إزالة الصورة من الطباعة

مراجعات ... جيل السبعينيات!

الحال الذي وصفنا في عدة مقالاتنا السابقة عن الدعوة والدعاة، وعن حال المسلمين وواقعهم المعاصر، دولاً وأفراداً، حالٌ تتفطر له قلوب المخلصين من أبناء هذا الدين. وبعد الرضا بقضاء الله وقدره في الناس، لابد أن نعي أنّنا – بطريق مباشر وغير مباشر – سببٌ من أسباب هذا الحال، ومركبٌ من مركباته وعاملٌ من عوامله، وأقصد "بنا" جيلي من قدامى جيل السبعينيات، ويلحق بهم من هم أقرب منا بعقد أو ما يقارب ذلك. هذا الجيل الذي شهد إستشهاد سيد قطب، وشارك في الوقوف ضد حكم الطاغية عبد الناصر وشارك في المظاهرات ضده في نهاية الستينيات من القرن الماضي، "وما أُبَرِّأُ نَفسي".

 هذا الجيل، قد أتيحت له آنذاك فرصة تاريخية أحسبها لا تتكرر، وتتمثل هذه الفرصة في تلك المعادلة التي صاغها أنور السادات ليوازن بين قوى القبط في مصر، والقوى الإسلامية من ناحية، وليضرب الإتجاه الشيوعيّ لصالح الرأسمالية من ناحية أخرى. لم يرى هذا الجيل، سواء من سبق منهم من جيل الخمسينيات والستينيات، ومن لحق من جيل السبعينيات، لم يروا هذه الفرصة آتية، بل رأوها مدبرة! فلم يتعاملوا معها بحكمة وروية وبعد نظر. شُغل بعضهم بالتنظير عن الحركة، وشُغل بعضهم بالحركة عن التنظير، وآخرون بعدت الشُقة بينهم وبين السُنّة حتى خرجوا إلى حيز الخوارج، وبعضهم وسّع على نفسه ما حَدّت السنة حتى لحقوا بما هو أقرب إلى الإرجاء، وبعضهم، خَلَطَ كلّ ذلك فكان مضطربا لا يعرف أين يتوجه بدعوته. فكانت بدايات السلفيين في الإسكندرية، ثم من أُطلق عليهم التكفير والهجرة في أنحاء أخرى من مصر، ثم بذور حركة الجهاد بما لها وما عليها، ثم نوابغ شاردة من حركة حزب التحرير، ثم ما آلت اليه حركة الإخوان التي كانت دائما تتشكل بشكل المرحلة وتسعى إلى توسيع دائرة سطوتها خاصة بين طلاب الجامعة وأعضاء النقابات في تلك أواخر عقد السبعينيات وأوائل الثمانينيات، مع من انتمى إلى أهل السنة الخاصة، على ضعفِ حيلةٍ وقلةِ عددٍ، ممن حقّق المعتقد واستقام على المنهج، إذ إن الله سبحانه قد كفل وجودهم في كلّ آن.

 لم يتمكن هذا الجيل، بتياراته المتضاربة، من إستغلال المناخ المتاح وقتذاك لصالح الدعوة، لأسباب عديدة، فكان كمن حُبِس عنه الهواء فترة طويلة، ثم إذا به يواجه تياراً هوائياً عنيفاً، وإذا به يتأرجح تأرجُح الذي أصابه الدوار لا يكاد يتماسك، بُله أن يؤدى عملاً متكاملاً.

 هذه الأسباب، كما رأيتها وعايشتها، تتمثل في تلك السلبيات التي واكبت ظهور كلّ هذه الحركات، وصاحبت ضُمور بعضها، وتحوّل بعضها الآخر، منها:

 1. قلة الخبرة وسطحية العلم بالواقع:

 فإنّ ما شهده هذا الجيل خاصة كان بزوغ عدد من الجماعات التي تزعمها شباب، منهم من كان له من العلم ما يضيئ له المسالك، ومنهم من إعتسف الطريق إلى الدعوة دون علم يُذكر فتاهت به المسالك، لكنهم إتفقوا على سطحية العلم بالواقع وكيفية التعامل معه، وتحيرت خططهم بين السرية الكاملة المعتمة التي تخنق الدعوة في مهدها وتضرب أصل مفهومها الذي يمد أفرعه للخارج ولا يحرمها النور والهواء، وبين العلنية الظاهرة المتأججة التي تدع كلّ فرصة للنظام كي يتسلل إليها ويضربها في مقتل.

 2. ضعف العلم الشرعيّ السنيّ في عمومه وشموليته:

 وهو نتيجة لأمرين، أحدهما تلقي العلم عن الأصاغر، ولا أقصد بالأصاغر صغار السنّ فقط، بل وأصاغر العلم الذين صاحبهم القصور العلميّ سنين عدداً، فظنّ الناس أنهم من الأكابر، والأمر الآخر هو عدم الصبر على البحث والقراءة والتحقيق، فظهرت ثقافة الشرائط، التي حطّمت القدرة على تحصيل العلم من منابعه الأصلية الأصيلة. كذلك امتحن البعض ببعض العلم دون بعض، كما كان أمر السلفيين، الذين ركّزوا على علم الحديث، وتركوا ما وراءه، فكانوا كمن رزقه الله شجرة ظليلة مورفة تحمل ثماراً طيبة، فجلس تحتها يتمتع بالظل والبرد لكنه أغمض عن الثمار الطيبة، وهو يتضوّر جوعاً! أو من ابتلوا ببعض الحركة دون بعض كتلك المجموعة التي انتمت إلى حزب التحرير ومنهجه الذي همّه الدعوة إلى إقامة الخلافة، وغضّت البصر عمّا دعا اليه الإسلام من بناء الإنسان المسلم قبل الدولة المسلمة!

 3. تشتت الجهد وعدم مركزية العمل:

 فكانت كلّ هذه الحركات تعمل مستقلة تحت قيادة فردية تتمثل في أميرها، أو جماعية مركزية مُتسلّطة لا تختلف عن حكم الفرد المُتسلّط، ولم يكن بينها اي قدر من التآلف أو التقارب، بل كان يضرب بعضها بعضاً. وأذكر في هذا الصدد ما أحدث ظهور الطبعة الأولى من كتاب "الجواب المفيد في حكم جاهل التوحيد" والذي أخرجته وإخوة لي في عام 1978، من هجوم دعاة من على منابر مساجد الإسكندرية على الكتاب وواضعيه، ومن رميهم لمؤلفه بأنه من "القطبيين" ومن الخوارج الذين يكفّرون الناس! والله يشهد ما كان هذا قصد كتابته، ولو صرف هؤلاء بعض الوقت آنذاك في دراسته لما كان هذا موقفهم، بل ولتمكنوا من العمل سويا مع من كتبه، ولكان أعم خيراً وأهدى قصداً.

 ونحن إذ نشهدُ في هذه الآونة الأخيرة ما يسمّى بالمراجعات، لا نملك إلا أن نتساءل هل عالجت هذه المراجعات سبب هذا الخذلان؟ هل سَبَرت أسبابه وتمحّصت في مبادئه ومسبِبَاته لتكون عَلَماً للقادِم السالِك على الطريق؟ اللهم لا. فإن هذه المراجعات قد رَكّزت على ناحية واحدة من نواحى الخذلان، لدى جماعة واحدة من جماعات الساحة، وهي جماعة الجهاد الإسلاميّ. وهي، وإن كانت تحمل بعض التصحيح العقديّ من الناحية النظرية، إلا أنها شَطَحَتْ بمنظّريها وخرجت بهم من حيز القصد والإعتدال إلى حيز المساومة والتفريط. ثم الإخوان، إذ هم لا يؤمنون إبتداءاً بفكرة المراجعة ومحاسبة النفس والإعتراف بالخطأ رجاء إصلاحه، وأنه لا حاجة لمن لا يخطؤ إبتداءاً لمراجعة أو مساءلة! ثم عن السلفيين، فإن منهم ولله الحمد من هم أقرب من غيرهم قصداً وأكثرهم تعديلا للمسار، إن إختزلنا من بينهم دعاة الأنظمة ومنظرى أولياء الأمور من الجامية المدخلية، ويشهد على ذلك ما نراه من إتجاه بعض دعاتهم من تبنى الدعوة إلى الحاكمية الشرعية، بعد أن كان هذا الأمر من الممنوعات فيمن سبق من أجيالهم.

 إنه من حق الأجيال القادمة علينا أنْ يُبيّن أبناء ذلك الجيل المنصرم ما زلّت فيه مساعيهم وكيف اضطرب بهم الحال، وتشتت بهم المذاهب حتى انْصرمت أربعة عقود وما زالوا يتراوحون في أماكنهم، بل وأفسحوا المجال، لمن لا علم له ولا دين، أن يتسلل إلى الدعوة ثم يتسلق إلى مكانة لم تكن لأمثاله لولا إنفساح المجال لمن هبّ ودبّ، من رويبضات الدعاة الجدد، ومن منظّرى ومروّجى أمركة الإسلام. غفر الله لنا جميعاً.

 يتبع إن شاء الله