إزالة الصورة من الطباعة

النهضة .. بين الفكر والتطبيق -2

ذكرنا أنّ التداخل والتزاوج بين التنظير والتطبيق في مجال الإشكال الحضاريّ ...هو المفصل الأساسي الذي يربط بين الفكر والعمل ... فاعلية قوله تعالى "الذين آمنوا وعملوا الصالحات"، هو ما يجب أن تتناوله الدراسات التطبيقية لشروط ومعالم النهضة في وقتنا هذا .. وهو، فيما نرى، التحدي الحقيقي الذي تواجهه الصفوة المفكرة والعاملة في الوسط الإسلاميّ.

عوامل النهضة

وحتى تبدأ الخطوات الأولى للنهضة، ويتجه العالم الإسلاميّ إلى إعادة إنشاء الحضارة على أرضِه، وفي بقاع الأرضِ كلها، يجب أن تتحقق أمور ثلاثة: الإرادة والمعرفة والقدرة.

الإرادة التي نعنيها هنا ليست هي مجرد التمني، فالتمنى ليس من شيم أهل العمل والجِدّ، بل من شيم أهل الخيال والوهم. إنما الإرادة التي نعنيها هي تلك الإرادة المُحَرِّكة التي تدفع صاحبها الى العمل والحركة، ثم إلى التضحية والبذل. الإرادة التي تتكامل مع المعرفة وتُمَهِّدُ للقدرة. الإرادة التي دفعت عمالقة الفكر البشريّ، والنهضة البشرية إلى الإندفاع وراء ما أملته عليهم قرائح عقولهم في المحيط العلماني، أو معطيات رسالاتهم في المحيط الدينيّ، ليحققوا التغيير المنشود، كلّ حسْب ما يراه حقاً.

والمعرفة هنا هي المعرفة المحيطة بجوانب المشكلة التي يعيشها الإنسان العربيّ المسلم من ناحية، ثم معرفة ما يلزم لحلّ هذه المشكلة في جوانبها الأيديولوجية والفكرية، ثم العملية التطبيقة، وأخيراً التكنيكية والتكنولوجية لتصل بالواقع إلى النهضة المرجوة. والإرادة دون هذه المعرفة هي جهد عشوائي متخبط لا يصل إلى نتيجة ولا يستقر على منهج. والمعرفة دون هذه الإرادة هي كمّ معلوماتيّ بارد لا يرقى إلى حيز الوجود ولا يصل إلى درجة العلم..

ثم القدرة، وهي المركب الثالث من مركبات النهضة، تتعلق بالإستحواز على إمكانات النهضة من مستلزمات مادية تعين عليها، وهو الجانب الإيجابيّ البنّاء، ولكن الجزء الأهم في مركب القدرة هو إزالة العوائق التي تقف في سبيل أن تبلغ هذه القدرة مبلغها وأن تتجمع المركبات الثلاث لتحقيق نهضة فعلية على أرض الواقع لا على صفحات الكتب، وهو الجانب السلبيّ من جوانب القدرة.

ونحسب أنّ هذا العامل جزء الثاني من مركبات النهضة، وهو إزالة العوائق من طريقها، هو الأهم الأخطر في كلّ هذه العوامل، إذ إنّ الإرادة الإسلامية، على ضعفها في الوقت الحاليّ، تتأثر سلباّ وإيجاباً بتلك العوائق الداخلية والخارجية التي تعمل على إضعاف هذه الإرادة وشغلها بإهتمامات وصراعات من صراعات الحياة أدنى وأقل من أن تبنى حضارة أو أن تؤسس نهضة. كما أنّ المعرفة تقف عند حدّها النظريّ نتيجة هذه العوائق. وأما عن القدرة في جانبها الإيجابي البنّاء فهي، نتيجة هذه العوائق، تصبّ في صالح الإعاقة دون الإقامة، وتخدم مصالح الغير دون مصالح الأمة. وهذه العوائق هي ما يجب أن تركّز عليه الدراسات التطبيقية لأسس النهضة ومقوماتها، قبل أنّ تبدأ أية حركة فعالة في هذا الصدد

هذه المركبات الثلاثة تتوازى، في حقيقة الأمر، مع ما ذكر مالك بن نبيّ رحمه الله من العوامل الحضارية الثلاث ونعني بها الإنسان والوقت والتراب، وإن تداخلتا وتمازجتا في تفاعل مختلف بعض الشيئ. فالإنسان هو محلّ الإرادة ومحطّ القدرة الفاعلة، والتراب هو حاملٌ لعناصر القدرة المادية، والوقت عاملٌ مشترك لازم لتفاعل هذه المركبات عامة، ولجمع المعرفة اللازمة للنهضة خاصة.

كما أنها، هذه المركبات، تلخص ما يقدمه الإسلام، كبناء حضاري متكامل لا يلزمه أي عامل خارجيّ لتأسيس الحضارة الحقة كما بيّن سيد قطب رحمه الله. فالإسلام يبني الإرادة على أسس صحيحة للنهضة، تبغي الخير وتسعى للحق والعدل، ليس على غرار ما يُطلق عليه الحضارة الرومانية أو الإغريقية أو الغربية الحديثة، التي بنت أسُسها على السعيّ للثروة والتمكين والغلبة دون إعتبار للعناصر الأخلاقية التي تحمى مكاسب الحضارة وتوجه قوتها للخير بعامة. كما يُمهد الإسلام للمعرفة الحقّة في كلّ جوانب الحياة المادية، ويوجّه للسنن الكونية، ويرسخ المعرفة باليوم الآخر وبما لا نراه حساً ولكن نشعره وندركه قلباً وعقلاً ، كما يضع العقل الإنسانيّ في محله من الكون فلا يطغى ولا يستكبر" وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً " الإسراء 85، "يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ" الروم 21. كما يبنى الإسلام القدرة الإنسانية في كافة مناحيها فيطلق طاقاتها ويدعو أول ما يدعو إلى إزالة العوائق من طريقها فيبدأ في الشهادة بنفي الألوهية عن غير الله سبحانه، وهو ما يزيل كلّ العوائق لتتحرر الإرادة وتندفع القدرة في طريق بناء الحضارة وتأسيس النهضة.