الأمر الآخر الذي ضلّ فيه الخوارج، خلاف قضية الحكم بالشريعة وأبعاد التوحيد وموقع المعاصى منه، وتشابه هذا الضلال على المسلمين في عصرنا هذا فخلطوه بما صحّ من مذهب أهل السنة والجماعة، هو قضية السمع والطاعة لولاة الأمر.
فقد عُرف الخوارج بأنهم خرجوا على عدد من خلفاء المسلمين بناءاً على مذهبهم في تكفير العاصى، تعويلاً على أن بعض هؤلاء الحكام كان يرتكب المعاصى، كشرب المحرمات، أو إستماع الأغاني، وقضاء الليالي سهراً على السماع والرقص، فكفّروا فاعلها، رغم أن هؤلاء الخلفاء من الأمويين والعباسيين، رغم ما إرتكبوه من معاصى فردية، حافظوا على شريعة الله فحكموا بها، وظلت هي المرجع الأوحد في أقضايتهم، وإهتمامات دولتهم، إلى جانب ما عُرفوا به من إنتصار للإسلام والبراء من الكفار والجهاد في سبيل الله وتوسيع الفتوحات لنشر العدالة والمساواة بين الناس. ولعل ما روى من واقعة العز بن عبد السلام مع السلطان نجم الدين أيوب توضح ما قلنا من سيطرة الشريعة في أرض الإسلام: "تقدم الشيخ إلى السلطان، وناداه باسمه مجردًا، وقال: يا أيوب، ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوئ لك مصر، ثم تبيح الخمور؟ فقال السلطان نجم الدين أيوب: هل جرى هذا؟ قال الشيخ: نعم تباع الخمور في الحانات وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة، وأخذ الشيخ يناديه بأعلى صوته والعساكر واقفون. فقال السلطان: يا سيدي هذا أنا ما عملته، هذا من زمان أبي. فقال الشيخ: أنت من الذين يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة..فأصدر السلطان أوامره بإغلاق تلك الحانات، ومنع تلك المفاسد".
ومذهب أهل السنة والجماعة يرفض موقف الخوارج ويبدّعه، فالخلفاء الذين خرج عليهم الخوارج لم يرتكبوا ما يخدش التوحيد، كما شرحنا في مقالنا السابق، فلم يبدلوا الشرع، ولم ينشؤوا شرعاً موازياً يناقض شرع الله سبحانه، يخضّعوا له الناس ويحكموا به فيما بينهم كما فعل بنوا إسرائيل حين إشتد عليهم حكم الزنا، فاستبدلوه بالجلد والتحميم (راجع تفسير الطبريّ وفيره في تفسير المائدة)، وإن تركوه مدوناً في توراتهم! فأهل االسنة لا يخرجون على الحاكم العاصي أو الفاسق لما صحّ في ذلك من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس لضعف فيهم وإستسلام كما يدعي بعض اعداء السنة، بل لحفظ الجماعة وقوتها من أن تتبدد في القتال الداخليّ، طالما أنّ هؤلاء الحكام يقيمون فيهم دين الله الذي جاء عنه الحديث "ما اقاموا فيكم الصلاة"، أي الدين شرائعه وشعائره كما ذكر علماء الحديث.
من هنا جاء خلط بعض منتسبي أهل السنة ممن دخلت عليه جراثيم الإرجاء، فسووا بين الحاكِمَيْن، حاكم يعصى ويفسق مع قيام الشريعة حاكمة عليه وعلى الناس كمرجعية واحدة لا تتعدد، وحاكم بدّل الشرع وحكّم في الناس شريعة وضعية بشرية علمانية – كما يسمونها! – وإختار من الشرع ما لا يهدد وجوده ليتمسح به في الإسلام، وليدرأ عن نفسه ظاهر عداوته له. وفي هذه الحالة الأخيرة، يكون الخروج من عدمه خاضع لمقياس آخر من مقاييس الشريعة، في باب المصالح والمفاسد، وإعتبار مآلات الأمور، مع ثبوت الحكم الشرعيّ الأصلي في حالته.
الأمر انّ مكرَ الليل والنهار، وانتشار الفسق والعِهار، وتلوث النفوس والأفكار، بالوارد من ثقافات "الربا والزنا"، وتشجيعها ممن فقدوا دينهم ممن هم من جلدتنا ويتحدثون بألسنتنا، خَلَطَ في عقول المسلمين مفهوم التوحيد، وجرّده من عنصر الطاعة العامة اللازمة ليتحقق وصف "الإسلاميّ" على المجتمع، أو "الدار" بتعبير القدماء، كما بينته ونصّت عليه أقوال أعلام الفقه في تاريخنا كله.
لقد صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" رواه أحمد، وهو عام في طاعة الزوج، والاباء، والحكّام، والحديث في المعصية، لا في إستبدال الدين، فكيف بمن بدّل الدين وتواضع على مقررات البشرّ.
ويجب التنبيه هنا إلي أنّ تبديل الدين لا يعنى تغيير النصوص ورفعها من القرآن، كما في رواية بني إسرائيل السالفة، بل في جعل غيرها مرجعاً وقانوناً عاماً يسرى على الناس دون شرع الله سبحانه، مهما كانت الأسباب التي يبتدعونها لذلك، والتي يسكت عنها، بل ويدعمها فقهاء السلطان ممن باع دينه بالبخس من المنصب والجاه.
الأمل الوحيد الذي يجب أن يفيق إليه أهل الدعوة هو إعادة فهم التوحيد الصحيح في عقول أبناء الأمة، حتى – كما يصف أحد علمائها من أساتذتنا – أطال الله عمره – نصل إلى "إحياء الأمة".