إزالة الصورة من الطباعة

ثورةُ الكِـرام .. ومَكرُ الّلئـام

أكاد أجزم أنّ هؤلاء القابعين على سُدّة الحُكم في مِصر، مُبارك وعِصابته، لم يُخْلَقوا من طِينٍ كما خُلق البشر، بل خُلقوا من نارٍ، كخَلْقِ الشياطين، إذ استعلوا على حُكم الله فلم يطبّقوه، وتمرّدوا على الله فعَصُوه، ثم إذا بهم يصبّون على خَلق الله كلّ مصيبة ورديئة ليفتنوه، أذلوه بالفقر، وبالقهر، وبالظلم، سرقوا ماله، وشرّدوا عياله وباعوا أرضَه، واستحلّوا عرضه. لئام ذئابٌ تجلّى لؤمهم اليوم بما يفعلوه حِرصاً على ما استباحوه من دم الشعب المسكين طِوال ثلاثين عاماً. ثلاثون عاماً، يشُبّ فيها الصِغار ويشيبُ فيها الرِجال. وقد أحسن الشيخ القرضاوى حين استشهد بأبيات أبو الفوارس بن الصيفيّ في التفرقة بينهم وبين الشعب العريق:

حَكَمْنا فكان العَدلُ منا سَجـــيّة              فلما مَلَــــكتُم سَال بالدَمِ أسْـــطُحُ

وحللتمو قتل الأسرى وطالمـا              بقينا على الأسرى نمُنّ ونَصفَحُ

فحَسبكُموا هذا التفاوت بيننـــا              وكلّ إناءٍ بالذي فيه ينْضَــــتــــحُ

هذا هو الفارِق الأصيل بين ثورةِ الشبابِ التقيةِ النقيةِ التي لم تلوّث يديها بعنف أو قتل، بل ظهر منهم كلّ ما فيه الرحمة والصبر والتواصِل والصمود، فكان الواحد منهم كما وصف ذي الأصبع العدواني:

إني لعَمركَ ما بابـــي بذي غَلَـــقٍ          عن الصَديقِ ولا خَيري بمَمنونِ

ولا لِساني على الأدنى بمُنطِلــــقٍ          بالمُنكراتِ ولا فتكي بمأمُــــونِ

لا يخْرج القَسْر مني غير مَغَضَبة          ولا ألين لمن لا يبتغـــي لينـــيِ

وبين شياطين الحُكم الفاسقِ الظالمِ الكافرِ. نظامٌ يقتل أبناءه ويوجه سيارات تدهسهم بلا رَحمةٍ، ويأمر زبانيته يطلقون الرَصاصَ الحيّ على الناسِِ عَشوائياً تارة، وقنصَاً تارةً أخرى، ويستمر في مُعاندة الشَعب برُمته فيجلس الطَاغية ليرأسُ إجتماعاً، كأن شيئاً لم يكن! ليس فيه أفضل من أن يوصف بما وصف به المتنبي كافوراً:

جَوعَانُ يأكل من زادي ويُمسِكني          لكي يقال عَظيمُ القدرِ مَقصودُ

جانبٌ يُحْيى ويُشَيّد ويأمَلُ في مُستقبل أفضَل، وجانبٌ يعيثُ فَسَاداً في الأرضِ ويظلم ويقتل ويشرّد، ويريدُ للمَاضى الأسْود أن يَستمر إلى أنّ يَموت الشَعب كافَة. قومٌ عطّلوا كلّ ما أمر به الله ومنعوه، وفعلوا كلّ ما حرّم الله.

هؤلاء هم من حَكَموا مصر ثلاثين عَاما، فأرسوا فَسَاداً أعْمق جذوراً وأبْعد غَوراً مما ظَنّ النَاس جَميعاً، ونهبُوا سَبعين مِلياراً من الدولارات (اي ما يقرب من نِصف تريليون من الجنيهات!)، ثم لا يزالون يُخرِبون البلاد ويقتلونَ العِبَاد ليَستمروا في الحُكم وكانّ لهم كرامة تُصَان، أو ماء وجه يُحْفَظ. هؤلاء هم من حقّ فيهم قول الله تعالى:

"إِنَّا جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلًۭا فَهِىَ إِلَى ٱلْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ ﴿8﴾ وَجَعَلْنَا مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّۭا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّۭا فَأَغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴿9﴾ وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿10﴾" يس