إزالة الصورة من الطباعة

د. محمد عمارة وأحاديث الآحاد

اطلعت على مقال الدكتور محمد عمارة المنشور في المصريون بعنوان "الإسلام عقيدة وشريعة" بتاريخ السابع من أكتوبر 2008، فاشتممت منه العجلة وكأنه كتب للرد السريع على القول الذي "يهرف به الذين لا يعلمون". ولكن ما شدّني إلى هذا المقال هو الباعث على كتابته في هذا الوقت بالذات، فإن هذا الأمر قديم قِدم المعتزلة الذين تولوا كبره أول الأمر ثم تبعهم من تبعهم من المتكلمين من الأشاعرة كابن الباقلاني والغزالي والجوينيّ وبن عقيل وغيرهم، وتابعهم عليه من المُحْدَثين من إعتمد أسلوب المتكلمين في فهم الحجج القرآنية سبيلاً.

وما أريد أنّ أبينه للقارئ الكريم أنّ دعوى الإجماع العريضة التي نقلها الدكتور عمارة عن الشيخ شلتوت رحمه الله تعالى هي دعوى غير صحيحة وكان من الأوفق – مع علمه وفقهه - أن يتريث في نقلها ونصرتها، فقد خالفها من العلماء الأجلاء من أهل السنة والجماعة، الذين وقفوا بالمرصاد لما حاولته المعتزلة من أتباع العقلانية الفارغة، من لا يحصى، وقد نقل بن القيم إجماع السلف – خلافاً للمتكلمين والمعتزلة – على أن خبر الواحد الصحيح الثابت يفيد العلم اليقينيّ، كما نقله عن شيخ الإسلام بن تيمية، قال في مختصر الصواعق المرسلة (2/372 ) نقلا عنه: " وأما القسم الثاني من الأخبار فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل ونحوه ، ولم يتواتر لفظه ولا معناه ، لكن تلقته الأمة بالقبول عملا به وتصديقا له …....فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد من الأولين والآخرين ، أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع" وذكر بن القيم في نصر هذا القول 21 دليلا فليرجع إليها الدكتور عمارة.

وليس أجلّ في المُحَدثين من إمام المحّدثين الشيخ أحمد شاكر في الذي قال في ص30 من الباعث الحثيث: "والحق الذي ترجحه الأدلة الصحيحة ما ذهب إليه ابن حزم ومن قال بقوله من أن الحديث الصحيح يفيد العلم القطعي سواء أكان في أحد الصحيحين أم في غيرهما، وهذا العلم اليقيني علم نظري برهاني لا يحصل إلا للعالم المتبحر في الحديث، العارف بأحوال الرواة والعلل، وأكاد أوقن أنه هو مذهب من نقل عنهم البلقيني".

ولا أريد أن تكون هذه الكلمة محلّ نقولات عن من صحح القول الأصليّ الأصيل بأن الحديث إن صحّ أوجب العلم اليقينيّ ولكن يكفي بيان خطأ دعوى الإجماع التي استند عليها الدكتور عمارة للرد على من ظنه يهرف بما لا يعرف!

وأمر حجية حديث الأحاد في العقائد هو أمر مبتدع أصلاً أدى اليه منهج الفلاسفة وأصحاب المنطق – المزعوم – وإلا فلا فرق عقلا فيما يوجبه القول إن صحّ ثبوتا ودلالة من طريق قطعيّ وما صحّ من أكثر من طريق، وسؤالي إلى الدكتور عمارة: وماذا إذا إعتمد من كفر من أهل قريش ومن بعدهم إلى يومنا هذا على هذه الحجة ووقف بين يديّ الله سبحانه فقال: "ولكن يا ربّ قد وصلنا خبر الإسلام والتوحيد والعقيدة كلها من محمد – صلى الله عليه وسلم – وهو خبر واحد لا جدال في ذلك" فهل يا تري كانوا بهذا قد أقاموا الحجة على الله سبحانه وهو القائل "فلله الحجة البالغة"؟ ويا ترى حين أرسل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مبعوثيه إلى اليمن والعراق والشام وغيرها من البلدان فرادى يبلغون أهلها رسالات الله، ترى هل نبـّه عليهم – فيما يرى الدكتور عمارة – أن لا يتحدثوا اليهم في شأن العقائد؟ واين ثبت مثل هذا التنبيه؟

ثم أليس فارق كبير بين أن تكون العقيدة صحيحة يجب على المسلم المسلّم بحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يؤمن بها وبين أن يقف على جرف هار ينجو به من الكفر إن أنكرها؟ فمما ذكره الدكتور عمارة من أنّ منكر حديث الآحاد لا يكفر، أنريد للمسلم أن يقف بين يديّ الله سبحانه هكذا على حرفٍ "بالكاد" سَلِمَ من الكفر! ألا نريد للمسلم منزلة عند الله سبحانه أفضل وأرفع من ذلك؟

إن هذا القول يضرب بعمق فيما استقرت عليه عقائد الكافة، عامة وعلماء، الذين توارثوها جيلا بعد جيل كعقيدة عذاب القبر والصراط والميزان والورود على الحوض وغير ذلك، فلعلّ الله أن يحمى هذه الأمة من الفتن والمكائد.