إزالة الصورة من الطباعة

مصر المسلمة: الدين النصيحة

الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فهو المهتدِ ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إلله إلا الله وحده لا شريك له في الملك والحكم وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، سلم الأمانة و بلغ الرسالة ونصح الأمة وكشف اللهُ به الغمة وتركنا على محجة بيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ونصلي ونسلم على خير البرية، محمداً بن عبد الله نبي العرب الذي أُرسل رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً.

أما بعد فقد قال الله تعالى في محكم تنزيله:

"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون"، وقال تعالى:  "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً، يُصلح لكم أعمالكم، ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً"

تحية أولاً للشباب المسلمين والمسلمات الذين صدقوا الله في صلاتهم يوم جمعة فأظفرهم الله على فرعون وهامان وجنودهما في يومٍ واحد، إن في ذلك لآية! ولو أن رئيس الدولة وعساكره من الشرطة الفاسدة والجيش المزور والعصابات المحيطة مازالوا على كراسي الحكم يسيطرون وعلى الشعب يضحكون وللصهاينة هم يحرسون إلا إن نهاية ذلك أصبحت وشيكة.

هذا وقد شاهدنا وشهدنا خلال الشهرين الآخرين على إنتفاضة بعض الشعوب العربية المسلمة الحرة طلباً للخلاص من كفر الطواغيت والظلم والقهر والفساد وتبديله بنظام عادل آمن يكفل للناس حرية العبادة، و تساوي فرص الرزق، وحماية الأنفس والممتلكات، والحكم بالشورى أو ما يُعرف بالديموقراطية.

وبالطبع كلنا نعلم بأن النظام الوحيد الذي يضمن للناس جميعاً حرية العبادة، ويكفل لهم الحياة العادلة العزيزة التي أرادها الله للبشر هو النظام الإسلامي الذي أنزله الله تعالى على الرسل والأنبياء جميعاً وكان ختامه القرآن الذي نزل على رسوله الكريم (ص)، وعاشه الرسول (ص) ليكون للعالمين قدوة وسنة يستن بها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

هذا وقد حاول الإنسان خلال العصور تبديل سنن وشرائع الله سبحانه في الأرض وفشل فشلاً ذريعاً بجميع المواصفات، فشلاً أوصل إلى تخريب البلاد وقتل وتشريد العباد وتسليم الأمر إلى الرويبضة والطواغيت والمجرمين الذين نهبوا الأرض وأفسدوها وأبدلوا الحق المُنَزَل من الخالق بشرائع همجية "ولو إدعى الجهلاء أنها علمانية"، فاختلت الموازين الحق وكان لذلك أبشع النتائج وحصد البشر ما زرعوه من فساد أو جهل من ناحية، ومن ناحية أخرى أغضب العباد ربهم فأنزل عليهم الآفات والغمم والأمراض وسلط عليهم مردة البشر وأدخل في قلوبهم الرعب وأذلهم، لا لشيءٍ سوى لإيقاظ النيام وتنبيه المسلمين بأنه لا منجى من الله إلا إليه.

ومن الواضح أن الحكم الشرعي بما أنزل الله يخيف المجرمين والقتلة واللصوص لما فيه من حدود للردع والعقاب، ولكن لا يجب أن يخاف المسلم المؤمن من هذا لأنه أصلاً لا يستحل الحرام ولا يستحرم الحلال ولا يقتل ولا يسرق ولا يزني ولا يخون الله ورسوله ودينه، بل على العكس تماماً فالمسلم الذي يسلك حياته على سنة رسول الله (ص) هو القدوة في الأرض لغيره من المسلمين الجهال والكفار، وقد أوضح الحق سبحانه وتعالى ذلك حينما رفض بنو إسرائيل الحكم بما أنزل بالتوراة بقوله:"إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونورٌ يحكم بها النبيون الذين أسلموا" وفي هذا تعظيم لشأن المسلم القابل لحكم الله على مر العقود حيث جعلهم الله على مرتبة الأنبياء.

أما فيمن إستكبر في الأرض وادعى العلم و كذب بأوامر الله وسنة رسوله (ص) واعتقد بأن لديه من الحنكة "السياسية" ما قد يوصله إلى الحياة الحرة والكريمة "والديموقراطية الزيفاء" بدون تحكيم شرع الله، فهذا فهو الضال الذي ضُرِب على قلبه وعلى سمعه وعلى بصره بغشاوة، وأولى به أن يتعلم وأن يعترف قبل فوات الأوان أن الأمر كله بيد الله، فهو سبحانه ينصر من ينصره، وأن من أراد العزة في غير دين الله أذله الله!

ولأهمية هذا الأمر فقد نص القرآن بصريح القول على من أراد أن ينخلع عن الحكم بشرع الله أو أن يبدله أو يبدِل منه فقال تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأُولائك هم الكافرون"، وقال تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأُولائك هم الظالمون"، وقال تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأُولائك هم الفاسقون"، ثم أمر رسوله الخاتم (ص): "وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءَهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك"، وفي هذا إعلان من الله تعالى أن تبديل حكم واحد من أحكام الله هو بداية الفتنة والعصيان. ولنعلم جميعاً أن الإسلام هو دين الحاكمية: "إن الحكم إلا لله"، فلا تفوتكم هذه الفرصة، كما أفاتوها الأخوان المسلمون بعد إنقلاب 1952 حينما سكتوا على جمال عبد الناصر، وهو كان عضواً في جماعتهم آنذاك، حينما إعتدى على حرمة الله لما سألوه للحكم بالشريعة فألقى بالمصحف وقال: " أتريدوننا أن نرجع لعصر الحمير"، فلما إرتضو منه هذا أذاقهم المر وقتل منهم وعذب الكثير، وهذا واضح في القاعدة الشرعية التي تقول بأن الجزاء من جنس العمل.

وقبل أن ننتقل لنتحدث عن كيفية البدء في مشوار التغيير إلى الشرع وطاعة الله والتوبة عن ما سلف من النوم والتمييع والإرتكان لحكم الكفار والطواغيت، أحب أن أدعو أبنائي من الشباب الحر الذين بادروا بثورة التغيير والإصلاح إلى بعض الأمور التي يجب مراعاتها في مثل هذه الأوقات وأهمها بعد إخلاص النية لله:

أولاً: مراعاة عدم الإضرار بالمال العام أو الخاص أو بحياة وبممتلكات الشعب،

ثانياً: محاولة منع الشرطة من إعتداءاتها بأسلم الطرق وعدم اللجوء للعنف إلا عند الضرورة، مع العلم بأن لكل ملحمة تضحية من الشهداء وأن ثمن الحرية والجنة ليس رخيصاً.

ثالثاً: عدم إشراك المجرمين من البلطجية أو السماح لهم بالتخريب والسرقة، بل ومن المهم منعهم من إرتكاب الجرائم ولو بالقوة. والدفاع عن صفوف الأحرار ممن أُطلقتهم السلطة إلى الشارع لإجهاض المسيرة.

رابعاً: تنظيم صفوفهم ومحاولة تجنب العشوائية في التحرك. عدم الإصغاء لوعود مبارك الكاذبة لأنه لن يصلح ما خرب بيده ويد أولاده، ففاقد الشيء لا يعطيه!

خامساً: إحذروا من القرصنة، فقرصنة الثورات والإنتفاضات الشعبية الطاهرة هي أمر معروف وتاريخه أسود وحافل بالإجرام والخيانات،

سادساً: محاولة التفاهم مع الجيش الذي يحكم الشارع الآن وإقناعه بعدم حماية السلطة الساقطة، وتذكيرهم بحماية عبد الناصر وعصابته حين قتل وعذب الإخوان ونتيجة هذا في نكسة 67.

سابعاً: وجوب أن يشمل التغيير إحلال وسائل إعلام جديدة ببرامج جديدة ومفيدة حتى يخرج الناس من دوامة البرامج التي دأبت على تشويه دين الله وأهله خلال العقود السابقة،

ئامناً: الإمتناع عن فتح جبهات خارجية مع دول أخرى حتى نمكن للثورة من النجاح، كما ونجنب توسيع دائرة الخلافات وتشتيت المجهود،

علمنا من أخبار مصر أنه في يومي الخميس و الجمعة 27 و 28 يناير أن معظم اللصوص من أعضاء الحزب الوطني والوزراء قد سحبوا ودائعهم المسروقة من البنوك و باعوا أسهمهم في البورصة المصرية وهربوا من مصر مما أدى إلى خسائر طائلة في الإقتصاد المصري. وهذا يعد أمر نمطي متوقع في أخلاق لصوص الأمم والشعوب، أن ينهبوا أموال الشعوب  ويفسدوا ويُفلسوا البلاد حتى يُخربوها تماماً ثم يهربوا كالفئران. ولا يجب أن يسبب هذا إي إحباط لعزيمة الشباب ولا لإرادتهم ماداموا هم على الدرب.

ولكن التغيير يجب أن يبدأ بإختيار قائد مسلم يثق فيه الأغلبية ومطالبته بالحكم بشرع الله وإلا خُلِع، ثم مطالبته بإجراء إنتخابات فورية لإختيار نواب عن الشعب لمجلسي الشعب والشورى، ثم مطالبته بإختيار حكومة مؤقتة من المتخصصين الموثوق فيهم،  ثم البدء فوراً في ثورة الإصلاح في التعليم والزراعة والصناعة حتى لا تقع مصر في أزمات قد تودي بالعمل الثوري والبلاد للهلاك.

ولايجب أن يكون هذا القائد أفضلنا علماً ولا أكثرنا قوة أو أعلانا مرتبة بقدر ما يجب أن يكون عليه من تقوى وورع: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم". ثم يكون من الممكن بعد ذلك مساعدته بالنصح والتوجيه.

وننصح الشباب المصري المنتفض بالإسراع في تغيير الدستور بحيث تكون الشريعة هي المصدر الوحيد للدستور. ففي الشريعة مزايا عديدة لا تتوافر في أية قوانين وضعية، حيث أن الشارع سبحانه وتعالى وضع الشريعة لحماية الدين والأنفس والنسل والمال والوطن، وهذا ما كنا ننتقصه تحت وطأة القوانين الوضعية الغاشمة. فلم يكن للدين الإسلامي أي إعتبار أو إحترام، بل وتصدرت حماية الملل الكافرة والأقليات العناوين. ولم يكن للمسلم حق في العبادة والعمل والرأي أو الإعتراض، بل كان عليه مسؤوليات تفوق القدرات البشرية التي أكلت إمكانياته وزادت من معاناته.

كما وقد شهدنا ما كانت شرطة النظام الفاسد تفعله بالعباد من قتل وسجن وقهر وتعذيب بل وتنكيل، ثم ما فعلته بالشعب بعد الإنتفاضة من قتل جماعي وإطلاق للمجرمين من السجون وتسليحهم لقتل الأبرياء والقيام بالسرقة والنهب وإعطائهم أوراق مزورة من الشرطة لحمايتهم.

ولم يخفى على أحدٍ منا ما قاموا به من سرقة ونهب والإسيلاء على الأراضي والأموال العامة، وبيعهم لشركات القطاع العام والحكومي بأبخس الأسعار بينهم وبين أصحابهم من العملاء!

أخيراً شهدنا كيف باع النظام الفاسد وطنيته وأصبح عميلاً لإسرائيل وأمريكا! فإذا تمكن العملاء وأعوانهم من البلد مرة أخرى ستكون النتائج رهيبة.

كما يجب الأخذ بعين الإعتبار موقف الكنيسة المصرية من دعم النظام الراحل وموقفهم السلبي من ثورة، الإصلاح والتغيير الشعبي كما يجب التنبه بأن لنظام مبارك الفاشي والكنيسة كان له دورُ هام في الإحتقان الطائفي الذي كاد يسبب المجازر بين العباد من أفراد الوطن الواحد.

ومع ذلك فإننا لا يمكن لنا حماية الأقليات المسيحية في مصر إلا إذا كان لدينا قوانين شرعية فيها أحكام الله والرسول وهي التي تضمن حماية أهل الذميين وتبين إسلوب معاملتهم بدون إفراط ولا تفريط.

ولعل بعض المصريين يتصور أن إنهاء المسيرة الآن قد ينقذ البلاد من الهاوية، وأقول لهم أنكم تجهلون أن حساباتكم خاطئة لأنكم تجهلون أن الله تعالى سينصر من ينصره ويخذل من ينساه أو يتناساه. فالمصلحة التي تخافون عليها ليست بالأصل موجودة وهي لم ولن تتحقق إلا مع الخلاص من الفساد والخيانة.

ولنعلم جميعاً أن ما حصدناه من المر والأسى في السنوات الخمسين الأخيرة كان بسبب تخاذلنا عن رفع كلمة الله في الأرض والإرتضاء بحكم ثلة من اللصوص الذين طردوا الحكام الشرعيين من ملكهم مثل الملك فاروق في مصر والسنوسي في ليبيا بزعم أنهم مصلحون، ثم إنقضوا على المحاكم الشرعية فاغلقوها وأغلقوا معها كتاتيب تعليم القرآن، وحاربوا الله ودينه وأهله، وسبوا الدين فسموه "بالرجعية" ثم باعوا مصر وسوريا وفلسطين إلى الصهاينة. فلا يصح أن ننسى التاريخ أو نتناساه كي يمكننا الإتعاظ من دروسه.

ولم تنته الخيانات للآن فأخيراً بيعت العراق للشيعة والصليبيين وأفغانستان دمرت والسودان تقسمت وفلسطين قطعت وغزة دمرت من أعمال حكام الطغمة وبأيديهم.

ونصيحتي أيضاً لإخواني وأخواتي الأحرار الذين كسروا جدار الخوف وحطموا بيت العنكبوت الراحل أن لا يصرحوا الآن بأي تصريحات تخص الدول الأخرى حتى لا يؤخذ عليهم، وأن لا يسمحوا في الوقت الحاضر بتدخل أي دولة أجنبية في شؤون مصر كي يحجبوا عن مصر ويلات الفتن مع الأعداء من المتربصين.  

وأخيراً نسأل الله تعالى أن ينصركم ويثبتكم وأن يوَلي أصلحنا وأن يحمي ثورتنا وبلادنا وأن يزيح الطواغيت فلا يرجعون أبداً، وأن يفقهنا في ديننا وأن لا يحاسبنا بما فعل السفهاء منا. آمين

أسامة القاضي