إزالة الصورة من الطباعة

"سيدُ قَرارِه" بين الوعي السِياسيّ وقراءة الواقع

لا زِلتُ أؤكد أنّ مُشكلة الحَركاتِ المُعارضَة في مصر، وعلى رأسها حَرَكةُ الإخوان، هي مُشكلة ضَعف الرؤية في قِراءة الواقع، مما يَسَبِّب هذا الخَلل العَميق في الوَعيّ السِياسيّ وما يجب أن تتخذه هذه الحركات من خطوات، في وقت محدد، لا أن تفيق بعد حدوث الكارثة ووقوع المحذور. وقديما قالوا "إن الحَصِيفَ هو من يرى الأزمَةَ وهي مُقبلةٌ لا من يراها وهي مُدْبِرَة"، إذ أيّ ذكاءٍ وحَصَافة يحتاجها المرءُ لإدراك المصيبة بعد وقوعها! وهذا بالضبط ما حدث في موقف هذه الحركات قبل الإنتخابات، إلا البرادعيّ، لخبرته ومعرفته كيف تعمل هذه الأنظمة. لم ير منهم أحد أنّ النِظَام المُتَحَكِّم لن يسمح بأي فوز، على أي مستوً، لأي جماعة خارجة عن إطار عِصَابته الحاكمة. وقد كان الأجدر بها، كلها، أن تقاطع هذه الإنتخابات، إن لم يكن على خلفية عقدية كما هو الأصل، فعلى خلفية واقعية وبمنطق الوعيّ السياسيّ المطلوب لمن يريد خوض هذه اللعبة المسرحية.

وقد نَشَرْتُ في 20 مارس من هذا العام مَقالاً خَلُصْتُ فيه إلى أنه لا باس من أن يقف الإخوان جنباً الى جنبٍ، لا من وراء، البرادعيّ، للتخلص من هذا النظام، إذ إنه الأسوأ ولا شك في هذا، والشرع يوجّه إلى إحتمال المفسدة الأقل سوءاً لدرأ المفسدة الأعلى، (راجع مقالhttp://www.tariqabdelhaleem.com/new/Artical-407 . )، وقد هاجَمنى بعضُ الإسلاميين بعدها، إذ قالوا إن االبرادِعي ليس أقلُ سوءاً من النظامِ الحاكمِ، وهو خَطأ واقعيّ، وإن كان صَحيحاً من الوجْهَة الشَرعية، فالبَرادعيّ لم تَنبُت له أظَافِر بعد، ولم تنمو له أذرعة الأخطبوط التي أحكمَ بها النِظَام المُتَحَكِّم الخناقَ على العبادِ في الخَمسِين عَاماً السَالفة، ويمكن أن يُحَجّمَ خطره بالمهارة في التَعامل مع الواقِع الجديد، بدلا من الغَفْلة التي تعامل بها الإسْلاميون جميعاً مع النِظام العَسْكريّ منذ إنقلاب 52. ويبدو أنّ هذا هو ما رَجِعت اليه الإخْوان بعد أن تبيّن لهم سُوء رَأيهم وخَطأُ إجتِهادهم.

إلا أنّ الأمرَ ليس أمرُ البرادعيّ، وليس أمرُ الإلتجاء إلى القضاءِ لحلّ "سَيدُ قَرارِه" (وهو ليس اسم شخص كما يظهر، بل هو، لا مؤاخذة، البرلمان كما أطلق عليه منظروا الحزب المُتَحَكِّم)، ومن ثمّ إعادة الإنتخابات، فأولاً، قد أعلن حسنى مبارك رئيس النِظَام المُتَحَكِّم بنفسه أنه يثق في العملية الإنتخابية وأنه لن يكون هناك إعادة لها، ثمّ، ثانيا، وهو الأهم، أنه من الوَهْم العاَبث والغَفلة المُركّبة أن يظنَ أحدٌ أن الإنتخابات المُعادة ستجرى بغير ما جرت عليه الأولى. كلّ ما يمكن أن يَحدثَ هو أن تنخفض نِسبَةُ الوطني من 95% إلى 82%، وأن ترتفع نِسبة الإخوان والوفد إلى 16%، مع 2% لبقية أحزاب الديكور. وهذا السيناريو، وإن كان وَهماً من الأوهام، إلا إنه سَيرسّخ أوتاد النِظَام المُتَحَكِّم أكثر مما هي عليه الآن، إذ ستكون شرعية "سَيدُ قَرارِه" لا شك فيها، مع إحتفاظه بأغلبية أقل إستفزازاً من الوضعِ القائم في "سَيدُ قَرارِه" الحاليّ.

الأمرُ، وهو ما تدّلُ عليه الأوضَاع القائمة وفهمُ الواقع، أنّ أيّ تَعاملٍ مع النظامِ الحَاليّ لن يكون له نتيجة، أيّا كان شَكل هذا التعامل أو طبيعته. ونحن، مع إختلافنا مع البرادعيّ ايديولوجياً وعقدياً، في المشرب والمورد، إختلافاً تاماً كإختلاف الإسلام مع العلمانية، إلا إنه من الحقّ ان نقول أن الرجلَ أبعدُ الكلّ نظراً وأصوبُهم نُصْحاً، إذ نَصح بالإنسحاب حين كان الإنسِحَاب الجَماعيّ هو الطريق الأمثل، ولا يزال يدعو إلى العِصيانِ المدنيّ وخروج الناسِ إلى الشارع، وهو ما تتجنّبه الإخوان وغيرِهم من أحزابِ المعارضة، وهذا العصيان هو الأمل الوحيد في التخلص من هذه العصابة كافة دون "دلاديل" كما تقول العامة.

لن تجدى هذه التظاهرات المئوية شَيئاً، إلا مزيداّ من إظهَار ضَعفِ المُعارضة وقلة مُسانديها، فإما أن تكون هناك وقفةٌ شَعبية عَارمة تُخَطِّط لها المُعارضة، ولا تجبن عنها قياداتها، بما فيهم الإخوان، وإما أن تَسلك الإخْوان طَريقها الدَعوى نَحو بِناء الإنْسان كما اشرنا من قبل.

صورة من مفكرة الإسلام