عليها.

وقبل أن أنتهي من تسويد هذه الورقات إذا بي أفجع باستشهاد شيخي وأميري وحبيبي الغالي، شيخ المجاهدين ودرتهم، علم من أعلام الجهاد في هذا العصر، من أمضى أربعة عقود من عمره مجاهدا في سبيل الله ومصاحباً لمشايخ الجهاد وأعلامه شيخنا "أبو خالد السوري"، على يد الخوارج الآثمين، اغتالته يد الغدر في حلب الشهباء وهو يوجه ويرتب إخوانه لدفع النصيرية عنها، فالله المستعان، والله إنها لمصيبة عظيمة، نسأل الله أن يأجرنا فيها ويبدلنا خيرا منها.

هذا الحدث العظيم زادني حرصاً على إتمام هذه الرسالة صيانة للمنهج من تلاعب الغلاة، ووفاء للشيخ الذي كان يحذر منهم أشد التحذير، وكان يخبرنا أنهم أفسدوا ساحات الجهاد، وسيفسدون الساحة الشامية إن لم تقف الأمة صفاً واحداً في مواجهتهم.

هذه الدراسة من داخل التيار ومن أرض الواقع مباشرة, أرجو أن يكون وصفي للواقع فيها بلا حيف ولا شطط, فما كان منها من صواب فمن الله, وما كان من زلل فمني ومن الشيطان, وأسأل الله أن يوفقني وإخواني لما فيه خير الأمة بإذن الله.

أبو أيمن الحموي

حلب

26/ربيع الثاني/1435للهجرة

 معركة المصحف

إن للحق مذ خلق الله الأرض ومن عليها حرباً يخوضها مع أهل الباطل تختلف معالم معاركها من عصر لعصر ومن زمن لآخر؛ فمن المعروف أن أهل الباطل لا يردون الحق كله جملة واحدة, بل قد يكونون متمسِّكين ببعضه مع إعراضهم عن بقيَّته, فها هم أهل الجاهلية الأوَل زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مقرِّين برب العزة تبارك وعلا خالقاً ورازقاً ومدبراً وحيداً ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ ﴿ولئن سالتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم﴾ ﴿ولئن سألتهم من نزَّل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله﴾؛ لكنهم كانوا يرفضون ويأبون أشد الإباء إفراده بالقصد والعبادة, وعلى هذا قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم وأردى كبارهم في القليب يوم بدر، فهم كما ترى أقروا بشيء من التوحيد وهو توحيد الربوبية, وأشركوا في الطلب والقصد.

والمرتدون زمن أبي بكر رضي الله عنه كانوا مقرِّين بالدين كله إلا أن منهم من آمن بنبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم وهم أتباع مسيلمة, ومنهم من منع الزكاة هذا مع انتسابهم لدين الإسلام وإقرارهم بأحكامه (مع اختلاف العلماء في توصيف مانعي الزكاة).

ونلخص فوائد ما سبق بما يلي:

1ـ أول مَعْلَم من معالم المنهج الرشيد الإيمان بالكتاب كله ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ والسلم هنا هو الإسلام، فأتباع الرسل يؤمنون ويعملون بالدين كله أما السائرون على درب بني إسرائيل فإنهم ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾.

2ـ لا يلزم لأهل الباطل أن يكونوا معرضين عن الحق كله لا يقبلون شيئا منه حتى يكونوا من أهل الباطل بل قد يكون عندهم قبول لشيء من الحق والرشد ولا يخرجهم ذلك من صف الباطل حتى يقبلوا الحق كاملاً.

3ـ إدراك الحق كاملاً شيء يعجز البشر عنه فليس كل تارك لشيء من الحق من أهل الباطل ما لم يكن ما أعرض عنه من أساسيات الدين التي جاهد الأنبياءُ وأتباعهم للحفاظ عليها, وسبيل معرفة أساسيات الدين, العودة لعلماء سلف الأمة وتلقيها منهم.

4ـ معركة المصحف قد تتغير معالمها من زمن لآخر بحسب ما يرده أهل الباطل من الحق والدين في ذلك الزمن, فقد تكون مع عباد الأصنام أو مانعي الزكاة أو الباطنيين القرامطة.

أهل الحق

إن أهل الباطل مهما كانوا أقوياء وظاهرين وممتلكين لأسباب القوة المادية فإنهم لا يستطيعون -وحياة نبينا خير مثال- الظهورَ على أهل الحق ظهورا كاملا ودائماً لا عارضاً ومؤقتاً ما داموا متمسكين به معتصمين بحبل الله مهما كان ضعفهم ظاهراً في المقومات المادية مع أخذهم بالأسباب وبذلهم للوسع، وإن أي اختلال في هذه المعادلة مرده إلى انحرافات حقيقية وبعد عن المنهج عند أهل الحق. ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾. ومعنى قوله "يعفو عن كثير" أنه ليس أي انحراف يكون سبباً في ضياع التمكين, بل لا بد له أن يكون أكثر من هذا الكثير, فليبحث من يظنون أنفسهم أصحاب المنهج الحق والطائفة المنصورة في أنفسهم عن هذا الكثير الذي كان سبباً لضياع تمكينهم في كثير من ساحات الجهاد التي أحرزوا تقدماً فيها ثم دارت الدائرة عليهم كالعراق والجزائر مثلاً, وأبدلوا بعد عزهم ومنعتهم ذلاً وانكساراً, وهذا بابٌ عظيمٌ قد يكون سبباً في نجاة من تفطن له وأخذ يبحث عن مقومات الفشل الداخلية في نفسه, وهذا مقتضى النفس اللوامة, بدلَ أن يرمي الأسباب على تكالب الأمم ووجود العملاء والصحوات وما شابه. وهذا أيضاً يردنا إلى الفقرة الأولى وهو الدخول في السلم كافة.

السلفية الجهادية

إن السلفية الجهادية التي تسنمت مراكز القيادة والسيادة في الساحات الجهادية فشلت فشلاً ذريعاً وأخفقت إخفاقاً حاداً، في حل مشكلة الأمة كغيرها من التيارات الإسلامية مع كونها بذلت الدماء والأشلاء وفارقت الأهل والأوطان وقاست غياهب السجون والمعتقلات؛ ولم تفلح إلا في ضرب أمثلة الشجاعة والفداء وإذكاء روح الجهاد في الأمة، إضافةً إلى مناصرتها للمستضعفين من المسلمين الذين صالت عليهم الجاهلية وخذلتهم الأمة الإسلامية، لكنها جنت على المشروع الإسلامي أيما جناية ودمرته ونفرت الناس منه بل وفرخت في الساحات التي تمكنت فيها أصنافاً من الغلاة والخوارج عاثوا فساداً في الأرض وولغوا في دماء الأمة ونفروا الناس من الإسلام وأجهضوا المشروع ورموهم في أحضان الجاهلية.

أبرز ما فشلت السلفية الجهادية في تحقيقه هو التوحد مع الأمة والاندماج معها وجرها إلى مشروعها، فما حصل في كثير من الساحات هو فشل السلفية الجهادية في إقناع الناس بمشروعها، فتحولت إلى تنظيمات أصولية شاذة منبوذة من مجتمعاتها، مما سهل على الجاهلية عزلها عن مجتمعاتها ثم تصفيتها، وسنرى في ثنايا هذه الدراسة بإذن الله ما هي أسباب فشل هذا التيار في إقناع عوام المسلمين بمشروعه كونه بنى هذا المشروع على أسس نخبوية مستعلية على الناس، ولم يحاول امتلاك المقومات الطبيعية لبناء دولة الإسلام التي ينشدها.

العقلية والفلسفة التي تبناها هذا التيار لإقامة دولة الإسلام هي عقلية التنظيم النخبوي المدرب والمجهز بالكوادر أصحاب الفكر والرؤية والإمكانات والذي يقوم وحده بإسقاط النظام الجاهلي ثم تقوم الأمة بمبايعته فيقيم دولة الإسلام.

هذه النظرية أثبتت فشلها في جميع الساحات لأن نتيجة المواجهة بين التنظيم والنظام الجاهلي المدعوم من كل طواغيت العالم غالباً ما تكون نتيجتها لمصلحة الطواغيت، إذ أن الأمة بالنسبة للتنظيم في حرب العصابات كالماء للسمكة، فلما نجحت الجاهلية بعزل التنظيم عن محيطه سهل عليها القضاء عليه وتصفيته، والأمة بكافة مقوماتها ببرها وفاجرها هي من تصدى لهجمات الجاهلية السابقة كالتتر والصليبيين وكسرت شوكتهم لا جماعة ولا تنظيم، وقد أدرك كبار المنظرين في التيار الجهادي ممن سلموا من الغلو هذه المسألة فنبهوا عليها ومنهم الشيخ أبو مصعب السوري في كتابه الأخير دعوة المقاومة العالمية، وتجلى هذا الفكر واضحاً في خطابات الدكتور أيمن الظواهري عن الساحة الشامية مؤخراً، وفي كتابه فرسان تحت راية النبي حيث أكد على ضرورة طرح التنظيمات الجهادية لأسس وفلسفات للمواجهة مع الطاغوت تفهمها الأمة وتتحشد خلفها بيسر كتحرير فلسطين وتطهير البلاد الإسلامية من القوات الأجنبية وضرورة ابتعادها عما يعسر على الأمة فهمه ومناصرته بسهولة ولو كان حقاً كالحاكمية مثلاً على أهميتها، لكن صرخات النذير الخجولة هذه ضاعت بين ضجيج الخوارج ومعرفاتهم الوهمية على التويتر والفايسبوك.

ويجدر بي التنبيه إلى أنني عندما انتقد مظاهر الانحراف في التيار السلفي الجهادي وأشير إليها فإنني لا أعني أبداً أنَّ التيار السلفي الأصيل الذي تمسك بعقيدة سلف الأمة الصالح ومنهجها وجاهد لينفي عن الأمة الزيغ والانحراف والبدع والخرافات، هذا التيار الأصيل الذي حمل لواءه علماء أعلام كابن تيمية والعز بن عبد السلام وابن دقيق العيد وأمثالهم من العلماء الكبار الذين حفظوا للأمة منهجها البراق، وأظهروا قيمة العلم والعلماء؛ هؤلاء هم أئمتنا وساداتنا. لكن كلامي وانتقادي عن التيار الذي يسمى بالسلفي بدأ الانحراف فيه ببعض كتابات الدعوة النجدية وتابع هذا الانحراف إلى أن أفرز لدينا ما يعرف بالتيار السلفي, جهادياً كان أو علمياً، ومعظم أبنائه اليوم مع تعظيمهم وإجلالهم لأصحاب الخط الأصيل بل ونسبتهم أنفسهم لهم إلا أنهم حادوا عن كثير من هذا النهج واتخذوا لأنفسهم خطاً آخر سنتكلم عن انحرافاته في هذه الرسالة بإذن الله.

 

 مظاهر الانحراف في السلفية الجهادية

أولاً: الكبر

(بطر الحق وغمط الناس)

عرَّف نبيُّنا صلى الله عليه وسلم الكبرَ أنه بطر الحق وغمط الناس, ومعنى "بطر الحق" ليس  مجرد رده, إذن لقال رد الحق, بل رده ازدراءً وتكبراً, وكيف يكون هذا الازدراء؟ إمَّا ازدراء صاحبه وإسقاطه, أو تكبراً بأن الحق لا يخرج عنا فكيف يأتي به فلان ﴿لو كان خيراً ما سبقونا إليه﴾ كيف ونحن أهل "المنهج" ولنا سابقتنا ونحن أهل الثغور الذين تكفل الله بهدايتهم (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) وقد قال العلماء إذا أشكلت عليكم الأمور فعليكم بأهل الثغور؟!!!!!!!.

أذكر أنني قمت بزيارة مع أخ لي بزيارة إحدى المحاكم الشرعية التي أنشأتها حركة أحرار الشام في إحدى المناطق بعد تحريرها للنظر في قضايا الناس وتصحيح عقودهم ومعاملاتهم وفق الشريعة, فلاحظنا عدم كفاءة في الإخوة المتصدرين للقضاء وفض الخصومات, فأشرت على الأمير أن يضعوا فلاناً أعرفه من أصحاب الأهلية قاضياً, فردَّ عليَّ أنه أشعري وليس من أصحاب المنهج؟! وما ذنب القضاء والأموال والأعراض إذ لا علاقة لها بالمنهج, فقلت له: ماذا  لو أتاك ابن حجر والنووي والقاضي عياض أكنت أيضاً مانعاً إياهم من القضاء لأنهم ليسوا من أصحاب المنهج؟!

الكبر من أعظم الذنوب الماحقة للعمل والموجبة لغضب الرب جل وعلا، قال النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي رِدَائِي قَصَمْتُهُ». وقد يعجز الشيطان عن إيقاع أبناء الجماعات الإسلامية في الكبر المجرَّد -الشخصي- فيوقعهم في الكبر المؤول, وأعني به الكبر بالحزب أو الفصيل الذي ينتمون إليه, فيقع أكثرهم فيه ظانين أنه من باب الاستعلاء والعزة بالدين فيتعاملون مع الناس وكأن جماعتهم هي الجماعة الوحيدة التي تحمل المشروع الإسلامي وباقي الجماعات والفصائل حظها منه التبعية لهم ومبايعتهم, وبدون ذلك لا شرعية لها وما هي إلا مشاريع صحوات مستقبلية ضد الإسلام. وللخلاص من الوقوع في هذا الشَّرَك الخطير علينا التنبه لبعض النقاط:

أولاً: الذنوب الباطنة وأمراض القلوب كالكِبر والعُجب وحب الرياسة واحتقار المسلمين لا شك أنَّها أعظم وأكبر عند الله من كثيرٍ من المعاصي الظاهرة, وهي كلها من كبائر الذنوب عند المحققين من العلماء، وتأمل هذه الأحاديث: «لَوْ لَمْ تَكُونُوا تُذْنِبُونَ لَخَشِيتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ, الْعُجْبَ»، «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الخَبَالِ»، «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ المَرْءِ عَلَى المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ»، «حَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ، أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» ومن يأمن على نفسه من هذه الأمراض التي أكثرها ماحقٌ للعمل مسببٌ لسخط الرب؟! فلا تَغُرَّنَّكَ العبادات الظاهرة وترك المعاصي الظاهرة فلعل تاركاً للدخان يكون بقلبه من تلك الأمراض أضعاف أضعاف ما عند المدخنين، فرُبَّ انكسارٍ وندمٍ أعقبته معصية خير من عز واستكبار بعد طاعة، والله عز وجل غني عن عملنا وعبادتنا، والفرقة وعدم الاعتصام نفسه من أكبر الذنوب.

ثانياً: الولاء للمشروع الإسلامي لا يكون فقط بالمظاهر والمُسوح كرفع الرايات التي يكتب عليها الشهادتان ـ ولم يثبت في السنة أن راية النبي صلى الله عليه وسلم كان مكتوباً عليها شيء أصلًاـ ومثل ذلك التزام زي معين وليست القضية فقط بإرخاء اللحى وتقصير الثياب بل لا بد من تمكن الولاء لدين الله في القلب واستحكامه حتى يطغى على أي ولاء آخر، فعند المحك إذا أردت أن تعرف الحق فانظر إذا تعارضت أوامر دين الله مع مصلحة الجماعة أو التنظيم فأيُّها يُقدَّم؟ هل تكون الجماعة خادمة للدين ولو على حساب وجودها أو اسمها أم يكون الدين مطية لمصلحة الجماعة المزعومة.

ثالثاً: يخطئ كثيراً من يظنُّ أن جماعته أو فصيله هي الوكيل الحصري والمعتمد للمشروع الإسلامي وأنها وحدها من ستقيم دولة الإسلام وتمكن لدين الله في الأرض, وهذا عين الكبر, بل المشروع مشروع الأمة وليس مشروع فصيل، خاصة في هذه المعركة التي اصطف فيها الرافضي خلف النصيري وصاروا يداً واحدة في مواجهة أمة الإسلام, فلا مناص من اصطفاف السلفي والصوفي والأشعري في هذه الحرب المصيرية كما اصطفت الأمة خلف صلاح الدين الأشعري الصوفي من قبل وكما اصطفت خلف المعتصم المعتزلي في مواجهة الروم، فلا مجال للاعتبارات المذهبية والخلافات الفكرية ـ طالما أنها لا تخرج من دائرة الإسلام ولا تَمسُّ بأصل المشروع في هذا الميدان وتأمَّل معي قول الله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله﴾ فالذين أورثوا الكتاب هم حملة المشروع و"اصطفينا من عبادنا" هم الطائفة المصطفاة كان فيهم الظالم لنفسه والمقتصد, ولم يكونوا كلهم "سابقين بالخيرات".

ولا بأس بأن نعرِّج على مظاهر الكبر عند السلفية الجهادية:

أولاً: حصر الطائفة المنصورة والراية الواضحة بل وأحياناً الفرقة الناجية في جماعتهم, ساعدهم على ذلك كونهم الراعي الحصري والوحيد (تقريباً) لقضية الجهاد في العالم لحقبة لا بأس بها من الزمن, وبما أنه تقرر في حديث الطائفة المنصورة أن من صفاتهم أنهم "يقاتلون" إذن فهذا وصف لازم مختص لنا لا يشاركنا فيه غيرنا.

لكن هذا دفعهم إلى أنه عندما رَفَعَ رايةَ الجهاد غيرُهُم في بعض الساحات كالساحة الشامية مثلاً لم يستطيعوا أن يتقبلوا مشاركتهم إياهم فتكبروا عليهم وازدروهم واعتبروهم درجةً ثانيةً, بل وأخطر من ذلك صاروا يتحكمون في مصير الأمة دون ملاحظتهم ويتأولون في أموالهم وحقوقهم, وعندي أمثلة يندى لها الجبين مما لا يقبله شرع ولا مروءة، وهم في ذلك درجات من حاصر للمفهوم على السلفية الجهادية كتيار, ومنهم من ضيقه أكثر إلى تنظيم من التنظيمات أو جماعة من الجماعات كل بحسب جهله وكبره.

ففي الشام مثلاً لم يكن الجهاديون وحدهم من بدأ الجهاد على الطاغية بل كانت ثورة شعبية منذ أن كانت سلمية إلى أن صارت مسلحة, ولم يدخل أكثر الجهاديين على الخط إلى بعد أن تحررت كثير من المناطق وشكلت كثير من الألوية وبعدها يأتي أمير إحدى الجماعات الجهادية ويدعو لبيعته كبرى الجماعات التي لا يتجاوز عدد تنظيمه ربع بعضها ولا إنجازاته ربع إنجازاتها, ولا بأس بأن يوشي دعوته تلك بالآيات والأحاديث الدالة على الجماعة ونبذ الفرقة "تحت رايته المباركة طبعاً".

أثرت هذه العقلية كثيراً في اندماج الجهاديين مع مكونات أي ثورة أو مجتمع ومنها الثورة الشامية بل وحتى طالبان التي يدعون زوراً بيعتهم لها مع أن بعض الساحات أبدت تجاوباً منقطع النظير في قبول المشروع الإسلامي بالضوابط التي وضعها الجهاديون له, وأعطتهم فرصة نادرة أن يندمجوا فيها وتكون درعاً لهم من المتربصين وأن يقودوها بفكرهم وكوادرهم إلا أن هذا الكبر والاستعلاء أفقدهم كثيراً من مصداقيتهم, وصارت الناس تنظر إليهم على أنهم نفعيون انتهازيون لا يهمهم إلا مصلحة جماعتهم وحزبهم. وأذكر أن أحد الإخوة القيادات ذكر لي مقتطفات من حوار جمعه مع بعض الجماعات التي عرضوا عليها الدخول معهم في كيان موسع فكان مما سألوهم إياه: هل تعدوننا درجة ثانية؟ هل ستستعملوننا ثم ترمون بنا؟ هل تنظرون إلينا على أننا شريك حقيقي؟!

وهذه مسألة خطيرة جداً لا بد لي من الوقوف عندها وإعطائها حقها من البحث وإن أدت بي إلى الاستطراد ألا وهي:

 ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تَفَرَّقوا﴾

أوامر الشريعة الإسلامية منها أوامر دائمة ومستمرة وعامة مذ أرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة لا تختص بوقت دون وقت ولا بمكان دون آخر كإقامة الصلاة والاعتصام بحبل الله تعالى والتوحد على طاعته، وهناك أوامرُ عارضة تختص بظروف معينة وأوقات معينة وليست سمةً عامة للشريعة كمقاطعة المبتدع والفاسق وهجرانه فلا ينبغي أن تقدم هذه وأمثالها على الأوامر العامة لتفويت ذلك للمصالح العظيمة الناتجة عنها.

فأمر عظيم من أوامر الشريعة وهو الاعتصام بحبل الله والتوحد في ظل ثوابت الإسلام لا ينبغي أن يعطل بسبب أن بعض من سنتوحد معهم على المنهج لديهم انحرافات سلوكية أو بدع عقدية ـ طالما أنها لا تُخرج من الإسلام ولا تتسبب بتعطيل المشروع, لأن معركتنا مع المشروع المضاد للمشروع الإسلامي هي معركة اصطفاف، اصطف فيها كل من ناهض المشروع الإسلامي من نصيرية ورافضة وإلحاديين؛ إنها معركة إسلام أو لا إسلام, فينبغي أن يصطف أصحاب المشروع الإسلامي صفاً واحداً وعليهم أن يتناسوا الخلافات بينهم طالما اتفقوا على أصل المشروع وهو إقامة دولة إسلامية وعدم تسليمها إلى أصحاب الهوى من أبناء المذاهب الفكرية المنحرفة التي تناقض أصل الإسلام كالديمقراطية والقومية والاشتراكية... 

فبعد الاتفاق على ذلك لا يضر كون من سنتوحد معهم لديهم بدع عقدية أو انحرافات سلوكية.

وهذا مذهب السلف رحمهم الله وما دل عليه فعلهم:

ـ فها هو إمام أهل السنة أحمد -رحمه الله- يفتي بالجهاد مع الخليفة المعتزلي المبتدع المعتصم بالله الذي قال بخلق القرآن وسجن علماء أهل السنة -ومنهم أحمد- وعذبهم على القول بذلك ويدعو له ولجنوده بالنصر ورد على من ترك الجهاد بحجة أن خلفاء بني العباس لديهم انحرافات وأنهم يستأثرون بالمغانم ولا يقسمونها وفق السنة فقال: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَسُئِلَ، عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ: أَنَا لَا أَغْزُو وَيَأْخُذُهُ وَلَدُ الْعَبَّاسِ، إنَّمَا يُوَفَّرُ الْفَيْءُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، هَؤُلَاءِ قَوْمُ سُوءٍ، هَؤُلَاءِ الْقَعَدَةُ، مُثَبِّطُونَ جُهَّالٌ، فَيُقَالُ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ قَعَدُوا كَمَا قَعَدْتُمْ، مَنْ كَانَ يَغْزُو؟ أَلَيْسَ كَانَ قَدْ ذَهَبَ الْإِسْلَامُ؟ مَا كَانَتْ تَصْنَعُ الرُّومُ؟ مع أن أحمد رحمه الله كان يرى بعض مقالات المعتزلة كفراً والعياذ بالله, ولكنه لا يكفر من كان متأولا منهم.  

ـ  وها هم علماء الإسلام الحنابلة الذين هم من أشد الناس على الأشاعرة والصوفية يصطفون خلف صلاح الدين الأيوبي الأشعري في حرب الصليبين, وما هذ إلا من الفقه في الدين ومعرفة معركة المصحف في ذلك الزمن، مع أن محدثيهم كانوا من أشد الناس على الأشاعرة وهذا الحافظ عبد الغني المقدسي سئل لماذا لم يحدث عن ابن عساكر حافظ الشام فقال خشيت السبعة؟! وكانت الحنابلة تهجر من سلم على أشعري ثلاثة أيام فإذا جالسه هجروه سبعة أيام!!

أما اليوم فقد حدثني أحد الإخوة المهاجرين أنه لما استدل بمسألة صلاح الدين على أحد الإخوة وسأله لو بعث صلاح الدين اليوم أكنت تجاهد معه؟!! فقال: لا لأن منهجه منحرف!!!

فالكبر عند أبناء هذا التيار إضافة إلى عوامل أخرى كان سبباً رئيسياً في تضييع هذه الفريضة العظيمة، فاتهم أن المشروع الإسلامي ليس مشروع تنظيم أو جماعة أو نخبة بل هو مشروع الأمة كلها لا يتحقق إلا بها برها وفاجرها! نعم وفاجرها! (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) ومن الفوائد في هذا الباب أنه في غزوة الخندق التي نحن أشبه ما نكون بها واقعاً, كل الناس شارك في حفر الخندق المهاجرون والأنصار وحتى المنافقون (يقولون إن بيوتنا عورة...) (إن محمدا يعدنا كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب للغائط) قالوا ذلك أثناء حفرهم للخندق، ثم تعال معي إلى تاريخ دولتنا وخلافتنا التي نعتز بها لترى أنها لم تكن على منهاج النبوة إلى ثلاثين سنة تخللها ما تخللها من سفك للدماء وقتل لخيرة الصحابة والخلفاء واقتتال بين الصحابة. بل وعلى مستوى الاعتقاد والمنهج أيضاً لترى أن أهل السنة والمنهج تنحوا عن قيادة الأمة منذ خلافة الأمين وقادها المعتزلة والصوفية والأشاعرة وووووو إلى يومنا هذا. كل هذا يدلك ألا تحتكر الحق في جماعتك أو تنظيمك أو منهجك الفكري.

أي ناظرٍ إلى حال الخلافتين الأموية والعباسية اللتين نتغنَّى بهما ونتمنى لو عدنا إلى زمنهما سيرى كيف أن الأمة حوت البر والفاجر داخل بنيان دولة الخلافة، وكان كثير من رؤوس الدولة في ذلك الزمان لو رأيناهم لعددناهم فجاراً منحرفين. هذا ابن قدامة المقدسي وهو يتكلم عن أمثلة لعلامات المجروحين في عدالتهم في زمنه فيذكر أن من أمثلة مظاهر الجرح أن يكون الرجل لابساً زي الجند أو الشرطة يعتبر ذلك علامة على جرحه فلا يقبل شهادته؟! فتصور حال الجيش والشرطة في زمانهم، من الفساد والرشا وظلم الناس.

الكبر دفع كثيرين إلى أن تكون مجالسهم افتتاحها بذكر فضائلهم واختتامها بانتقاص غيرهم من الجماعات والتنظيمات والكلام على عيوبهم ومثالبهم وكيف فرُّوا من الغزوة الفلانية وغَلُّوا من أخرى.

أي شيء غير الكبر يدفع فصيلاً جهادياً ادعى أنه خارج لتحكيم الشريعة إلى أن يرفض النزول على حكم الشرع والجلوس لمحكمة شرعية مستقلة بحجة أن خصمه مرتد أو عميل أو أن الحَكَم ليس من "أهل المنهج" قصده طبعاً بأهل المنهج: ((من لم يبايع إمامه المزعوم)), مع أن علياً تقاضى مع يهودي إلى قاضي المسلمين وبعض العلماء ذكر الاتفاق على أنه إذا تحاكم كفار لنا وطلبوا أن نحكم فيهم شرع الله أنه يجب علينا أن نحكم بحكم الله فيهم.

ناهيك عمن اجتمع مع تنظيمه وأعلن دولة الإسلام دون مشاورة غيره وصار يرى نفسه السلطة الشرعية فصار يضرب هذا, ويظلم هذا, ويستولي على مقرات وسلاح هذا, ويفرض المكوس على المصانع وأهل التجارات حتى ثارت عليه -بعد أشهر من إعلان دولته المزعومة- جميع فصائل الشام برها وفاجرها في اتفاق لم ير مثيله في الساحة، واجتماعهم وحده في مواجهته كان  كافياً لجعله يراجع حساباته فما كان منه إلا أن ترك جهاد النصيرية ومضى قدما في قتالهم وضربهم بالمفخخات بعد أن كفَّرهم واتهمهم بالعمالة والردة, وسمعناهم ينادونهم على اللاسلكي "سوف نسبي نساءكم يا صحوات" مما زاد الناس فيه يقيناً وأقنع المتردد منهم بمقاتلته.

أدى الكبر عن أبناء السلفية الجهادية إلى وأد أي محاولة إصلاحية داخل التيار فتحولت إلى صرخة في واد أو نفخة في رماد, بل أدى إلى برمجة التيار بشكل يفتقر افتقاراً كاملاً إلى أي مقوم من مقومات الإصلاح الذاتي ساعد في ذلك العقلية السلفية الحادثة التي سنتكلم عنها إن شاء الله فبدلاً من النظر إلى أخطائنا ومحاولة إصلاحها صار البديل جاهزاً لتبرير أي فشل وعدم التوفيق تماشياً مع السنن الربانية, فالسبب هم الصحوات والمرتدون أو العملاء والمنافقون أو أن هذه هي الحال الطبيعية في هذا الزمان لنا من منطلق (وسيعود غريباً، تكالب الأمم، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم...) ولن يحلها إلا ظهور المهدي؟!!

الكلام عن الكبر كخلق من أخلاق السلفية الجهادية وتأثيراته على الساحات يطول وأرجو أن يكون فيما أسلفته ما يكفي للاعتبار, ومن عايش الساحة سيخرج بأمثلة كثيرة فما ذكرته للتمثيل لا الحصر.

ثانياً: السلفية كمنهج علمي في تلقي الأحكام

لا بد في كلامنا عن انحرافات الجماعات الجهادية أن نُعرِّج إلى دور السلفية كمنهج علمي في تلقي الأحكام فيها، وبصراحة أعرف أن الموضوع معقد وسيؤدي إلى كثير من اللغط والاستياء الذي أخشى أن يذهب بأصل الموضوع, وسبب ذلك أن المقتنع بما يسمى المنهج السلفي شريحة واسعة جداً من حملة المشروع الإسلامي, إلا أنني مضطرٌ لذلك لأن أي تحليل لتلك الانحرافات دون تناول هذا الموضوع سيكون قاصراً يهتم بالأعراض دون المسببات ولن يفلح في الوصول إلى المقصود إذ أنه يترك مكمن المرض ويعالج الظواهر والأعراض.

وأكرر هنا أنني لست أعني بالسلفية هنا تلك التي دعا إليها ابن تيمية وابن القيم وأمثالهما من كبار علماء الأمة الذين يعرفون لأئمتها حقهم وللعلم والعلماء قدرهم. بل أتكلم عن أولئك الجهلة الذين ظنوا كلام أولئك الأئمة موجهاً إليهم فأقاموا أنفسهم مقام العلماء وعاثوا فساداً في قضايا الدين وضلوا وأضلوا, وأعني بهم على وجه التحديد رموز السلفية العلمية والجهادية على حد سواء ولا أستثني منهم أحداً إلا من رحم ربي وقليل ما هم.

وقبل الدخول في صلب الموضوع لا بأس أن أذكر هذه القصة التي وقعت لأحد إخواننا ممن يحمل عقيدة السلف الصالح, وهو من المؤصلين في طلب العلم مع أحد رموز التيار حيث تكلم صاحبنا عن أهمية دراسة فقه المذاهب والتمسك به فأجابه مستغربا -كونه سلفياً- ألم تقرأ كلام ابن القيم عن التقليد في كتابه إعلام الموقعين فأجابه صاحبي وما تتمة اسم الكتاب إنها "إعلام الموقعين عن رب العالمين" فالرجل كتب كتابه للموقعين عن رب العالمين وهم المفتون أصحاب العلم والاجتهاد، فشو دخلنا أنا وأنت؟!!!

فهم سلفية العصر من كلام ابن تيمية وابن القيم أن عليهم نبذ فقه المذاهب المتبوعة واستنباط جميع الأحكام من مصادرها الشرعية وأدلتها مباشرةً, طبعاً هم لم يلزموا أنفسهم بتعلم أصول الاستدلال والاستنباط أو علوم الآلة كأصول الفقه واللغة العربية والتفسير والقراءات ووو بل اكتفوا بالنظر إلى أدلة المسألة الشائعة مع ظاهرية شديدة وحصر الدليل بالأحاديث والآيات فقط مع دعاوى عريضة هم أبعد الناس عن حقيقتها وترى أصغرهم الذي ترك حياة الجاهلية والتزم قبل أسابيع فقط يقول لك "نحن أمة الدليل" "أنا أتبع الراجح" ويطلب منك الدليل التفصيلي لكل مسألة.

والقول باتباع الدليل دون أرضية وتأصيل فيه من الخطورة ما فيه فلا يعدم أهل البدع دليلاً يستدلون به على بدعتهم فالخوارج يستدلون بأدلة الوعيد وهي كثيرة والشيعة يستدلون بحديث (كتاب الله وأهل بيتي) فإذا اتبع الإنسان كل حامل دليل فقد جعل دينه عرضة للخصومات ولم يأمن من الزلل. فكان حالهم كما قال الله عز وجل ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ... فما رعوها حق رعايتها﴾. فإن حقيقة دعواهم هي الاجتهاد المطلق في مسائل الدين وهم ليسوا أهلاً له, فإن له شروطاً ذكرها العلماء أصحاب الاختصاص كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلاً عارفاً بناسخ القرآن ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، بصيراً بحديث نبي الله صلى الله عليه وسلم، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، بصيراً باللغة، بصيراً بالشعر وما يحتاج إليه للسنة والقرآن، ويستعمل هذا مع الإنصاف، ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإن كان هكذا، فله أن يفتي في الحلال والحرام، وإلا فلا.

وقال الإمام أحمد: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالماً بوجوه القرآن، عالماً بالأسانيد الصحيحة، عالماً بالسنن، وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها، وقال في رواية حنبل: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالماً بقول من تقدم، وإلا فلا يفتي، وسئل: إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيها؟ قال: لا، قال: فمائتي ألف؟ قال: لا، قال: فثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قال: فأربعمائة ألف؟ قال بيده هكذا.

إذا علمت هذا فإني قد رأيت بأم عيني أحد رؤوس هؤلاء وهو يُعَلِّم أحد من اهتدى حديثا وترك الجاهلية كيفية الصلاة والشاب يسأله: سمعت أن هناك حنفية وشافعية فكيف يصلي؟, فأجابه: لا هذا ولا ذاك, بل عليك باتباع الدليل تنظر إلى صحيح البخاري كيف صلى النبي صلى الله عليه وسلم فتصلي مثله. طبعاً أصحاب هذه الدعوى لم يلتزموا بمضمونها فتراهم لا يعرفون حتى الدليل الإجمالي لما يفعلونه من العبادات والمعاملات لأن القضية طالت والمسائل متشعبة وأهل الخبرة يعلمون أن معظم الفروع لا دليل -بالمقياس الظاهري عند هؤلاء- عليها، وإنما القضية أن السلفية صارت مذهباً خامساً متبوعاً ولكنه مليء بالشذوذات الفقهية والجهالات الواضحة فترى أكثرهم يرفع يده في الصلاة لأن السلفية يرفعون ويحرك أصبعه في التشهد لأنهم يحركون وهكذا.

وفي الحقيقة فإني تأملت كل علماء الأمة المتبوعين بعد عصر المذاهب فوجدتهم كلهم إلا الشوكاني ينسبون أنفسهم لمذهب من المذاهب المتبوعة حتى دعاة "السلفية" منهم فابن تيمية حنبلي والطحاوي حنفي والنووي شافعي والقاضي عياض مالكي, ولا يأنف أحد منهم أن ينتسب للمذهب ولو كان ككثير من هؤلاء الأعلام يخالف في اختياراته معتمد المذهب الذي ينتسب إليه أحياناً أما ربعنا فيرى عاراً وبدعةً أن تنسب نفسك ولو مجرد نسبة لمذهب, ويراها منقصةً ومسبةً وانحرافاً, ودليل ذلك أنك لا ترى أحدا من رموزهم منتسبا لمذهب بل "السلفي الأثري".

هذا أول الانحراف ثم إعراض كامل عن تعلم أصول الفقه واللغة العربية وعلوم الآلة التي لا يصح النظر والاستدلال إلا بها, وجميع رموز هذا التيار هي أمية في هذه العلوم إلا قليلاً، فإن كان أحدهم وهو يعد شروط الاجتهاد ذكر أنه يكفي لتعلم أصول الفقه قراءة كتاب علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف وللنحو الشذور فلك أن تتصور مدى الجهل والسطحية عند القوم.

وليس كلامي هذا دعوة للإعراض عن فقه الدليل والتمسك بالتقليد الأعمى المذموم, بل أقول أن الواجب سؤال أهل الذكر فمن تعلَّم العلوم التي تؤهله للنظر والاستدلال فلا حرج عليه, وقليلٌ ما هم, أما أن تؤخذ مسائل الدين هزواً بهذه السطحية والبساطة, ويؤخذ الدين من كتب الشذوذ ويدعى أن هذا هو فقه الدليل والراجح, فلا.

أذكر مرة أنني كنت أقرأ مقالة لأحد أهم منظري التيار وأعتذر عن ذكر اسمه يذكر أنه ذكر لشيخه وأقره -وشيخه أهم منه عند القوم- أنه لا يجوز إطلاق لفظ الزبانية على أعوان الطواغيت لأنه اسم لملائكة كرام, مع أن أدنى عارف باللغة إذا رجع لأدنى معجم سيرى أن لفظ الزبانية ليس اسم علم كجبريل مثلاً بل مأخوذ من الزبن وهو الدفع وإطلاقه على الشُّرَط والذين يدفعون الناس معروف مشتهر وذكره حسان بن ثابت في شعره؟؟؟؟!!! وهذا مثالٌ بسيطٌ جداً, ولو ذهبت أتتبع شذوذات القوم وجهالاتهم لجمعت من ذلك مجلدات ومجلدات, ويكفيك مطالعة أمهات كتبهم كالجامع لعبد القادر بن عبد العزيز لترى ما فيه من الطوام والغلو الذي رآه قوم من علمائهم فطفقوا يردون عليه ويصوبون له.

وهذا الشذوذ تراه أيضاً على الصعيد السلوكي ومن أبسط العبادات إلى الأمور الفكرية, فمثلاً الجماعة دوماً مسافرون يقصرون ويجمعون الصلوات ولا يصلون جمعةً ولا جماعةً ولا نافلةً ولا راتبةً, وقد يبقى أحدهم في المكان نفسه شهوراً وسنين, يستوطن ويتزوج ويؤمه الناس من أقاصي الأرض وهو عند نفسه مسافر لأنه بعيد عن قريته التي خرج منها منذ عشرات السنين, وكنا في السجن نرى بعض من حكموا بالسجن المؤبد وهو يقصر ويجمع؟ وتتراكم الجهالات حتى إن عدداً لا بأس به من أتباع التنظيمات الآن عنده القصر والجمع مرتبط بالجهاد كعلة مستقلة كالسفر فتراه يقصر ويجمع وهو في قريته وبيته لأنه مجاهد فتأمل!

وأنا أعلم أن مسألة التمذهب واتباع الدليل مسألة كتب فيها كثير من الكتب والرسائل, وانقسم الناس فرق ومذاهب, ولن أستطيع استيعاب المسالة بالنقاش في هذه العجالة وليس هنا مكانها لكنني أرى التنبيه ضرورياً إلى أن العلماء الذي ذموا التقليد ورفعوا راية اتباع الدليل -أعني المؤصلين منهم- لم يكونوا يقصدون أخذ مسائل الدين بهذه البساطة وفسح المجال أمام الجهلة والسذج حتى يفسدوا في مسائل الفتيا إفساداً يعادل العبث بآيات الله واتخاذها هزواً كله تحت اسم السلفية والتمسك بالدليل.

هذا الشذوذ في التعامل مع الدين أدى إلى ظواهر خطيرة جداً كانت سببا في الانحراف منها:

ـ غياب المرجعيات التي يرجع إليها للاستفتاء فصحابة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ألوفاً مؤلفةً ومع ذلك لم يكن يفتي منهم إلا عدد قليل جداً, يدل هذا على أنَّ الفقه واستنباط الأحكام من النصوص ليس شيئاً يحسنه كل أحد, هؤلاء لا يعتبرون بقول إلا ما يظنونه "دليلاً" والمرجعيات التي نصبوها زوراً وبهتاناً للإفتاء هم جهلة عوام بكل ما تعنيه الكلمة من معنى فكانوا مصداقاً لحديث النبي (اتخذ الناس رؤوسا جهالاً, فسئلوا فأفتوا بغير علم, فضلوا وأضلوا).

ـ دعوى أن هذا الرأي هو الراجح، أو فقه الدليل، أو فقه السنة، أو صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كأنك تراها، هي دعوى عريضة ألغت فقه الخلاف تماماً, وصار صاحبها يدعي أن هذا هو دين الله عز وجل, وهذا ليس بصحيح. طبعاً ينبغي علينا أن نفرق بين مسألة كون الحق واحداً لا يتعدد وبين ادعاء إدراكه بعينه في المسائل الخلافية، ومن هذ القبيل قول بعضهم: نحن لا نكفر إلا من كفره الله ورسوله ـ ينفي عن نفسه الغلو والتكفير بالعموم ـ وما أدراك أن الله ورسوله كفر فلاناً مع ملاحظة أن حكم تكفير المعين حكم اجتهادي قد يخطئ صاحبه ويصيب وهناك من المكفرات ما اختُلِفَ في كونه مكفراً كترك الصلاة مثلاً, فكيف لك أن تدعي أن فلاناً من الناس الذي كفرته كفره الله ورسوله! هذا من التألي على الدين فإنه ينبغي للإنسان أن يقول هذا فهمي للدليل, ويذكرنا بهذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادوك أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلُوهُمْ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لا.

ـ عدم إدراك وضع المسألة ومدى الخلاف فيها وحكم المخالف مما أفسح للهوى والمؤثرات الجانبية أن يكون لها تأثير في الحكم الشرعي فترى كثيراً من الأبحاث تنطبق من مبدأ اعتقد فبحث! لو اطلعت مثلاً على رسالة حكم الجاسوس لأبي بصير دون أن يكون لديك خلفية سابقة عن الموضوع لظننت أن تكفير الجاسوس هو قول جمهور الفقهاء وأن الخلاف فيه ضعيف والقضية محسومة, بينما في الحقيقة أن جمهور الفقهاء ومنهم الأربعة وغيرهم متفقون على عدم تكفير الجاسوس المسلم وأن المكفرين هم بعض علماء المالكية، وأنا لا أعترض هنا على الاختيار الفقهي للشيخ, وقد يكون له ما يبرره خصوصاً في هذا الزمان حيث عظم ضرر الجاسوس وازداد شره وتمايزت الصفوف في كثير من الساحات، لكني أعترض على طريقة تصويره للموضوع وعدم عرض المسألة واختلاف العلماء فيها بشكل صحيح.

ـ الظاهرية الشديدة في التعامل مع مسائل الدين وحصر مفهوم الدليل في الحديث فقط, وأذكر مرة أنني كنت أصلي بشباب فقنتُّ في الصلاة ودعوت على الظالمين أن يرينا الله بهم سيف انتقامه فقال لي أحدهم بعد الصلاة أنك أثبتت لله عز وجل صفة السيف وهذه لم ترد في الكتاب والسنة أي أنها بدعة!!!!!.

ـ الغلو في التعامل مع مسائل الدين السلوكية والفكرية منها بتضخيم الصغير وتصغير الكبير, فتراه قد يترك القتال من مجموعة فيها مدخنون لأن التدخين حرام وكأنه من الكبائر، وإذا اجتمع إلى هذا الغلوِّ الجهلُ المؤصَّلُ مع اتباع الهوى وضعف التربية الربانية الذي سنتكلم عنه, فانتظر الطوام من الغلو في مسائل الدماء والأعراض.

ـ التعامل بشكل منحرف أدى لمصائب وكوارث في مسائل الكفر والإيمان والتكفير وغيرها مما فرخ لدينا أصنافا من الخوارج الحقيقيين الذي حدثنا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يكفرون جماهير المسلمين ويستبيحون الحرمات والله المستعان، ومشكلة منظري التيار ومن تصدى للإصلاح منهم أنهم ولانطلاقهم من نفس الأرضية الفكرية لا يزيدون النار إلا اشتعالاً، بل ويؤصلون ويؤطرون لها, فمثلاً تراهم يعالجون قضية الغلو في التكفير بتأليف الكتب والمصنفات التي تتحدث عن موانع التكفير وضوابطها وشروطها وأخطاء التكفير، يرمي أحدهم القالة التي يكون نتيجة ظاهرها تكفير عموم المسلمين كقولهم (من لم يكفر الكافر أو شك في كفره فهو كافر، لا عذر بالجهل في مسائل التوحيد وأصول الدين) وتسير بها الركبان ويتناولها الجهلة مرضى النفوس ممن حقد على مجتمعه وغيره ويصدرون الأحكام الجاهزة ويلغون في دماء المسلمين المعصومين ثم تبدأ من المنظرين حملة التأصيلات والتقعيدات وقص الأطراف والتشذيب (فهذا يفرق بين المرشح والمنتخِب، وبين أهل القرى وأهل المدن، جهل في جهل) بدل أن يحذروا أولئك الجهلة من الدخول في تكفير المعين أصلاً لأن هذا عمل أهل العلم وأغلب القوم عوام لا يحسنون قراءة الفاتحة كما أنزلت على محمد بن عبد الله، فتراهم يسكتون في مسائل المواريث والعقود ويتكلمون في تكفير المعين وشروطه وموانعه مع أنه أخطر, وما ذلك إلا لأنهم يرونه من العقيدة التي لا يصح إيمان المرء إلا بها فيرون أن التكفير أحد أقسام التوحيد التي لا يصح إلا بها ويعتبرونه من الكفر بالطاغوت الذي لا يصح الإيمان إلا به، كما قال أحد "شرعييهم" على المنبر أن الدين ولاء وبراء و"تكفير".

فمثلاً ما يذكرونه في قواعد التكفير (من لم يكفر الكافر أو شك في كفره فقد كفر)[1] هو مثال للتخبط والجهل في هذا الباب فظاهر القاعدة تكفير من لم يكفر الكافر مع أن بعض المكفرات تنازع العلماء في كونها مكفرة كترك الصلاة مثلاً فهل يلزم تكفير من لم يكفر تارك الصلاة وهم جمهور العلماء!!؟ جاء المرقعون أصحاب التأصيل ليحلوا المشكلة وضعوا قيد الكفر المجمع عليه أو الكفر القطعي! وهذا الكلام يجعل من القاعدة بأقل تقدير لغواً لأن إنكار أي شيء من قطعيات الدين كفر مهما كان هذا القطعي سواء كان حرفا من حروف القرآن أو تكفيرا لكافر مما يجعل عدم تكفير الكافر وصفاً غير مؤثر في المسألة ووضع الوصف غير المؤثر في الضابط لغو عند أهل الأصول وأيضا يغني عنه قاعدة من أنكر قطعيا من الدين فقد كفر فبينها وبين تلك القاعدة بالضابط الذي ذكروا عموم وخصوص وجهي, فصار أصل القاعدة لغواً والقيد هو الأصل ويغني عنه قاعدة أخرى!!

ـ وصول عدد من الأشخاص الذين يعدون أمِّيِّين وعوام, وإن شئت فقل جهلة في علوم أصول الدين إلى منبر التنظير والتحدث باسم التيار, وصاروا هم المرجعية عند الشباب, وسرُّ ذلك أن معظم المؤصلين في علوم الآلة وللأسف كان من الساكتين أو قل المداهنين للطواغيت في مسائل الحاكمية وحكم المبدل للشريعة ومن تولى أعداء الله من الطواغيت العرب وكذلك حكم الجهاد, وإن شئت فقل عموماً مسائل ما يسمى بـ"الإسلام السياسي" فلما سكت هؤلاء وصدع أولئك بالحق في تلكم المسائل وتحملوا –مأجورين- الأذى والسجن وظلم الطواغيت إياهم, صاروا مرجعيات ا