رفع الإشكال في كلمة الشيخ الظواهري بوقف القتال
http://cdn.top4top.net/d_d930d133ac1.mp3
النص المكتوب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد
توجه إلي بعض الإخوة الكرام بطلب الحديث عما جاء في كلمة الشيخ الجليل د أيمن الظواهريّ، من أمر لجبهة النصرة بوقف القتال، مما أدى إلى بلبلة كبيرة بين صفوف المجاهدين خاصة في المنطقة الشرقية التي تواجه هجوما من الحرورية من عدة جهات. وقد أدى هذا الأمر، إلى تردد وتلجلج في صفوف الجبهة، مما لا يحمد عقباه، لذلك وجب أن نبين كيفية النظر في هذا الأمر، وما عليه الحق فيه[1].
وأبادر بذكر أمرين، أولهما أنه يجب طاعة الأمير فيما يأمر به، ففي غير ذلك خلل واسقاط لمعنى اإمارة بالكلية، وهو ما فعله أمير الخوارج البغدادي، حين خرج عن أمر أمرائه بهوى ودعاوى أدت إلى هذا الوضع المؤسف في الساحة الشامية والعراقية على السواء.
الأمر الآخر، هو فيما يتعلق بفهم كلام القادة، أو العلماء أو الأمراء عامة، خاصة من ليس متاحاً الحديث معه مباشرة. وفي هذا الأمر كتبت كلمات في كتابنا "الجواب المفيد" منذ حوالي أربعين عاما، قلنا "وهذا من قبيل ما ذكرنا سابقًا وكثيرًا، من أنه يجب أن تحمل أقوال العلماء والأئمة من السلف والخلف ، كل قول على مناطه الحقيقي المقصود ، حتى لا تضيع الحقائق ، فنطبق أحكامًا على من ليس مكلفًا بها أصلاً ، ونخرج من مقتضاها من هو مكلف بها في حقيقة أمره ". كما قلت " فنقول : إن الاستدلال بقول فقيه أو إمام من بعض كتبه ، بينما نصوص أخرى لنفس الفقيه أو الإمام يفهم منها عكس المفهوم الأول لنفس أقواله في مواضع أخرى ، لهو افتئات على الإمام أو الفقيه نفسه .
فالفقيه حين يتكلم في موضوع ما ، ثم يعرض ـ بطريق العرض وليس بالقصد الأول ـ لقضية أخرى في معرض كلامه ، لا يصح أن يستشهد بقوله في موضع آخر ـ الذي تحدث فيه بطريق العرض ـ لنقض كلام نفس الفقيه في موضع آخر ، ناقش فيه هذه القضية بصورة أساسية ابتداءً . هذه واحدة .
والأخرى .. أنه إذا جاءت نصوص للفقيه أو الإمام توافق أصلا ً مقررًا ، ثم جاءت لنفس الفقيه أو الإمام في مواضع أخرى نصوص تشتبه علينا ، أو تبدو بظاهرها مخالفة لنفس الأصل ، لوجب علينا حمل المتشابه من هذه الأقوال على الوجه الذي يوائم الأصل ، والذي شهدت له أقوال الإمام نفسه في مواضع أخرى ؛ وإلا كان ذلك اتهامًا منا لهذا الإمام بالتناقض والتضارب في أقواله. وليس ثمة ما يدعو إلى ذلك طالما اتسق المنهج ، واستقام للنظر."[2]
وهذه قواعد عامة في النظر إلى أقوال الفقيه أو الإمام، أو القائد، أو كلام أي بشر كان. بل هو الطريق الذي يتبعه الفقهاء في تنزيل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شبهة التعارض، ودونك كتاب مختلف الحديث لابن قتيبة.
ثم نعود إلى حديثنا عن أمر الشيخ الجليل الظواهري لجبهة النصرة، بوقف القتال.
فإنه من المعلوم، لدى العالم والجاهل، والكبير والصغير، أنّ حفظ النفس ضروري من ضروريات الشريعة ومن أكبر مقاصدها، لا يأتي قبله إلا حفظ الدين. وحفظ النفس يكون إيجاباً وسلباً. فأما الإيجاب فبدفع الصائل المعتدى ومحاربته وصد العدوان، وأما بالسلب، فبالبعد عن مواطن القتل وتحريم ازهاق الأرواح وبأحكام القصاص وغير ذلك. بل إن من علماء الأصول من قدّم حفظ النفس على حفظ الدين، من جهة أنه إن انعدمت النفس انعدم الدين، ودليله أن الله سبحانه قد أباح النطق بكلمة الكفر حين خشية القتل، وإن كنا لا نأخذ بهذا الترتيب على كل حال.
فحين نسمع الشيخ الظواهري، يأمر بوقف قتال، فجب أن يُحمل كلامه على الاعتداء وبدأ القتال بلا بد. لا أن يُحمل على الوقوف بصدر عار وترك النفس والأهل للقتل من الصائل الباغي، ويكون من أنصار "سلمية سلمية"!! هذا لا يعقله عاقل، ولا يقوله به واع، فما بالك بالشيخ الجليل حفظه الله؟
هذا أمر، والآخر، أنّ الأخبار تصل إلى الشيخ الظواهري بعد أسابيع عديدة، والثابت أن هذا التسجيل قد صدر بعد أربعين يوماً من سؤال الشيخ الفاضل هاني السباعي له. مما يؤكد على أنه قاله قبل أن يصله خطاب العدناني، مجهول الاسم والرسم، بتاريخ 21 أبريل 2014، الذي كفر فيه قادة القاعدة، برميهم بكل صفة يكفر فاعلها! رغم كذبه وبهتانه فيه، كما بيّنا[3]. من ثم، فإنه يمكن أن يقال بصدرٍ رحبٍ أنّ هذا التسجيل يأتي بحديث على أخبار قديمة، فيما يخص أمر وقف القتال، لا على ما جدّ في الساحة بعدها. كما أننا لا نعلم الفترة بين تسجيله وإصداره، وما نعلم أنّ سؤال الشيخ السباعي كان 25 مارس 2014، كما أنّ الشيخ الظواهري رثى أبا خالد السوري يوم 4 أبريل 2014، رغم أنهه قتل في 2 مارس 2014، أي بعد أكثر من شهر. فالأولى أن يكون التسجيل قد تمّ بين 25 مارس و4 ابريل، حين تهيأ له إصدار الرثاء.
وعلى كل حال، فنحن نقول لجبهات القتال التي تهاجمها الحرورية، أن يصمدوا وأن يستمروا في قتالهم، دون تهاون، وأنه إن استلزم الدفاع هجوما فليفعلوا، وألا يتوسعوا في هذا، ليكون بهم قوة لقتال النصيرية والنظام.
والله المستعان
د طارق عبد الحليم
4 رجب 1435 – 4 مايو 2014
[1] الكلمة مسجلة صوتيا http://www.tariqabdelhaleem.net/new/Artical-72603
[2] http://www.tariqabdelhaleem.net/new/Artical-17
[3] http://www.tariqabdelhaleem.net/new/Artical-72587 تحت عنوان "هؤلاء رؤوسكم فاقطعوها"