إزالة الصورة من الطباعة

شبابنا .. بين طلب العلم والإنتماء الجماعيّ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

لا شك أنّ الوضع الذي ورثته الأجيال الثلاثة الحاضرة، منذ الأربعينيات، فريد في هيكله وتحدياته، ومن ثم في متطلبات مواجهته وتخطى عقباته.

والأجيال الثلاثة التي ذكرنا، جيل الذين طعنوا في عقدهم السابع على العموم، ثم أولئك الذين هم في أواسط العمر في عقدهم الخامس أو السادس، ثم الشباب من الذين في عقدهم الثالث والرابع. هذه الأجيال المتعاقبة، والتي يفصل أيّها عقدين من الزمن، قد عاشت في نتائج سقوط الخلافة، ونهاية الإستعمار العسكريّ الخارجيّ، وبداية الإستعمار الداخليّ، بيد خونة البلاد من حكامها وملوكها وأمرائهان ثم الهزائم المتلاحقة للأمة، والتدهور والانحطاط والعبودية لكل أفاكٍ رجيم، عُتُلٍ زَنيم، تمكن من امساك دفة الحكم في بلد من بلادنا.

ثم باتت هذه الأجيال الثلاثة، بما مرّت فيه، حقل تجارب لتلك المحاولات التي قام بها بعض المخلصين من أبناء الإسلام، في مواجهة هذا الوضع الكارثيّ. فنشأت جمعيات "إسلامية"، تحول بعضها إلى "جماعات إسلامية"، كانت كلها تستهدف، في بداية نشأتها، الخروج من المحنة، وتخطى الأزمة، من خلال رؤى متعددة فيها بعض الحق وكثير من الخلط. لكنْ، ولأسباب عديدة تناولنا بعضها في بعض ما كتبنا، لم يُكتب لها النجاح في هذا الأمر. فظلّ العدو، ممن هم من جلدتنا ويتحدثون بألسنتنا، يسيطرون على مقدرات الأمة، بالتعاون مع العدو الصهيو-صيليبيّ المتربص بالخارج.

والمشكلة هي أنّ هذه الجمعيات، والجماعات، قد أدّت إلى نتائج عكسية، في كثيرٍ من الأمور، نتعرض لها بالتفصيل في موضع آخر إن شاء الله. لكن من أهمها ذلك الخلط بين الإنتماء الجماعيّ وطلب العلم. ونزيد الأمر وضوحاً فنقول، متحدثين شباب هذه الأمة اليوم:

إن الإنتماء إلى جماعة، أو جمعية، هدفة الأساسيّ حركيّ، يقصد إلى التعاون على أداء واجبات شرعية، منها اجتماعية كالإصلاح بين الناس أو تقديم الخدمات أو مساعدة الفقراء، وما إلى ذلك، أو تشكيل كتلة ضغطٍ سياسيّ، إن كانت الجماعة تهدف لذلك في ميثاقها. لكنّ هذه الأغراض لا تجعل المنتسب طالباً للعلم، أو نصيفه.

المنتسب لجماعة، عادة، ملتزم بالخطوط العامة واللوائح الخاصة التي تنظم هذا التجمع، وغير مسموح له بتخطيها أو معارضتها، وإلا فإن قواعد الإنتساب تنهدم أصلاً. فالمنتسب لابد له من أن يكون على طريق هذه الجماعة، ولا يصلح أن يعارضه إلا "ديمقراطياً"، أي إن رأي الحق في غيره، فليس له إلا أن يعرض الحق، فإن قبلوه، وإلا بقي معهم على الباطل. هذه هي قواعد الديموقراطية، كما تمارسها الإخوان على سبيل المثال، مع منتسبيها. فالمنتسبون للجماعات عوامٌ في غالب أمرهم، لا يعرفون الدليل الشرعيّ، بل الدليل الشرعي بالنسبة اليهم هو اجتهاد الجماعة.

لكنّ طلب العلم، ليس حركياً بالأساس، بل هو جهدٌ ذاتيّ يستلزم التحرر، فكرياً، من دائرة التجمعات ابتداءً، حتى يتحرر العقل من آثار من خطّ طريقاً محددا شمولياً، ثم دعا الناس إلى تبنيه، بينما طالب العلم يدور مع الحق، قبولاً ورفضاً، أينما كان. وهذا بلا شك، يحتاج إلى عقلٍ أرجح وفكرٍ أعمق وإرادة أقوى وتحصيلٍ أشمل من مجرد الإنتساب إلى جماعة، إذ في الجماعة، يريح المنتسب نفسه من عناء التعلم، فقد تَعلّم له غيره، ودلّوه على ما يجب أن يعتقد وأن يفعل.

فطالب العلم حرّ الفكر، فهو حرّ الإرادة، يتبع من اللماء من دلّه الدليل على صحة نهجهم، لا من سبق هواه إلى محبة ما هم عليه فاتبعهم.

لا يجب إذن، على شبابنا أن يخلط طلب العلم بالإنتساب إلى جماعة، فهما أمران جدّ متغايران، شكلاً وموضوعاً.

ونحن هنا لا نقلل من أهمية الإنضمام إلى جماعة تأمر بمعروفٍ أو تنهى عن منكرٍ، أو تسعى لحراك سياسيّ أو غير ذلك من المطالب الشرعية. بل نحن هنا نحذّر من التأثير النفسيّ لذلك العمل الحركيّ الذي يختلط في ذهن المنتسب بطلب العلم، فيتوهم أنه قد أدى ما عليه، وهو لا يعرف وراء ذاك الإنتساب من مطمحٍ. فإن وراء ذلك كلّ مطمح لمن علت همته ونُوّرت بصيرته وتوقد عقله فطلب العلم، بدرجة من درجاته، الأولية العامة، والمتوسطة المقتصدة، والعليا التخصصية، وكلّ إمرئ مهيأ لما خُلق له.

وقد رأينا مغبة الإنخراط في جماعات منظمة دون حيازة أي درجة من درجات العلم الشرعيّ، فيما رأينا من تصرفات غالب منتسبي الإخوان، وكافة منتسبى السلفية الأمنية. فكلا الكتلتين من الشباب، على محادة بعضهم لبعضٍ، على نفس الطريق الخاطئ الذي رسمنا. تقليدٌ بلا علم، وطاعة بلا عقل، وكلاهما ساقطٌ في طلب العلم. الإخوان لا يدعونه أصلاً، بل ولا يسعون له، فهم مطمئنون لما وجدوا عليه آباءهم الأولين. والسلفيون الأمنيون يحسبونه حفظ سندٍ، أو لباس جلبابٍ وغترة، وإطالة لحية وتقصير ثوبٍ، ويا حبذا من علامة سجودٍ مطبوعة غائرة في الجبهة، كأنها ختم السلفية الموثّق!

يجب أن يكون الإتباع المبنيّ على الدليل الشرعيّ هو ديدن طالب العلم، ثم يأتي بعد ذلك الإنخراط في عملٍ حركيّ "على بصيرة". ولا يكفي أن يدعي المنتسبون للجماعات أنّ "شيوخهم" أو "قادتهم" على بصيرة وعلم، بل يجب أن يكونوا هم على ذات البصيرة بما عليه هؤلاء المشايخ والقادة " قال تعالى "قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى" يوسف 108، وتأمل قوله تعالى "عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى"، ليس " أَنَا۠" فقط، وليس الشيخ أو القائد فقط، فانتبهوا يا أولي الألباب.

ثم إنّ هذا لا يجب أن لا يَجرّ إلى التطاول على من هم أعلى رتبة في العلم، بمجرد إدعاء طلبه، بل يعنى السؤال وانتظار الإجابة، والإحترام والتقدير لمن هم أعلى رتبة أرفع درجة أو درجات، على أن يكون ذلك في سلسلة طلب العلم، لا في سلم تسلسل جماعيّ، كأنه سلم رهبان الفاتيكان!، أعاذك الله.

يجب على شبابنا، من غير الإخوان، وشبابنا في الإخوان، أن يبدأ رحلة التحرر من القيود الفكرية أوالتبعية الجماعية، ليكون طالب علمٍ بدرجة من درجاته، فالأمة تحتاج إلى كلِّ ذي عقل ويدٍ ولسان، لا تستغنى عن أحد، في هذه المرحلة الحاسمة في تاريخها، وهي تخلع جلد الأجيال المستبدلة، وتضع جلد جيل التمكين.