إزالة الصورة من الطباعة

"الوَسَطيّةُ المُحْدَثَةُ" وأثرُها الضّارُ على دينِ الأُمّة

لا شَكّ أنّ مَفهوم "الوَسَطِيّة" يقع في القَلبِ من صِفَات هذه الأمّة الإسلامية، إذ وصَفَها الله سُبحانه بذَلك في قَوِله "وَكَذَ‌ٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًۭا"البقرة 143. وقد تَمَثلت هذه الوَسَطِيَّة في أن الإِسلام قد جَمَع بين القُوةَ والرَّحمة، وبين العِقاب والمَغفرة، وبين الجهادَ بالسَيفِ والدعوة بالموعِظةِ، وبين العِلم والعَمل، والرَغبة والرَهبة، والرَجاءُ والخَوفُ، وبين كلّ طَرفيِّ خيرٍ يَسمَحُ بإلتقائهما الخُلُق الإنسانيّ والإسْتطاعِة البَشريّة. فالله سبحانه وتعالى قال: "غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ" غافر3، فجَمع بين المَغفرة والتوبة وبين شِدّة العِقاب والطَول. كما قال سبحانه: "وَقَـٰتِلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةًۭ كَمَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ كَآفَّةًۭ "التوبة 36، وقال سبحانه "ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ" النحل 125، قال عز من قائل: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ"الزمر 9، وقال: "وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ" التوبة 105، وقال تعالى: "أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ"الإسراء 57.   

وهذه الوَسَطِيَّة من أهم أُسُسِ الإسلام وأبرَز مَفَاهيمه، إذ تقوم على أسَاسِها تَصرُفاتِه عِبادةً ومُعاملةً، مع الخَالق والمَخْلوق، فلا هو يَقنَطُ من رحمة الله قُنوطاً مُهلكاً كما فعلت الخَوارج، ولا يَأمَلُ في رَحمةِ الله أمَلاً مُردياً كما فَعلت المُرجئة، ولا يزهَد في كليهما فيدعى المحبة الخالصة دون الخوف والرجاء كما فَعلت الصوفية البهاليل كَذباً. ثم المُسلم يُميّز بين مصلحتيّ القِتال والحِكمة والمَوعظة الحَسنة لنَشرِ الدَعوة، فكلاهما مطلوب في ظروفه المتاحة، لا يُنكر احدهما ولا يغلّب الآخر، بل كِلاهُما له حِينه ومَجَاله.

وقد أفرَزت هذه الوَسَطِيَّة، كما نوّهنا، العَديد من المَفَاهيم والقَواعِد الإسلامِية التي تحفظ على الإسلام تَوازُنه، فلا تنحى به مَنحى الإرْجاء ولا الخُروج، وتَحْفَظُه من عَقلانية الإعتزال البِدعِيِّ، ومن بَاطِنية التَصَوف البَهلوليِّ. كما رجّحَت بين مُفْرَدات الفِقه في صَالحِ اليُسر المَضْبوط بضَوابِط الشَرع دون العُدوان على الحُدودِ التي سَنّها الشَارعُ كضوابِط للمَصالح الإنسانية العليا وتوازنها بين أغراض الدنيا والآخرة.

ولسنا بصَدَد التفصِيل في هذه القَواعد الأصُولية والمُفردات الفِقهية، وإنما قصدنا إلى التعريف بما تعنيه الوَسَطِيَّة الشَرْعِيّة إجْمَالاً في مقابل الوَسَطِيَّة الحَداثِيّة التي رَخَمَتْ علي الفِكرِ الإسلاميّ بإجتِهَاداتِها وأعْيَته بمفاهِيمِها خَاصّة في العِقد الأخير من الزَمن.

وقد نشأت بذور هذه الوَسَطِيَّة الحَداثِيّة، الداعية بإسم الوَسَطِيَّة خاصة، في أواخر القرن الماضي، وإن كانت مفاهيمها تتأرجح بين المدارس الفكرية التي نشأت عقب إنتهاء المرحلة الأولى من رِحلة "الإخوانُ المسلمون" في مَدخل الخمسينيات من القرن الماضى، مُروراً بمأساة سيد قطب رحمه الله تعالى في الستينيات، وما أعقبها من ظُهور جماعات التكفير في السَبعينيات من ناحية، وتَصاعد الضغط الأمنيّ على الجماعات الإسلامية في الثمانينيات.

وكانت الشخصية الأكثر تأثيراً في ظهور هذه الوَسَطِيَّة الحَداثِيّة هي شَخصِية الشيخ يوسُف القَرضَاوى. وتابعه على تلك المفاهيم التي نشأت عن هذه الوَسَطِيَّة الحَداثِيّة عدد من "المفكرين الإسلاميين"، منهم محمد سَليم العوا ومحمد عمارة وفهمى هويدى، على إختلاف في منازعهم ودرجة تأثرهم يالقرضاوى، ووافقهم على كثير من تلك المفاهيم وزاد عليه عددٌ آخر من أمثال حسن التُرابيّ وراشِد الغنُّوشي. وقد ضربنا الذكر صفحاً عن ذكر عدد من صِغار هذه المدرسة لضَعف أثرِهم، وقِلة آثارِهم.

وإنّ من أهَم الأهداف الشَرعِية المُلزِمة لمن دعا إلى الله على بَصيرة، انْ يُصحّح الصَحيح ويزيّف الزائفَ في باب المَفاهيم والقواعد، لما لذلك من أثرٍ ضارٍعامٍ شاملٍ، ينحرف بالفِكر الإسلاميّ عن مَساره الذي رَسمه الله سبحانه له، كما قال الدكتور العلامة عبد الكريم زيدان رحمه الله في كتابه "نَظرية التَجديدِ في الفِكر الإسلاميّ "إنّ تصحيح مَفاهيم  المُسلمين عن طَريق إزالة ما طَرأ عليها من خلل مهم جداً وضرورىّ، لأن تصرفات الإنسان مرتبطة بنوع مفاهيمه التي تشغل باله ... وإذا كانت أفعال أي إنسان مرتبطة بمفاهيمه، فإن هذا الإرتباط بين الإنسان ومفاهيمه بالنسبة للمسلم مسألة مهمة جداً .. ومن المستحيل أن يكون ما يصدر عن المسلم من تصرفات وأفعال مقبولة شرعاً إذا كان وراءها مفهومٌ فاسدٌ يخالف مفاهيم الإسلام" نَظرية التَجديدِ في الفِكر الإسلاميّ ص23.

ومن ثم، فقد أصْدَرنا عَدداً من المَقالات التي تناولنا فيها بعض أعمال ومقالات عَدد من هؤلاء المُفكرين الإسلاميين، ونَاقشنا حُجَجهم وبيّنَّا خطأهم وصوابهم فيما ذهبوا اليه. إلا أنه من المفيد أن نُناقش تلك المفَاهيم في موضع واحدٍ، والتي إجتمعت عليها هذه الطَائفة من أصحاب الوَسَطِيَّة الحَداثِيّة لتكون واضِحَةً لمن أراد أن يَتَحَسّس الطَريقَ إلى النَجاةِ، وأن يتلمّس السَبيل إلى مَنهج السُّنة والجَماعة الخَالص.

مفاهيم منحرفة:

 شذوذات فقهية:

وقد بَيّنّا معنى هذا التَجْديد المُحْدَثِ وأظهرنا عَوار مَفاهيمه في مَقالات عَديدة يمكن الرجوع اليها في المقالات التالية:

http://www.tariqabdelhaleem.com/new/Artical-449 - محمد سليم العوا .. والتسوية بين الإسلام والشرك

http://www.tariqabdelhaleem.com/new/Artical-1444 - د سليم العوا .. بين الشرع والقانون

http://www.tariqabdelhaleem.com/new/Artical-1206 - مفهوم قبول التعددية .. وإتباع المتشابهات

http://www.tariqabdelhaleem.com/new/Artical-462 - أزمة تطويع المفاهيم  في ظل الفكر الإسلاميّ الحديث

http://www.tariqabdelhaleem.com/new/Artical-461  - محمد عمارة في ركب أرباب المواطنة

http://www.tariqabdelhaleem.com/new/Artical-460 - فتوى الريسوني وآخرين .. في تسهيل أمر الردة عن الدين

http://www.tariqabdelhaleem.com/new/Artical-456 - إسلام جديدٌ .. أم تجديد في الإسلام؟  

http://www.tariqabdelhaleem.com/new/Artical-455 - مفهوم المواطنة بين الإسلام والعلمانية

http://www.tariqabdelhaleem.com/new/Artical-451 - مفهوم التجديد .. بين الحق والباطل

http://www.tariqabdelhaleem.com/new/Artical-440 - وإلا فقل يا زلة القدم .. في مفهوم الوسطيّة

http://www.tariqabdelhaleem.com/new/Artical-2114 - مراجعة كتاب القرضاوى"خطابنا الإسلاميّ في عصر العولمة"

http://www.tariqabdelhaleem.com/new/Artical-2533 - مراجعة كتاب محمد عمارة "الإسلام في مواجهة التحديات"

 

والله الموفق وهو الهادى للحقّ.