إزالة الصورة من الطباعة

لنكن صرحاء – عن واقعنا الجاهليّ (2)

مما يجدر التنويه به هنا أن نؤكد على معنى الجاهلية إذ إن الإتفاق على هذا المعنى ضرورة لتوحد النظر في تقييم الواقع ومن ثمّ في تحديد المطلوب لتغييره. ولا نحسب أن المحاولات الإسلامية على مدى العقود الماضية قد فشلت في تحقيق تقدم حقيقيّ في تغيير الواقع إلا لعدم تحديد وفهم هذا المعنى أولا ثم التعامل معه ثانياً. وإنه لأمر معلوم بالضرورة أنّه حين لا يتماثل مريض للشفاء وتتطاول مدة مرضه مع تعاطيه الدواء الموصوف فلابد للطبيب أن يراجع تشخيصه وتقييمه للمرض ومن ثم لتبديل وصفة الدواء الشافي.

فالجاهلية ليست فترة تاريخية مرت بالبشرية قبيل عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ولّت إلى غير رجعة! بل الجاهلية هي حالة إجتماعية كانت ولا زالت تعيش فيها البشرية ما دامت ليست خاضعة لشريعة الله، أفراداً ومجتمعات. الجاهلية حضارة – إن صح إستعمال التعبير - لها مقوماتها وعقائدها ومواقفها التي تتلائم مع تلك العقائد والمقومات.

فجاهلية تقوم على فكر شيوعية المصادر والموارد حسب ما عقد لها ماركس ولينين من عقيدة تنكر الخالق، كما هو حال الصين وروسيا، وجاهلية تقوم على تأليه الملكية الفردية والتحرر من القيود الإجتماعية والخُلقية وتمجيد الرأسمالية حسب ما قدم اليهود للغرب من فكر ربوي وخراب خُلقيّ في القرن السالف، مع بقايا مسحات من الكتب السماوية المحرفة، لا تأثير لها في خلق ولا واقع، كما هو حال المجتمعات الغربية بعامة، قال بن تيمية في إقتضاء الصراط المستقيم:" فقوله - في هذا الحديث: " ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية " - يندرج فيه كل جاهلية، مطلقة، أو مقيدة، يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، أو صابئة، أو وثنية، أو مركبة من ذلك، أو بعضه، أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية، فإنها جميعها: مبتدعها ومنسوخها، صارت جاهلية بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان لفظ " الجاهلية " لا يقال غالباً إلا على حال العرب، التي كانوا عليها، فإن المعنى واحد".

وجاهلية مركبة إختلطت فيها شُعَبٌ من الجاهليات السابقة مع بعض من مقومات العقيدة الإسلامية ومظاهرها، تعمل في حياة بعض أفرادها وإن لم يكن لها أثر في توجيه الحياة الإجتماعية بعامة، كما هو حال مجتمعاتنا العربية في أرض الإسلام. وهذه الجاهلية تنتسب لجاهلية الغرب في الخُلُق والمظاهر، وإن تخلفت عنها في روحها العلميّة التقنية، وما ذلك إلا لأنها جاهلية مستوردة طارئة لا تنبع من وجدان الأفراد وعاداتهم المتوارثة المتجذرة في كيانهم على مرّ القرون الخمسة عشرة السالفة.

وقد ذكرنا إنقسام المجتمعات "الإسلامية" الحالية إلى غالبية إتخذت الجاهلية الصرفة رداءاً وموقفاً، ظاهرا وباطناً، وإلى أقلية إحتفظت بدينها، وبما يملى عليها هذا الدين من مواقف من الأحداث والأفكار والأشخاص التي حولها، على إختلاف فهمها لهذا الدين وإتباعها له. وحذرنا من خلط هذا التقييم للواقع الحاليّ بموضوع التكفير الذي إعتادت السلطة، وأذنابها من علماء السلطان الرسميين أنّ يخوفوا به الناس حتى يصرفوهم عن تقييم واقع الجاهلية الحديثة ومن ثم قبوله على أنّه واقع "إسلاميّ" يحتاج إلى بعض التعديل على أكثر تقدير. ولكن الجاهلية المطبقة التي تسيطر على الواقع الحاليّ تأبى إلا أن تفرض نفسها على كافة المستويات في الإعلام والفكر والإقتصاد والسياسة والإجتماع