يشبهُ الوضعُ السَائد الآن على السَاحة العربية، بعد سقوط الخلافة العثمانية، ما كان عليه وضع الدويلات الإسلامية بعد سقوط الدولة الأموية في الأندلس في القرن الخامس الهجريّ، وقيام عِدة دُويلات وصَل عددُها إلى إثنتين وعشرين دويلة، حتى سُميَ عهدهم بعهد "ملوك الطوائف"، كلّ بما لديهِم فَرِحون! وعمّ الفَسَادُ في هذه الدُويلات حتى نَخَر عِظَامَها وأوهَنَ جَسَدَها.
وكان التصَارُعَ والتنافُسَ بين هؤلاء المُلوك على أشدِه، بل كانوا يتحاربون بينهم على ما خلّفته لهم الدولة الأموية في الأندلس، فلم يعتبروا بالعَدو الصليبيّ المُتربِّص بهم على حُدود الشمال في فرنسا، مُتمثلاً في الفونسو، ملك قشتالة آنذاك. بل آثروا أن يدفعوا الجِزية، إلا قليلاً منهم، للملك الفرنسيّ على أن يوحّدوا صفوفهم! ولم يتخذوا عِبرةً مما حَدَث بعد أن سَاعَدهم يُوسُفُ بن تَاشِفين، أمير تونُس والمَغرب العَربيّ، المَعروفة دولته آنذاك بدولة "المُرابطين"، والتي ورثت الإمارة البرغواطِية التابعة للدولة العُبيدية الرَافِضِيَّة في مصر، على الإنتصار على ملك قشتالة في وقعة الزلاقة المعروفة، وإستعَادة السَيطرة على الأندلس. إلا أن الجَشَع والطُغيان أعمَى هؤلاء المُلوك والحكام، فعادوا بعدها للصِراعِ والتناحُر، فعاد بن تاشفين إلى الأندلس وأسْقط هذه الدويلات المُصْطَنعة، ووحّد الأندلس، وعَقد لواءها وربط وولاءها للحُكم العَباسيّ في بغداد.
كان يوسُف بن تاشفين حَاكماً عَادلاً أشدّ ما يكون العَدل، وَرِعاً تقيّاً مُجاهداً زَاهداً، لا يخاف في الله لَومة لائمٍ. وعرف عنه محبته للعفو وكرهه للعنف والغدر (يا حسرة على حكامنا اليوم!)، فإعتُبر، بحق، من أفضل حكام المسلمين في تاريخ الإسلام، وأكثرهم تأثيراً، يُضَاهي في ذلك صَلاح الدين الأيوبيّ، في صدّه لغَارات الفرنجة والصليبيين، وتوحيده للمسلمين (انظر تاريخ الإسلام السياسيّ، د.حسن ابراهين حسن، ج4 ص118).
الغرض أنّ دويلات العَرب الآن، المُسَمّاة دُولاً، من المحيط إلى الخليج، أسْوأ حالاً من دُولُ الطَوائِف في القرنِ الخامس الهِجريّ. حكامٌ وملوكٌ متناحِرون، طُغَاة مُستبدون، يُهلِكون أبناء شُعوبِهم وينشرون الرُعبَ والإرهابَ في رُبوع بلادهم، بدعوى مقاومة الإرهاب (الإسلام)!، يكتنزون الذَهب والفِضة والمَال، سَرِقة ونَهباً من ثروات بلادهم، وكأنها خَالصَة لهم ولعائلاتهم من دون العِباد، يوالون الصليبيين ويَسْتعدونهم على جيرانهم المُسلمين، ويَسمَحون لهم يإستخْدام أراضيهم، بَراً وبَحراً وجَواً، لقتل المُسلِمين من أبناء الدويلات المُجاورة، ويذلّون رقابَهم لأسيادهم من الأمريكان والغَربيّين، طَمَعاً في معونتهم في الإحتفاظ بكُروشِهم، وعُروشِهم، وكَراسِيهم!
فهل لنا إلى يوسف بن تاشفين من سَبيلٍ؟ يخرج من المَغرِب العَربيّ، ليطيح بهؤلاء الطغاة، شرقاً وغرباً، ويوحّدَ صفوف المسلمين، تحت راية إسلامية واحدة؟ فيه من خشية الله ما يتورع به عن أموال العباد وأنفسهم، وفيه من الشجاعة ما يَرفع به عن المُسلمين هذه الذلّة التي وضعتهم فيها مَهانة هؤلاء الطغاة، حُكّاماً وملوكاً، وصَغَارَهم وهوانهم على أنفسهم؟
الّلهم إنك المُجِيرُ فأجِرنا، واليكَ الملجأُ فأنْجِدنا، وأرسِل فينا يُوسُفُنَا، يوّحّدنا، ويرفع هذا المَقتَ والذّل عَنا، آميـن.