أوقدت تونسُ الشرارة، وأضرَمت مصرُ النيران.
لا أجْمَل من عَودَة الرُوح إلى الشُعوب، ولا آمل للنْفس من رؤية هذه العَودة على أيدى شَبابها. هي كالشَمس التى تُشرِق على الأرض، تبدّد ظَلام الّليل الباَئد. هي كالمطر الذي تنبت منه الأرض فتصير مُخضرّة.
رأينا شَعب تونسَ الشقيقة ينتفض إنتفاضة، إرتعدت لها أوصال الطاغية، وفزِعَت منها أوصَال النِظَام الطُغياني الملحد، خرج على إثرها شين العابدين بن على فاراً كالفَأر، لا يجدُ مَلجأ أو مُغارات من الشَعب الثَائر. ثم كانت هذه الإنتفاضَة شَرارةٌ البدء في إنطلاقة الثورة العارمة في مصر.
مصرُ الأكبر والأقدمُ. مِصرُ الحضارة والإسلام. مِصرُ العزةِ والإباءِ والشموخِ. مِصر الصَابرة المؤمنة التي تستلهم من الله عز وجلّ أنه سبحانه يُمهِل ولا يُهمِل.
أسأنا قِراءة شَعب مِصر. فقد ظَنّ الكلّ أن شعبَ مصر قد مات. لم نسمع له حساً ولم نشْعرُ له نبْضَاً لعقود تَطَاولت. وظَلّ النِظَام الفَاسِق يَستخدم كلّ ما يمكن من وَسائل لإفْساده مدة ثمانية وخمسين سنة، منها ثلاثين سنة هي الأسوأ. لكن الشَعب الذي إمتدت جُذورُه أكثر من سِتين قَرناً، والذي استقبل أفضل حضارة على الأرض، حضارة الإسلام، وإحتضنها، قد تجمّعت خِبراته لتُخرِج من رَحِمِهَا شباباَ، أكثرهم لم يعرف غير مبارك حاكماً، وغير نظامه إطاراً، فجاء على أفضلِِ ما يكون الشَبابُ، متنوراً، واعياً، نظيفاً، مضحياً، متحضراً.
كشفت هذه الأحداث خُبْثَ النظام ودناءته، وحجم الخَبَثَ الذي يحمله. نظامٌ تجرأ أن يُوجّه قوات إرهابه لتروع الآمنين وتقتل المُتظاهرين، علانية بلا مواربة! أوقفوا الإتصالات والمواصلات، أطلقوا البلطجية والمساجين على الناس، أغلقوا البنوك والمؤسّسات، كلّ ذلك حِرصاً على بقاء نظامٍ كافرٍ طاغٍ فاسدٍ، بلغ فساده الغاية، كلّ مؤهلاته أنه يخضع للنفوذ الأمريكيّ، ويركعَ أمام الصهاينة الأنجَاس، وينفّذ مخطّطاتهم في حِصَار المُسلمين في غزّة الصَامدة، وفي تحقيق أحلامها في إقامة إسرائيل الكبرى، مقابل التَغاضِى عن إجْرامه ودعمه في سَرقاته وفقرِ أدائه الذي أدى إلى تقسِيم السُودان، ومُشكلة مياه النيل، وتدهور وضَع مصر الإقليميّ والعالميّ، وإنهيار قيمة المُواطن المصري في الداخل والخارج. زوّروا الإنتخابات، وإستخفوا بحقوق الوطن، وباعوا أرضه ومؤسّساته بأرخَصِ الأسعار مُقابل عُمولات يأكلونها حراماً، ليلاً ونهاراً.
لم تُنتج المُعارضة الرسْمية إلا هَياكل ضعيفة لم ترتفع يوماً إلى مستوى الأحداث، معارضة ليبرالية، أو ناصِرية، أو عِلمَانية، كلها لا أرضية لها بين الشباب، مثلها مثل شعبية النظام، بلا عمود فقريّ. ثم "الإخوان المسلمون"، الذين قامت إستراتيجيتهم أصلاً على التبعية للحَدَثَ، لا إيجَاده! ولا نذكر السلفيون الذين سقطوا شرّ سقطة في هذا الحدث التاريخيّ، ومحوا أنفسهم من سجل المجاهدين.
لم ينجح إلا الشباب الغضّ، وهم اللذين يجب أن يقودوا هذا البلد في المرحلة القادمة، دون تدخلٌ من اي قوى للمُعارضة الرَسمية المُترهّلة.
ثلاثة عقود، حتى فقد الشعب صبره، وخرج عن بكرة أبيه، ليومٍ سيكون له ما بعده إن شاء الله. ودرس تعلمناه، نحن الشيوخ، على ايدى الشباب، انّ رَحِمَ الأمة لا يزال وَلاّداً لم يَعقُم.