أمر نحب أن نذكّر به ونؤكّد عليه هو ذلك الإرتباط التاريخيّ والفكريّ الذي لا ينفصم بين فكرة الديموقراطية الغربية وبين العلمانية اللادينية. هما صنوان قد نشأتا في مِحْضَنٍ واحدٍ، وسبقت أحداهما الأخرى لتُمهد لها. فإن الديموقراطية في الغرب لم تظهر حتى تمّ علمنة الدولة بالفصل بين الدين والسياسة فصلاً تاماً ومؤبّداً وتنحية الكنيسة من مجال الحياة وترويضها لخدمة السياسة من ناحية، وحتى عَمِلَ هذا الفصْلُ عمله في القضاء على القيم الدينية والأخلاقية لمسيحيّ الغرب، وهو ما عاونت عليه اليهودية الصهيونية من خلال السيطرة على الإعلام و"الفن" السنيمائي "الهوليووديّ" Hollywood وعلى المؤسسات المالية الكبرى من ناحية أخرى.
بعد أن تمّ ترويض القاعدة الجماهيرية المسيحية الغربية وركونها إلى المفهوم العلمانيّ الذي يحصُر الدين في قدّاس الأحد، وقبولها بالحرية الطليقة غير المشروطة أو المقيدة بقيود الدين والخلق، والرضا بتطبيقاتها، مثل فكرة حقّ المرأة في تعرية جسدها وإطلاقها تداعب غرائز الشر في ذاتها وفيمن حولها! أو قبول اللواطية والشذوذ كوضع واقعيّ له قاعدته الجماهيرية التي لها حقّ في الفكر الديموقراطيّ مهما ضؤلت هذه الفئة! أو السماح للمذاهب الكفرية بالدعوة لنفسها، فبعد أن تمّ ترويض القاعدة الجماهيرية لم يعد هناك حرج في إرجاع الأمر للجماهير المُرَوّضة المُضَللة تختار ما يتراءي لها، إذ تمّ تحديد إتجاه بوصلتها سلفاً ولم يعد هناك خوف من الرجوع إلى القيم الدينية، لحماية ذلك بقوة الدستور. ومن هنا نفهم الواقع الحاليّ الذي نرى فيه الغرب كافة يدعو إلى الديموقراطية في بلاد الإسلام في جهد متوازٍ لهدم الخُلق والدين. فالديموقراطية، إذن، هي وليدة هذا المنبت اللادينيّ، تَحمِل في أصلِ تكوينها قبول كلّ ما له قاعدة جماهيرية، والشر والفساد لن يعدم النصير في كلّ زمان أو مكان. لهذا نرى الجهد الذي تبذله السلطة في طيّ المؤسسة الدينية تحت جناحها وتشجيع الإعلام الفاسد و"الفن" الساقط.
وهذه الجهود وتلك المحاولات، رغم قوتها وشراستها، لم تثمر حتى الآن، لأن العلمانية في بلادنا أسفرت قبل أن يتم ترويض القاعدة الجماهيرية المسلمة ترويضاً تاماً مثلما حدث في الغرب المسيحيّ. وأودُ أن أنبّه هنا أنّ الأقلية النصرانية في بلادنا مدينة ببقائها للبيئة الحضارية الإسلامية المحافظة التي منعت قوتها من ترويضهم وحفظت عليهم دينهم وتقاليدهم أن يتّبعوا نصارى الغرب في فقدان قاعدتهم الدينية، وهو ما يريده بهم من يسمون أنفسهم "أقباط المهجر" والذين لا يكيدون فقط للمسلمين في شرقنا، بل للأقلية النصرانية ذاتها التي يدّعون الحرص على حقوقها.
ولا يفهمنّ أحدٌ أنّي أنْصُر الديكتاتورية التي تتحكم في البلاد والعباد، بل هي تستوى، في بغضى لها، بالديموقراطية الغربية التي أعرف حقيقتها ومآلها. ولا يعنى رفْض الديموقراطية القبول بنقيضها على الإطلاق. بل أوجّه النظر إلى ما أتي به الإسلام من مذهب الشورى القائمة على ثبات المبادئ الدينية العليا ورفض ما عداها إبتداءاً وإن تبنته فئة ضالة خارجة عن الشرعية الجماهيرية العريضة.
من هنا فلا أدرى كيف يقبل من يقبل من الإسلاميين، كالإخوان، بالدعوة الديموقراطية، التي بانت لنا حقيقتها، والتي هي كما ذكرنا، صنو العلمانية. إما أن يكون هؤلاء من الذكاء بحيث يخادعون النظام وهم يعرفون خطر الديموقراطية وزيف قاعدتها، أو أنهم مخدوعون، هم وكلّ من يناصر هذا المذهب، دون تحقيق لهويته وإرتباطه الذي لا إنفصام له بالعلمانية. والويل كلّ الويل لمن يريد أن يمسك العصا من وسطها فيما يتعلق بقضايا الهوية والمصير.