إزالة الصورة من الطباعة

النهضة .. بين الفكر والتطبيق -1

النهضة العربية الإسلامية هي الغاية التي يسعى لها كلّ مسلم مخلص من أبناء هذه الأمة، من مفكريها وكتابها ومثقفيها، بل ومن عامتها ممن إكتوى بنار الذل والفقر والتخلف.

ويتساءل كلّ مسلم مخلص، ما الذي يقف بيننا وبين هذه النهضة؟ لماذا لم تتخذ هذه النهضة مسارها في بلادنا منذ قرنين من الزمن، منذ أن بدأت طلائع النهضة الأوروبية تتسرب إلى بلادنا حاملة ما إدعت أنه منارات العلم والمعرفة؟ أو منذ قرنٍ من الزمن، حين سقطت الخلافة التي يرى بعضهم أنها كانت سبب التخلف؟ أو حتى منذ نصف قرنٍ من الزمن، حين بدأ الإستعمارُ الخارجيّ يُخرج جنوده من بلادنا ويدعها في أيدى طائفة من أبنائها كان من المفترض أن يكونوا حامِلي مشاعل نهضتها؟

حاول الكثير من كتابنا ومفكرينا أن يدرس هذه الظاهرة ويتعرّف على معوقات النهضة وموانع التقدم، سواء بدراسة شروط النهضة التي يجب أن تتحقق لتشق طريقها في بناء الأمة، أو بدراسة ما في تراثنا الحضاريّ من مقومات النهضة وتوجيه النظر إلى ما هو متاح منها لأبناء هذه الأمة في سبيل تقدمها. وقدموا في هذا المجال ثروات فكرية رفيعة الشأن.

لم يقصّر مفكرونا في النظر والبحث، فنجد منهم مثل سيد قطب، ومالك بن نبيّ، ومحمد قطب، ومحمد محمد حسين، ومحمود شاكر، وغيرهم ممن تصدى لمعنى الحضارة وشروطها وتتبع خطوات الأمة في نهضتها الأولى، ثم في كبوتها الآخرة، بما فصّل أمر النهضة وبيّن طريقها ووضّح مسالكها.

لقد عرّف سيد قطب رحمه الله الحضارة بأنها "الإسلام"، وما عداه فليس بحضارة، فمن أراد التحضّر فليمسك بعرى الإسلام وليتتبع خطاه فيعيد الكرة مرة أخرى يوم أن أشرق نور الحضارة على البشر من رمال مكة المباركة، ورسم خطى النهضة في كتابه "معالم في الطريق"، ثم فصّله في موسوعته التفسيرية "الظلال". وبين سيد أن النهضة لن يكون لها محل في أمتنا إلا بالإسلام الذي هو الحضارة، وأن سبب تخلفنا عن الحضارة، أو تخلف النهضة عن بلادنا، هو بعدنا عن الإسلام كما أنزله الله سبحانه.

وعرّف مالك بن نبيّ رحمه الله الحضارة بأنها مزيج من عوامل ثلاثة تتمازج وتتفاعل لتكوّن حضارة ما، وهي "الإنسان والتراب والوقت"، كما ذكر في كتابه "شروط النهضة"، ثم فصّل ذلك في العديد من مؤلفاته الأخرى عن مشكلات الحضارة، حيث قرر أن مشكلة العالم الإسلاميّ تكمن في قابلية الإنسان العربيّ للإستعمار، حتى دون مستعمرٍ!

ولسنا بصدد المقارنة أو المفاضلة بين النموذجين، ولكننا نرى أنّهما معا قد قدّما أرضية فكرية تماثل، إن لم تتفوق في قوتها على ما قدمه مؤسسي النهضة الأوروبية الحديثة كديكارت وكانت، إذ إنهما قدّما اسساً لنموذج حضارى أثبت فعاليته القصوى من قبل. كما قدّم العمالقة الآخرون من مفكرينا العديد من الأفكار التي ترسم خطى الحضارة وتبين عراقيل النهضة.

إلا أنّ ذلك الجهد العملاق لم يطرح ثمراً ولم يُخضّر أرضاً حتى يومنا هذا! فما هي العلة إذن، وهل لا نزال نحتاج إلى دراسات وأبحاث تفصّل فيما كان، وما يجب أن يكون؟ أنحتاج إلى مزيد من الفكر والبحث لنعرف الطريق إلى النهضة؟

الأمر إذن في تخلف ركب الحضارة وفي تسيير عجلة النهضة في بلادنا لا يرجع إلى نقص في فهم الإشكال الحضاريّ المعاصر، أو في تحليل مكوناته، وإنما يرجع إلى القدرة على الأخذ بما بينته هذه الدراسات الشاملة في مجال التطبيق لا التنظير، ونقله من دائرة الكلمة إلى حيز الفعل. الأمر هو في مواجهة القوى التي تقف في طريق الإستفادة من هذه الدراسات الأصيلة.

والمثال الأفضل الذي نقدمه دليلاً في هذا المجال هو المثال الإسلاميّ في العصر الأول، والذي مثّل فيه القرآن أساساً نظرياً دعمته السيرة النبوية – على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - تطبيقاً على أرض الواقع، مع ما صاحب هذا التطبيق من صراع للقوى التي وقفت في طريق النور الحضاريّ القرآنيّ.

التداخل والتزاوج بين التنظير والتطبيق في مجال الإشكال الحضاريّ ...المفصل الأساسي الذي يربط بين الفكر والعمل ... فاعلية قوله تعالى "الذين آمنوا وعملوا الصالحات"، هو ما يجب أن تتناوله الدراسات التطبيقية في وقتنا هذا ..

وللحديث بقية ..