إزالة الصورة من الطباعة

الإسلام ... وعمرو خالد

تصدّرت الصحف المصرية هذا الأسبوع أخبار عودة عمرو خالد إلى مصر لممارسة الدعوة. وقد سارع العلمانيون بشجب هذا الخبر حيث أنّ الطابع السياسيّ الأمنيّ واضحٌ في السماح له بالعودة للدعوة في محفل المحجوب، مرشح الحزب الوطنيّ. وهذا التكتيك ليس بغريب على النظام المُتَحَكِّم في مصر، فالمنع والسماح لأمر من الأمور يتعلق بما فيه مصلحة الطُغمة الحاكمة القابعة على صدر الأمة منذ عقود. لكن لم أرَ بعدُ تعليقاً للإسلاميين على هذا الخبر.

الأمر – يا سادة – بالنسبة للمسلمين، ليس أمر خيانة الديموقراطية، أو إغتيال الفرصة المتكافئة من قِبَلِ النظام المُتَحَكِّم، فذا أمرٌ قد إستقرت على معرفته وقبوله كافة الأطياف السياسية، بما فيها الإخوان، لكن الأمر في هذا الخبر هو ما ستعانيه الدعوة الإسلامية من هذا الرجل الذي يلقى بالكلام على عواهِنه، دون أي خلفية علمية شرعية، ويبتسِر الإسلام ويختزلَه إلى بعض مركبَاتِه، ويتجنب أساسيات الدين، دون تصريح بها أو تلميح.

الإسلام الذي دعا اليه عمرو خالد ليس تبسيطا أو تحديثا للخطاب الإسلاميّ، بل هو تبديلٌ وتحريفٌ واضح له. ومن أهم المهم أن يفهم القارئ أن التبديل لا يكون برفع آيات وحذفها كما يتوهم البعض، بل يكون بإهمال آيات وتجنّبها، أو بتأويلها وإخراجها عن مفهومها. والأول قد فعلته اليهود في آيات الزنا، كما حكَت السنّة، والثاني كما فعلت الصوفية البهاليل لممارسة الرقص والخبال الذي يفعلونه، والرافضة المجوس في تأويل الآيات لسَبّ الصحابة وتأليه الأئمة.

الإسلام الذي يدعو اليه عمرو خالد إسلامٌ قاصرٌ مستأنسٌ، لا يهتمُ إلا بالجانب الإخلاقيّ والماديّ في حياة الإنسان. فهو يدعو للعمل والنجاح وبناء الخلق، وهو قاسمٌ مشترك بين كافة الدعوات الدينيّة واللادينيّة على السواء. ليس هناك أيديولوجية على الأرض تدعو لإهمال العمل والتحلى بالبطالة، اللهم إلا ثقافة الصوفية البهاليل وبعض فرق البوذية، فما الذي يربط دعوة عمرو خالد بالإسلام خاصة؟

الرجل يتنكر لقضية التحاكم برمَتها، فهو غيرُ معنىّ بالشريعة ولا بتطبيقها، بل هو قابلٌ بما هو كائن، لا يخلط الدين بالسياسة – كما يُحبّ الأمريكان والنظام المُتَحَكِّم أن يروا الإسلام. الرجل يختصِر الجهادَ على معنى الجهاد لتحسين الأحوال المعيشية، ويوحّد بين الأديان في منظومة إنسانية واحدة، وهوما يشترك فيه مع محمد سليم العوا وسائرِ مدرسة الوَسَطيّة المُحرَّفة. ثم الرجل لا يعادى مبتدعاً، فهو أساساً لا يعرف معنى البدعة ولا يتحدث عنها.  

ثم كان من جرّاء الحديث بلا علم ولا هدى من القرآن والسنّة، أن تناثرت الأقوال التي يأباها الحسّ الإسلاميّ وينكرها الشرع من فم هذا الرجل، فسمى الرسول بالفشل في رحلة الطائف، وتجرّأ على الأنبياء بل وخاطب ربّ العزة بما لا يليق حين قال في دعائة بخطبته الأخيرة "اللى بالى بالك"! والله ليس له بال كبال هذا المبتدع الرويبضة.

وظاهرة هذا الرجل ليست من جراء قصوره وجهله فقط، بل تعاون عليها فريقان، الأول هم الدعاة إلى الله الذين قصّروا في شرح الإسلام كما أُنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواءاً تقصيراً أو رهبة من النظام المُتَحَكِّم، وثانيهما هذا الجيل من محبيه ومريديه الذين لم يهمهم أن يميزوا بين دعوة الحق وتلك الدعوة القاصرة المبتسرة التي تحرّف الإسلام وتختزله وتجعله مطيّة لأغراض الصليبيين والصهاينة.

الأمر ليس أمر الدعوة باسم الإسلام، بل هو أمر الدعوة للإسلام، على حقيقته، متكاملاً شاملاً، تشريعاً وتحكيماً وجهاداً وأخلاقاً. الأمر ليس أمر تبسيط وتقريب يُشوّه الإسلام ويبدّله، بل هو أمر تبسيط وتقريب يتناول كلّ حقائق الإسلام بلا تعقيد ولا سفسطة، لكن بما يحافظ على شموليته وعموميته ولغته العربية التي يقتلها عمرو خالد في كلّ خُطبَة من خُطَبِه.

ولو تبدل أسلوب عمرو ومضمون دعوته، لكنّا أول المناصرين له، ولكن ما يفعله بالإسلام، باسم الإسلام، هو ما لا يَصِح أن يَسكُت عليه داعية أو عاميّ يعرف لله وكتابه ورسله حقاً.