إزالة الصورة من الطباعة

مجلة البيان: حوار مع المفكر الإسلامي 'د. طارق عبدالحليم'

د. طارق عبد الحليم: التحق بمعهد الدراسات الإسلامية بالزمالك عام 1971م، ثم انخرط في العمل الإسلامي ورافق عدداً من الدعاة، وألَّف عدداً من الكتب في العقيدة والأصول، غادر مصر في بداية الثمانينيات، وطاف بعددٍ من البلاد العربية ثم بريطانيا. وأخيراً استقر به المقام في كندا منذ ربع قرن تقريباً؛ حيث أنشأ معهداً للدراسات الإسلامية، تخرَّج منه عدد كبير من الطلبة بالتعاون مع الجامعة الأمريكية المفتوحة. كذلك أصدر مجلة «أمة الإسلام» بالعربية والإنجليزية، وأصدر كتابَي «مفتاح الدخول إلى علم الأصول» بالعربية، و «أدعياء السلفية» بالإنجليزية.

ذكر المفكر الإسلامي الدكتور طارق عبد الحليم أن التيارات الإسلامية في مصر لا زالت في طور الخروج من القمقم، لافتاً الانتباه إلى أن كثيراً منها لا يزال يترنح من وطأة الضربات السابقة، كما أن أكثرها لا خبرة لها بالسياسة، بل معرفتها بالواقع جدُّ سطحية، وهو ما يجعلها فريسة سهلة للعلمانيين في حلبات الإعلام.

البيان: كيف تنظرون إلى الثورة المصرية بعد مرور أكثر من أربعة شهور عليها؟

لا شك أن الثورة المصرية قد قلبت موازين الحس والعقل والتصور بمشيئة الله سبحانه، وقد أثبتت أن الباطل زهوقاً وأن كيد الشيطان ضعيفاً. ولا شك أن الأمور في مصر وما حولها لن تعود إلى ما كانت عليه من قَبْل، لكنني لا أحب أن أصفها بالنجاح بعد؛ فالثورات تنجح حين تتحقق مطالبها على الأرض، والثورة المصرية لا زالت بعيدة كل البعد عن ذلك؛ فما تحقق منها أقل مما هو مأمول. وهناك كثير من القوى التي تريد لها أن تخفِق، كقوى العَلمانية اللادينية، كما أن مشكلات القبط أصبحت عبئاً عليها وعلى الشعب، بما يحيكه أقباط المهجر من مؤامرات. كذلك فإن دور الجيش ليس له ملامح ثابتة في هذه المرحلة، وسترينا الأيام إن كانت أحداث 25 يناير تمثل ثورة أم ستكون مجرد انقلاب آخر كانقلاب عام 1952م الذي كنا نسميه ثورة حتى الماضي القريب.

البيان: ما هو صدى الثورة المصرية والثورات العربية في المجتمع المسلم في كندا؟

كأي مجتمع مسلمٍ كانت البهجة عارمة، والأمل ناطحاً للسحاب. ولا زالت الجالية تترقب بشوق ما يجري في مصر من مسلسلات محاكمات الفاسدين، وبألم ما يجري على تراب ليبيا الحبيبة وما يعانيه شعبها، وكذلك الشعب السوري واليمنيُّ على أيدي الطغاة الذين لا يعتبرون بما يجرى أمام أعينهم؛ فهم له مشاهدون، ولعواقبه راصدون، لكن هؤلاء هم طواغيت الأرض وفاسقوها.

البيان: ما هي رؤيتكم لواقع التيارات الإسلامية في مصر بعد الثورة، وهل ترى أنه سيكون لها دور كبير في رسم ملامح المستقبل المصري؟

التيارات الإسلامية في مصر لا زالت في طور الخروج من القمقم، ويجب أن نعترف بأن كثيراً منها لا يزال يترنح من وطأة الضربات السابقة. كما أن أكثرها لا خبرة لها بالسياسة، بل معرفتها بالواقع جدُّ سطحيَّة، وهو ما يجعلها فريسة سهلة للعَلمانيين في حلبات الإعلام، كما أنهم لم ينظِّروا لهذه المرحلة؛ ولذلك تجد كثيراً من التضارب بين آرائهم قبل الثورة وبعدها، وهو ما يَجعل العلمانيين يهاجمونهم ويصفونهم بالنفاق للثورة بعد تمامها، وهو أمر يجب أن تتخلص منه هذه الجماعات بأسرع وقت ممكن، وأن تخرج للناس باتجاه واحدٍ: إما اعترافاً بخطأ في السابق، أو بالرجوع عن الحقل السياسيِّ بكامله إخلاصاً لفتاويهم. كذلك فإن بعضهم لا يزال لم ينظم نفسه، ولم يختر طريقاً للعمل العلني بعد، وذلك بعد فترة كمونٍ دامت عقوداً. والأكثر تنظيماً هم الإخوان المسلمون إن طرحنا الصوفية جانباً؛ فهم الأكثر قدرة على التأثير في الأحداث اليوم، وهو ما قد يقلق بعض التيارات الإسلامية، التي وإن ناصرتهم على الجملة، إلا أنها تختلف معهم مظهراً وحركة. وهذه التيارات مجتمعة تمثل قوة هائلة للتأثير على سير الحياة السياسية في مصر. إلا إننا يجب أن نذكر أن غالب الشعب المسلم لا ينتمي لأيٍّ من هذه الجماعات، لكنه مسلم مُحِب لدينه كما ظهر من نتيجة الاستفتاء؛ إذ لا يدَّع أحدٌ أن نسبة 78% كانت من المنتمين للتيارات الإسلامية. إذن أعتقد أنَّ التحدي الأكبر أمام الحركات الإسلامية الآن ليس في العمل السياسي؛ بل هو في الهم الدعوي؛ فيجب على هذه الحركات أن تنسى أنها «حركات» كما كانت أيام الطاغية، وتعود مجموعةً من الدعاة العاملين معاً في سبيل هداية الناس، ومن ثَمَّ إعلاء كلمة الإسلام، لا العكس. هذا هو التحدي الأكبر.

البيان: ما هي النصيحة التي تود توجيهها للقوى الإسلامية؛ سواء في مصر أو تونس؟

كما ذكرت، يجب أن تبدأ هذه الحركات بالتقارب مع الشعب المسلم، وحمل الدعوة إليهم، دون السعي إلى اشتراط «الولاء للجماعة» أو «البيعة» أو مثل هذه المفاهيم التي تجوز شرعاً في عهود الطغيان، والتي لا تجدي نفعاً الآن إلا في خلق حدود نفسية بين الدعاةِ وبين الناس الذين هم مادة الدعوة. التنظيم ضروري للدعوة؛ لكن الدعوة لا تعمل لصالح التنظيم.

البيان: بالنسبة للقلق الذي تبديه بعض الدوائر في أوروبا وأمريكا من قوة الإسلاميين في مصر بعد الثورة، هل هذه الهواجس موجودة في كندا؛ سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي؟

هذه الهواجس من الإسلام عامة موجـودة في الغـرب على الـدوام، وهـي - أساساً - موجودة على المستوى الرسمي الكاره للإسلام، ومن ثَمَّ في الإعلام، الذي ينتقل أثره إلى المستوى الشعبي. أما عن الثورة المصرية فالتخوف منها والكره لها يأتي على المستوى الرسمي؛ إذ إن رئيس وزراء كندا، ستيفن هاربر، ينتمي إلى اليمين المسيحي المتطرف، وهو تلميذ وفيٌّ للرئيس الأمريكي السابق (جورج بوش الابن). أما على المستوى الشعبي، فالناس في دهشة وإعجابٍ بما حدث في مصر، بل يضربون بها المثل اليوم في التحرر والحق.

البيان: يرى بعض المراقبين أن الغرب لا يريد حكماً إسلامياً في مصر، وفي الوقت نفسه تؤكد المعطيات أن حركة الإخوان المسلمين هي الأكثر تنظيماً من أي تيار سياسي آخر ومن ثَمَّ فإنها تستطيع أن تحقق مكاسب هائلة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة، ما تعليقكم؟

حقيقة لا يجب أن نلقيَ أي بال لما يريده الغرب بنا أو لنا، والإخوان أو غيرهم من المسلمين في مصر يجب أن ينطلقوا في طريقهم للحكم ولإقامة الإسلام (عدلاً ورحمة وهداية) دون النظر إلى الغرب. وهذا في حقيقة الأمر ما يقلق من بعض التيارات الإسلامية أنها تعمل حساباً ليس للغرب فحسب، بل لأي قوة داخلية أو خارجية معارضة للإسلام، وهو ما يجعلها تخرج بفتاوى تحاول بها التلاؤم مع هذه القوى، أو بالتلاعب في المفاهيم الثابتة بما يقدح في الشريعة.

البيان: هل أكذوبة الاضطهاد الديني في مصر التي يروج لها أقباط المهجر في أوروبا وأمريكا تجد رواجاً من قِبَل المنظمات المسيحية في كندا؟

بالطبع، فإن لهؤلاء نشاطاً كبيراً في كندا، والكنيسة القبطية في كندا هي أكبر الكنائس القبطية في القارة الأمريكية، وتدعم النشاط القبطي المهجـري؛ لكـن لا يعني هذا أنَّ كافة الأقباط المصريين هنا يكرهون المسلمين أو يخونون مصر، لكنهم مضلَّلون من قبلِ الكنيسة كما هو الحال في مصر.

البيان: نريد منكم إعطاءنا نبذة عن واقع الحركات الإسلامية في كندا. وكيفية تعامل السلطات معها؟

لا أعتقد أن الحركات الإسلامية هنا تختلف عنها في عالمنا العربي، لكن الفارق الرئيسي هو أن عمل الجماعات هنا يختلف في طبيعته عن عملها هناك؛ إذ هي هنا - إلى حدٍّ كبير - تنظيمات اجتماعية، مثل: الإسنا والإكنا (ISNAICNA)، أو العديد من المراكز الإسلامية التي تقدِّم خدماتٍ تعليميةٍ أو اجتماعية أو دعوية، بالصلاة وجمع الصدقات، والتواصل مع الأهل بالبلاد.

والسلطات هنا تعرف أن هذه التجمعات لا خطر منها؛ لكنها إذ تريد ترويج أجندة خاصة بها، فإنها تراقب هذه المراكز بصفة دائمة عن طريق تجنيد عدد من ساقطي الديانة ممن يتسمَّون بأسماء المسلمين؛ حيث يندسون بين الناس في هذه المراكز، ثم يبعثوا بالتقارير التي يؤجرونها عنهم بالقطعة. وهم يتعللوا في هذا التضييق بما افتعلوه مما عرف بقضية الإرهاب (Torornto 18)، التي حكم فيها على عدد من شباب المسلمين بأحكام تتراوح بين 8 سنوات والمؤبد.

وما كان هذا إلا بفعل جاسوس من هؤلاء اندسَّ بين الشباب وزين لهم الحديث والتخطيط، وهم غافلون عن أنها مَصيدة مدبَّرة. هكذا تحاول السلطات أن تضيق على المسلمين في هذا الصدد، كما تحاول التضييق عليهم في تصاريح بناء المدارس الإسلامية أو المراكز، وإن كان القانون عادة ما تكون له الكلمة الأخيرة.