إزالة الصورة من الطباعة

عَجيبةُُ مصر الثالثة ... و

أخيراً، ظَهرت عَجيبةِ مصرَ الثالثة، دون حفريات أو تنقيب، إنها ذلك الطاغية مبارك، إذ هو قديم قِدَم أبا الهوْل، رَاسخٌ في مَكانِه لا يَبرَحُ كالهَرَم! الرجُل كأنه لا يرى ولا يَسمع ولا يتكلم، في مُجَابَهة كلّ هذه القوى الشَعبية التي تريد أن تتعْتعه من مكانه بلا جدوى، فحقّ أن يُطلق عليه "هَـرِمَ" مصر (بكسر الراء).

قَمَع "هَـرِمَ" مصر الشعب وأرهبه طوال ثلاثين عاماً ، أنشأ خلالها من أجهزة القمع والإرهاب ما يكفي لترويع ثمانين مليوناً، من داخليةٍ وأمنٍ مركزيِّ وأمنِ دولةٍ ومباحثَ أمنِ دولةٍ وشَرطةٍ وشَرطة سرّيةٍ وما لا يعلمه إلا الله.

ثم نَجَح "هَـرِمَ" مصر في خَلق طَبقات مُستفيدة تراكمت على مَرّ الأعوام لتصبح جِداراً عازلاً بينه وبين الشعب، جداراً يسعى لبقاء مبارك أشدّ ما يسعى مبارك نفسه، وعلى رأس هذه الطبقات، رجال اعمال لصوص ومسؤولين سياسيين وحكوميين، وهم الذين يمولون اليوم عِصَابات البَلطَجية خوفاً على مَصَالِحهم من الخَراب.

ثم خرّب "هَـرِمَ" مصر نواب الشعب بأن اتاح لهم مظلة يختبئون تحتها من اية محاسبة، هي حزب وهميّ سموه الحزب الوطنيّ الديموقراطيّ الذي ليس له من اسمه نصيب البتة.

ثم خرّب "هَـرِمَ" مصر المؤسسة الوحيدة القادرة على إزالته، الجيش. فإشترى ذِمَمَ قياداته العُليا والوسطى، بما أمن لهم من ميزات خيالية تجعلهم يعيشون في مصر ليست هي مصرنا التي نعرفها، من مظاريف شهرية وتسهيلات في السَكن والدراسة والسفر والعلاج وكافة وجه الحياة.

لكن الهديّة الكبرى – فيما أحسب، التي أهداها "هَـرِمَ" مصر إلى الجَيش هي ذلك السَلام الدائم الذليل الذي ضَمَنَه بما قدّمه للصهاينة من تنازلاتٍ. والجيش، بعد ثلاثين عاماً من التراخي الرخاء، لا يريد أن يَدخُل في مُواجهات مع جَيش الصَهاينة، لو إستلم الحُكمَ من له كرامةٌ أو وطنيةٌ أو دينٌ.

وهذه العمالة من قيادات الجيش باتت واضحة جلية لا ينكرها إلا من أراد أن يعيش وهماً، لم تعد مصر تقدر عليه. وهي تبرر أنّ الجيش تلاعب بعقول أبناء الثورة حين أعلن أنه لن يضربهم، لمنه في الوقت نفسه أفسح المجال للبلطجية يضربونهم، بل وصادر أدوية وغذاءاً للمتظاهِرين في عدة أماكن. والأمقت والأعمق في الخيانة أنه يَحرُسُ مؤسّسات الإرهابِ الإعلاميةِ والرسميةِ، وهو ما يُعطى ذِراعاً قوياً للنِظام أن يُشيع ما يريد، وقتما يريد.

من هنا نفهم طُمأنينة "هَـرِمَ" مصر وإجرامه وتكبره في خطابه، وثقة سليمان في حديثه الذي قال فيه بكل ثقة أنّ تنحى مبارك الآن أمر مستحيل! هذا حديث من معه القوة التي يطئن لها، قوة الجيش.

وقد علّمتنا أحداثُ التاريخ أن الكلمةَ الأخيرةَ دائما هي للعَسْكر. لذا أخشى – وكلى امل في أن يخيب الله ظنى – أنه ما لم يحدث إنقلاباً في الجيش من أسفل قياداته، فإن الوقت في صالح الطغاة. وها نحن نرى بالفعل تنازلات ممن أطلقوا على أنفسهم "لجنة الحكماء"، يوافقون على "التحاور" مع عُمر سليمان، وهم يعلمون أنّ التحاور مع سليمان هو بمثابة التحاور مع "هَـرِمَ" مصر، كمن تحول من اليد اليسرى إلى اليمنى. وسليمان لم يتعرض ولو بكلمة إلى إلغاء قانون الطوارئ، ولو كذباً، وحاور في حديثه عن تَعديلِ مَواد الدُستور قائلاً انّ التعديلَ يجب أن يكون "منضبطا"!

هذه الزُمرة الخَائنة لم تتحرك قيد شعرة، ولا عبرة لتلك التوقيفات الصورية التي يمكن إلغاؤها بمكالمة تليفونية، والتي يتوازى معها قتل الثائرين وإعتقالهم. مؤسساتهم الأمنية لم تتعرض للخَراب، بل فكّكوها ليستعينوا بها في قتل الثائرين، لكنها باقية مستعدة للعودة لدورها القمعيّ فور رجوع الشعب إلى منازله.

اليوم، إرادة الشعب تواجِه إختباراً هائلاً، إمتحانها الأصعب، ف"هَـرِمَ" مصر لن يتنازل طَوعاً، ثمّ سَيُخلِف من بعده من لا يخاف الله ولا يَرحم خلقه، عمر سليمان، رَبيبَ الصهاينة.

ثم، الله سبحانه من وراء الحقّ والقصد، وهو يمكر للمؤمنين مكراً ويكيد لهم كيداً، ولا رادّ لقضائه.