جيلٌ الصحابة، أفضَلُ جيلٍ عَرفته البشريةُ على إمتداد تاريخِها، وإتساع أرضها. وهو الجيل الذي شَرُفَ بقيادة سيد البشر محمداً صلى الله عليه وسلم له، ومعايشة الوحيّ ساعة بساعة. عَرَفَ الله سبحانه فيهم القوة والفضل، والرجولة والأمانة، وحفظُ الكلمةِ والوفاء بالعهد، وكافة أخلاق الشرف ومعادن الخير، وهم لم يزالوا في جاهليتهم، وعَرَفَ سبحانه أنهم أفضلُ من يَحملَ الرِسالة ويحفظَ الأمانة، فإختارهم لصحبة خاتم الأنبياء وسيد الرسل صلى الله عليه وسلم، فما أسْعَدهم من جيل، وما أعظمهم من رَعيل.
عاشَ جيلُ الصحابة رضى الله عنهم أكثر فترات البشرية إتصالاً بالملأ الأعلى، وعانوا ألمَ ترك الأوطان، وهجرةَ الأهلِ والخلان، وممارسة الحروب دون إنقطاع، والتضحية بالمال والمتاع والضياع، فَصَبروا على هذا الألم، ولحظوا فيه الأمل المرتقب حين تعرف البشرية فضلَ هذا الدين، وتَعلّم عَظمةُ التوحيد ونورُ اليقين. وهو ما جعلهم أشدَ إحتمالاً وجلداً وصبراً على المكارِه، وصلابة في مواجهة المكروه.
لكن، مع كلّ ما سَعدوا به من عِشْرَة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمتع بلقائه والحديث اليه، وهو ما لم يعرفه أحد غيرهم من سعادة ومتعة، ومع كلّ ما عانوه في سبيل الدعوة إلى الله، وهو ما لم يحتمله أحد غيرهم من صبر وعزم، إلا أن بلاؤهم، وإبتلاؤهم الأعظم، كان في لحظات الفراق، فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ساعة أن أذِن المولى بضّمه إلى الملإ الأعلى، وياهَوْلها من لحظات، وهي، فيما أحسب، مردود السعادة التى منحتها رفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الجيل الفريد.
ما أهولها من ساعة، حين عرف الصحابة عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوائل شهر ربيع الأول من العام الحادى عشر للهجرة، وبانت علامات الموت على وجهه الشريف.
في البخارى عن عائشة رضى الله عنها "لما دخل رسول الله بيتى واشتد به وجعه قال: هريقوا علىَّ من سبع قِرَي لعلى أعهد إلى الناس. وفي رواية ابن إسحاق حتى أخرج إلى الناس فأعهدُ إليهم. تقول عائشة: "فأجلسناه في مخضبٍ لحفصة زوج النبى ثم طفقنا نَصبُ عليه من تلك القرب حتى طفق يشيرُ إلينا بيده أن قد فعلتن - وفي رواية ابن إسحاق - حتى طفق يقول حسبُكم حسبُكم، ثم خرجَ إلى الناس عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر. فكان أول ما ذكر بعد حمدِ الله والثناء عليه ذكر أصحابَ أحدٍ فاستغفر لهم ودعا لهم وأكثر الصلاة عليهم. ثم قال : «أيها الناس إني بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد وإن موعدكم الحوض وإني لأنظر إليه من مقامي هذا ، وإني لست أخشى عليكم أن تُشركوا بعدي ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها كما تنافسوا فيها فتهلككم كما أهلكتهم، ثم قال: إن عبداً من عبادِ الله خيره الله بين الدنيا والأخرة وبين ما عند الهن فاختار ما عند الله، ففهمها أبو بكر وعرف أن العبد المخير هو رسولُ الله، فبكى الصديق وقال بأبى أنت وأمى يا رسول الله. بل نحن نفديك بأبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا فعجب الناسُ من بكاء أبى بكر فقال الرسول : على رسلك يا أبا بكر. ثم قال: أيها الناس إن أمنّ الناس على بصحبته وماله أبو بكر كلكم كان له عندنا يدٌ كافأناه بها إلا الصَّديق فإنا تركنا مكافأته لله عز وجل. لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لا تخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوة وصحبة، وانظروا إلى هذه الأبواب النافذة إلى المسجد فسدّوها إلا بيت أبي بكر، ثم قال : « يا معشر المهاجرين استوصوا بالأنصار خيرًا فإن الناس يزيدون وإن الأنصار على هيئتها لا تزيد وإنهم كانوا عيبتي التى أويت إليها فأحسنوا إلى مُحْسِنِهم وتجاوزوا عن مُسيِئهِم » البخارى ومسلم.
وروت عائشة رضى الله عنها في البخارى ومسلم: "إن الله جمع بين ريقى وريقه عند الموت دخل علىَّ عبد الرحمن وبيده سواك، وأنا مسندة رسول الله إلى صدرى، فرأيته ينظر إلى السواك ، وأنا أعرف أنه يحب السواك ، فقلت : آخذه لك يا رسول الله ، فأشار برأسه : أن نعم . فتناولته فأخذته ، ومضغته، ثم لينته ، قم طيبته ، ثم أعطيته لرسول الله فاستاك به جيداً، فلما انتهى أخذت السواك وأخذتُ أمْتَصُ من السواك ريق رسول الله فكان هذا هو آخر عهدى بريق المصطفى".
وعن عائشة أيضاً في البخارى ومسلم "فلما مرض الرسول دعا فاطمة عليها السلام في شكواه الذى قبض فيه فسارها بشئ فبكت ثم دعاه فسارها بشئ فضحكت فسألنا عن ذلك فقال : سارنى النبى أنه يقبض في وجعه الذى توفى فيه ، فبكيت ثم سارنى فأخبرنى أنى أولُ أهله ( لحوقاً به) يتبعه، فضحكت"، فانظر – يا رعاك الله فضل عائشة في نقلها عن حديث فاطمة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وإقتربت لحظات رسول الله صلى اله عليه وسلم، وإختار الرفيق الأعلى، تقول عائشة فيما رواه البخارى: "«مات رسول الله بين سحرى ونحرى وأنا مسندته إلى صدري فرأيته رفع يده أو إصبعه ثم قال : بل الرفيق الأعلى ..، بل الرفيق الأعلى ..، بل الرفيق الأعلى فعلمت أنه لا يختارنا"، وفي البخارى عن أنس: "لما ثقل النبي جعل يتغشاه فقالت فاطمة عليها السلام: واكرب أبتاه، فقال لها : ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم، فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه فلما دفن قالت فاطمة : يا أنس أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله التراب".
وغُمّ على الصحابة، فخرس عثمان لا يقدر على الكلام، وخرج عمر ينادى في الناس أن "إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله قد مات وإن رسول الله والله ما مات ولكنه ذهب إلى لقاء ربه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم زعموا أنه قد مات"، وقعد عليّ على الأرض كسيحاً لا يملك أن يقوم. وتمحّض الحق في عينيّ أبي بكر فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "بأبى أنت وأمى يا رسول الله وأنبياءه واصفياه واخليلاه. أما الموته التى قد كتبها الله عليك فقد ذقتها ثم لن تصيبك بعدها موته أبداً ثم رد البرد على وجهه ، خرج إلى الناس فقال : على رسلك يا عمر فأبى إلا أن يتكلم فأقبل الناس على أبى بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ على الناس قول الله تعالى : "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِين".
تلك كانت أشق اللحظات التي مرت على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لحظات لا يقدر على تحملها إلا جيل الصحابة، فهي لحظات تخر لهولها الجبال، لا تعادلها مشقة بدر ولا أحد، ولا فراق المال والعيال في الهجرة، تلك كانت لحظات إنفصلت فيها الأرض عن السماء، وتقطعت بينهما أسباب الوحى، هي المصيبة الكبرى والفجيعة العظمى التي رزأ بها جيل الصحابة رضوان الله عليهم، وهي فجيعتنا، وفجيعة كل مسلم إلى يوم الوقت المعلوم.
ووالله الذي لا إلى إلا هو، ما تذكّرت هذة الساعات، إلا بَكيتُ ألماً وحزناً، وما مررتُ بسيرته صلى الله عليه وسلم ، إلا وتجنبت مطالعة هذه الصفحات، فهي أثقل من أن يتحملها القلب والروح، فما بالك بمن رآه صلى الله عليه وسلم ممدداً على فراش الموت، بعد أن عايشه سنوات عمره، وشهد على تأديته الأمانة الكبرى.
صلى الله عليك يا سيدى يا رسول الله، ورضى الله عنكم يا أفضل جيل عرفته البشرية.
www.tariqabdelhaleem.com