إزالة الصورة من الطباعة

حكم تبديل المفاهيم .. بين الإسلام والكفر

على العكس من الرسالتين اللتين عَلًقتُ عليهما في مَقاليَ السَابق، وصلتني رِسالة تُناقض فحوى هاتين الرِسالتين، الحّ عليّ فيها شابٌ من شَباب الإسلام، أن أحدّد موقفي بوضوح من تلك الفئة التي تناولتها بالنقد، في خلط المفاهيم والترويج لما يُناقض قواعد الإسلام الثابتة، من أمثال محمد سليم العوا، وفهمى هويدى، والرّيسونيّ، ومحمد عمارة، وحسن الترابيّ، كما ألحّ عليّ الإبن الفاضل صاحب الرسالة إضافة إسم المستشار طارق البشرى إلى هذه المجموعة.

 وأحسب أنّ المطلوب منى فتوى بشأن كُفر هؤلاء، حسبما فُهِمَ مما كَتبْت في كتابيّ "حقيقة الإيمان" و"الجواب المفيد في حكم جاهل التوحيد" إبّان السبعينيات. وليس في النيّة أن أعودَ لتفسير ما دونْت منذ أكثر من ثلاثة عُقود خَلَت، كما لا أرى فيه ما يمكن أن أبَدّله بعد دراسةٍ وترديد نظرٍ في أبواب الشريعة لأكثر من خمس وثلاثين سنة.

 لكن أحب أن ألفت النظر إلى أنّ أحكامُ الكُفرِ والردةِ هي أحكامٌ شرعية يجرى عليها ما يجرى على الأحكام الشرعية من ضرورة إنتهاض الأسباب وثبوت الشروط وإنتفاء الموانع للحكم بها، وهي جُملة الأحكامِ الوضعيةِ التي هي جُزء من الأحكام التي شرعها الله سبحانه. فكما يجب لثبوت وجوب الزكاة أنْ يتحقّق شَرطُ النصابِ، ويرتفعُ مانعَ الدَيْن، ويَنتهِضُ بذلك سببُ الغِنى، يجب أن يتحقق الفقيه المسؤول عن الفتوى، والقادِر عليها، من ثُبوت هذه الأحكام قبل الإفتاء بالكُفر أو الردّة. وذلك بالطبع فيمن وُلد على الإسلام، وبَلغَ الرُشد وهو مسلم لم تثبت ردته. أما في حال الكفار الأصليين كالقبط المثلثين واليهود وغيرهم من ملل الكفر التي يبلغون عليها الرشد أُسوة بآبائهم، فهؤلاء لهم حكم الكافر الأصليّ، الذي يغاير حكم المرتد في الدنيا من كافة الأوجه.

 وقد كتبت عن هؤلاء المشاهير ممن تعدّى على العديد من المفاهيم الشرعية، وشذّ في الأحْكام الفقهية، وبيّنت خطأ ما دوّنوه، وما أراه سَبباً لما وصلوا اليه من قول، في هذا الوقت الذي يجب أن تتكاتَف فيه جهود المسلمين للحفاظ على الهوية، بدلاً من العبث بثوابتها وتبديل مفاهيمها بدعوى التجديد المَزعوم. لكنْ الحُكمَ على هؤلاء برِدّة أو بكُفر أمرٌ آخر يَستلزم التثَبُّتَ من تحقق تلك الأحكام الوضعية التي ذكرنا. فالأمر أنه على قدرِ أهمية تمييز الحقّ من الباطل، وتعريف المسلم والكافر، ومع إيماننا بأنّ تكفير المُعيّن أمرٌ شرعيٌّ ثابتٌ بالكتاب والسنة، خلافاً للمرجئة، كما بيّنا في "الجواب المفيد" تفصيلاً، ولا يجب التوقف فيه، إن ثَبُتت شُروطه وإنتفت موَانِعه، إلا أنّ الغَرَض الأسَاسيّ، وهو كشف عُوارهم للخلق، قد تحقق بما دَوّنا، وبقى الحكم على أشخاصهم مُتعلقاً بتحقق الشروط وانتفاء الموانع.

 ولو نظرنا فيما أوّلَ هؤلاء من مفاهيم، يَجِدُ أنُه كُفرٌ بالمآل لا كفرٌ بالحال، أي على صِيغة "بما أنه قال كذا...، إذن هذا يؤدى إلى كذا..."، وجمهور الفقهاء المعتدّ بهم على أنّ التكفير لا يقع مآلا، بل يجب أن يكون مبنياً على نصٍّ في الكفر لا يحتمل تأويلاً ولا تأجيلاً. فمثلا الدعوة إلى الديموقراطية، بِشكلها الغَربيّ، تَستتبعُ الرِضى بحكم الأغلبية بدلاً من حكم الله سبحانه، ومن ثم، فهى تعنى رفض حكم الله فعلاً، وهو كفر لامراء فيه. فلو قلنا بكفر كل من تفوّه بطلب اللجوء إلى الديموقراطية، من كتاب وإعلاميين ومن الإخوان المسلمين، دون النظر إلى القول إن كان الطلب مرحلياً أو إستبقاءاً، لكان خطأً في القول وفي الفهمِ وفي أحكامِ الشريعة. إذ هو من بابِ الكفرِ المآلي، فإن صَدر من القائل طلب اللجوء إلى الديموقراطية وحكم الأغلبية قولاً يُبين أنه يراها أفضل من حُكم الله لا على سبيل المَرحلية ولكن على سبيل الدوام، كُفّر القائل حالاً أيّا كانت هويته. وكان من قال بتبنّيها على سبيل المرحلية جَاهل بأحكامِ الشريعة وبمقاصِدها ومآلاتها.

 ومن هُنا يجب التفريق بين هؤلاء وبين أمثال سعد الدين إبراهيم وجمال البنا، الداعين لرفضِ الإسلام "الجَامد" جُملة وتفصِيلاً ، من حيث يقف في وجه التحضّر، والموالين للكفار، والمُنكرين لأحكام عُرفت من الدين بالضرورة، دون تأويل أو سَند شرعيّ، بما ثَبُت عنهم من أقوالٍ لا تحتمل تأويلاً، وهو ما يكفر قائلها عيناً وحالاً.

 ثم إن التلاعب بمفهوم المواطنة، قد يختلط بموضوع المُساواة في الحقوق والواجبات بين المسلمِ والكافرِ المُعاهد تحت الحُكم الإسلاميّ:

• فإن كان القصد هو أنّ الكفّار المُعاهدين يجب أن تتحقّق لهم هذه المساواة تحت القانون الإسلاميّ، مع إبقائهم على العهد، وإلزامهم بشروطه، والتضييق عليهم بما قرّرت الشريعة في التضييق، كبناء الكنائس، فهذا أمر متفق عليه، ويمكن تقنينه.

• لكن أن يختلط ذلك بالقول بالمساواة المطلقة، فهذا

o إما أن يكون القائل به صادرٌ في قوله عن الأمر الواقع السائد بناءاً على علمانية الدولة القائمة، وسيطرة القانون الوضعيّ فيها في الوقت الراهن، دون مساندة له، بل مسايرة له حتى يقضى الله أمراً كان مفعولاً، فهذا جاهل بالشريعة ومقاصدها ومآلاتها،

o أو أن يكون مؤمناً به من حيث أن المُساواة المطلقة هي الأفضل من حيث أنها تُوافق التحضّر والمَدنية وقوانين حقوق الإنسان، فهذا يُستتاب فإن تاب وإلا كفر. لكن هي، في مناطها الحاليّ، بِدعٌ في الأصول، لا شكّ في أن أهلها من أصحاب البدع الكلية.

 أمّا عن المستشار طارق البشرى فقد تحدثت معه كثيراً، وأعرِف عنه مَحبّة الله ورسوله، وأعلَم أنه يودّ أن يرى حُكم الإسلام سائداً بلا مُواربة، وقد بلغنى أنه كاد يبكى مما نشرتُ تعليقاً على قوله في الرافضة الأخابث، وقد حَكَم الرجل بشرع الله، مناقضاً القانون الوضعيّ، في كثير من قضايا مجلس الدولة إبان نيابته لرئاستها، وهو مما أكبَرَته الجماعات الإسلامية وقتها، وهو بالتحديد ما منع النظام المُتَحكّم من تعيينه رئيسا لمجلس الدولة، لكن طارق البشرى ليس بسيد قطب، ومما يجب أن نعلمَ أن هذه المجموعة من المفكرين تَصدُر عن خلفية دراسية قانونية، لا إسلامية، فهم بدؤا بدراسة القانون الوضعيّ، وتوغّلوا في تحقيق أصوله وفروعه، ومنهم من درسه على أيدى النصارى الغربيين، ثم إنتقلوا إلى الإسلام، إما رجعة إلى الله، كما أعلم عن البشرى، وإما لأنّ الشريعة جزء من القانون، وفي الحالتين، فإنه من الأصْعب علي الدارس أن يتجرّد مما عاش في ظِلاله، دراسة وبَحثاً عمره كله، ولاشكّ أنّ البشري خلّط فيما كتب بسبب ما ذكرنا، إلا أنّ ذلك لا ينتهض لتكفيره كما بيّنا.

 وكما سبق أن أسْلفنا، فإن أشنع ما صّدر عن هؤلاء في الآونة الأخيرة هو قول العوا في عدم "أحقيته" في إطلاق الكفر على القبطيّ، وأنه "لن يقول هذا القول في يوم من الأيام"، وهو من أخبثِ الردود وأجبنها في مواجهة موقف كان لله ولرسوله ولدينه فيه عليه حقّ البيان. إلا أنّ القول بذاته يمكن أن يفسّر في ظرف الموقف الذي قاله فيه على أنه قد جَبُن عن النطق بالحقيقة أمام شَاشات التلفاز خوفاً من النظام المُتحكِّم، فكان أن إدعى أنه لا حق له فيها، وأنه لا يريد أن يمارس هذا الحق في يوم من الأيام. وهذا القول بذاته مجرداً عن أية ملابسات، قول يستدعى الإستتابة والردّة، لكن على الفقيه أن يرى ملابسات الموقف ومناطه، فما يمكن أن يحتمل وجهاً في عدم الكفر توقفنا عن الحكم به، إلى أن يتبين موقف الرجل واضِحاً دون ملابسات، ولسنا في سِباق مع الزمن لتكفير العوا.

 أما عن حَسَن الترابيّ ومحمد عمارة، فقد وقعا في البدعة بلا شكّ، وهما لا ينكران أنهما سايرا المعتزلة في أقوالهما بالعقلانية وتقديم العقل على النصّ ، ولكن لمّ يُكفر السَلف المُعتزلة، سواء في إنكار حُجيُة حديث الآحاد، أو إنكار الأخبار الواردة عنها كالشفاعة وعذاب القبر، فهم من أهل البدعة لا جدال في ذلك، ومن ثم، وجب الحرص في تناول ما يكتبون فيما وافقوا فيه السنة، كما فعل أهل السنة مع بن حزم، بسبب الظاهرية التي عدّها السلف بدعة كما أورد الشَاطِبيّ.

 ما أريد ان أؤكد عليه مرة أخرى أنّ تكفير من عُرف بالإسلام أمرٌ يحتاج إلى من له قدرة على النظر الفقهيّ، ودراية متعمّقة بالقواعد الأصولية، ولا يكفي فيه معرفة التوحيد والشرك، فهذه المعرفة واجبة على كلّ مسلم، عالم وعاميّ، ومقدور عليها لكل مسلم، عالم وعاميّ، أما إيقاع الأحكام، ومنها التكفير والتبديع، فهي حقّ للقادر على ذلك من علماء الأمة من أهل السنة والجماعة دون غيرهم. ولعل من له رأي آخر من أهل العلم أن ينشرَه تحقيقاً لغرض البيانِ الواجبِ على العلماء، والساكت شيطان أخرس.

 والأغرَب أنّ من هؤلاء الشباب، مُفرّطين ومُفرِطين، من يتورع عن الإفتاء في حكم الإستنجاء إن سأل سائل فيه، لكن لا يتورع عن الحكم بالفضل والعدل لمن تحدّث ببدعة وفسق وكفر، أو بتكفير من خالف أصلاً أو تلاعب بمفهوم قبل التثبت من توفر قواعد الحُكم الشرعيّ. لكنّا قد عانينا من مثل هذا إبّان السبعينيات في مناقشاتنا مع أعضاء من جماعة شكرى مصطفي عام 1977، كما عانينا ممن تلاعُبٍ بنصوصِ الحاكميةِ وتأوّيل قول بن عباس "كفر دون كفر" في تفسير آية المائدة الذي إتخذته مرجئة العصر الحديث سنداً لدعم إرجائهم، وهو ما دعا في حينه لكتابة "حقيقة الإيمان" و"الجواب المفيد". وإذا بنا، بعد هذه الُعقود، نُراوح مَكاننا، في نفس الموقف بين الكتلتين، من فرّط في دين الله بإرجاءٍ، ومن أفرط في دين الله بتكفير.

 جعلنا الله سبحانه من أهل الطريق الأعدل والدين الوسط الأمثل. ووفق الله ابناءنا من الشباب إلى العدل والوسطية السنيّة، ثم أُذكر بقول الله تعالى: "يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّ‌ٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ" المائدة 8.

 www.tariqabdelhaleem.com