إزالة الصورة من الطباعة

لنكن صرحاء – عن واقعنا الجاهليّ (3)

اتفقنا على تعريف الجاهلية، وسلمنا بأن المجتمع المصري خاصة والعربي عامة يتألف من طائفتين، غالبية ارتمت في أحضان الجاهلية، بعلم أو بجهل، وطائفة تمسكت بدينها وبسنة رسولها صلى الله عليه وسلم، على إختلاف في قراءاتها للواقع من ناحية وإختلاف في توليها لمذهب السنة والجماعة. ومن المهم هنا أن نؤكد على أنّ النفاق – بإعتبار أنه إظهار ما يخالف الباطن – لم يعد له وجود حقيقي في عالم اليوم، إذ انتفت الحاجة اليه، بل إن الحاجة اليه قد انتفت منذ قال حذيفة رضى الله عنه، "إنما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما الآن فإيمان أو كفر"، وصدق حذيفة، فإن الكثير ممن إنخلع عن الإسلام طاعة وإتباعاً، وتعلق به إسما وعنواناً، وردد مقالات الكفر وردّ الشرع الثابت، لم يدّع الإسلام كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، بل تمسك بالإسم ثم تمرد على الحق. وهؤلاء كثير كثير ممن نرى على شاشات التلفاز، ونسمع على موجات المذياع، وهم ليسوا منافقين إذ إنهم يظهرون ما يبطنون، وما يظهرونه هو إذدراء الشرع الحنيف ونفي مقرراته على أنها ليست من الشرع!

ثم يأتي السؤال/ ما هو الحل؟ ماذا نصنع للخروج من هذه الأزمة الحضارية الجاهلية؟ وأكذبكم القول إن إدعيت أنّ هناك حلا سريعا أو بسيطا أو سهلا لهذه الورطة التاريخية، بل الأمر معقد أشد التعقيد، صعب أشد الصعوبة، والحلّ يحتاج إلى وقت وجهد وفكر وتخطيط وقبل ذلك ومع ذلك وبعد ذلك يحتاج إلى العلم بالشرع، والتقوى والإخلاص.

وقد حاولت جماعات عديدة طرح حلول مختلفة متعددة خلال العقود التي تلت سقوط الخلافة العثمانية، ولكن هذه الحلول لم تستطع أن تنتشل المسلمين من الهاوية ولم تقدم لهم رؤية شاملة عامة قادرة على التغيير، بل قدمت كلها مساهمات محدودة في المجال الذي رأته مفتاحاً للتغيير، من ذلك الحلّ السياسيّ الذي قدمته ابتداءاً – ولا تزال - جماعة الإخوان، ثم حزب التحرير، على إختلاف بيّن بين الرؤيتين، والحل العسكريّ الذي قدمته الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد في السبعينيات وبعدها، والحلّ العلميّ الذي قدمته جماعة السلفيين وأهل الحديث، وحلّ "قل كلمتك وامش" أو "الدعوة السلبية" الذي قدمته جماعة التبليغ والدعوة.

والعناصر المختلفة التي إجتمعت في هذه الحلول "الجزئية" هي أجزاء من كلِّ إسلاميِّ عامِّ شامل، وهو ما يضع لنا أساساً للعمل الناجع ويرسم لنا صورة للتحرك المجديّ لا العشوائي. العمل الذي يمكن أن يرتفع فوق أمواج الجاهلية العاتية التي تتلاطم في جنبات المجتمع يجب أن تتوفر فيه عناصر محددة، ولأن تتوفر في القائمين عليه صفات خاصة، وفي أعضائه والمنتسبين له ولا يصلح أحدهما دون الآخر كما لا تصلح الجراحة دون تحديد الموضع المصاب ودون مهارة الجراح، وسلامة ادواته على حدّ سواء.

والعناصر التي نحسب أنها لازمة للعمل الإسلاميّ هي الشمولية، العمومية، الشفافية، المرحلية، الواقعية. وكلّ عنصر من هذه العناصر يندرج تحته عدد من الأولويات والمفاهيم التي توجهه وتحدد مساره.

كما أنّ الصفات التي يجب أن تتوفر في القائمين على هذا العمل هي الإخلاص لله ولرسوله، والعلم بالشرع الحنيف علماَ دقيقاً مستوعباً، النصح للمسلمين عامتهم وخاصتهم، العلم بالواقع على حقيقته، الحسّ بالمسؤلية، الصبر والمثابرة، الزهد السنيّ في الدنيا، ثم التوكل على الله سبحانه

أما صفات الأعضاء والأتباع فهي لا تختلف عن صفات القيادات إلا في الدرجة والكمّ لا في النوعية والكيف.

وسنأخذ في شرح هذه الصفات والكيفيات إن شاء الله تعالى