في مُحاضرةٍ بمسجد رابعة العدوية بالقاهرة، أعلن د. سليم العوا أنه لامانع من تولّى القبطيّ الحكم، لأنه ليس في الدُستور المصريّ ما يمنعُ من ذلك (عن مفكرة الإسلام). ووالله لقد عَيِيتُ في إكتِنَاهِ خبيئة هذا الرجل الذي يُعتبر "مُفكراً إسلاميّاً". وأمرُ هذه المُعْضِلة الأخيرة ليس في أنّ د. العوا يرى السَماحَ للقبط بتولى الحُكم، فهذا أمر قد يقعُ قضَاءاً وقهراً على المسلمين، وتكون ولايةُ النصرانيِّ فيه ولايةُ قـَهر، لكن المُعْضِلة في أنه برّر ذلك بأن الدُستورَ المصريّ ليس فيه ما يمنع من ذلك! فالدكتور العوا يُعلن صَرَاحة أنّ مَرجِعِيتَه هي الدُستور المصريّ لا الشريعة الإسلامية، كما ذكر من قبل فيما ضَرَبَ من مَثَلٍ أن السَارق لا يَحلّ له الإعتراض على السجن لأن القانون يَنُصّ على ذلك، لا الشريعة.
وهذ الزعم، وذلك التعليل لا يَصلحانِ إلا في حالةٍ واحدةٍ، أن يكون القائل بهما، أي بجوازِ تولى النَصرانيّ الحُكم بزعمِ أنّ الدستورَ لا يَمنع من ذلك، يَقصُد الإخْبار لا الإنشاء، أي أنه في حالة الدولة اللادينية التي تَحْكُم مصر الآن، والتي تَعْتبَر أن الشريعة المَصْدر الرئيسّ، لا الوحيد، للقوانين، إلى جانب مَصَادر أخرى، فإنه ليس هناك ما يمنع من حدوث هذا التَصَوّر، فهو تقرير لا تبرير. إلا إنّ هذا لا يستقيم مع سياقَ المناسباتِ التي لم يفتأ يتراجع فيها العوا أمامَ القَبط، مُحاولةً لإسترْضَائِهِم بعد قوْلة الحقّ التي أجراها الله على لسانِه في مُداخَلتِه ببرنامج تِلفازيّ.
وقد يقول قائلٌ أنّ الدُستورَ ينصّ على أنّ الشريعةَ الإسلاميةَ هي المَصدرُ الرئيسُ للتشريع، ومن ثمّ فإن المَرجِعية الدستوريّة هي مَرجعية للشريعة. لكنّ هذا جَدَلٌ بغيضٌ ولَجَاجةٌ باطلةٌ. فإن الدستورَ، في النظرِ الإسلاميِّ، يكتَسبُ شَرعيتَه ومَرجِعيتَه من الشريعة، لا العكس، وهما لا يستويان إلا عند من نَفَضَ اليد من الشَريعة أصْلاً وإتْخَذ العِلمانية مَرْجِعاً. ولو زعم د. سليم العوا أنّ الشَريعة لا ترى بأساً بتعيين النصرانيّ رئيساً للدولة، لجَادلناه وإعتبرنَاه شُذوذاً فقهياً، لكنْ أن يُخْضِع الشريعة لمَرجِعِيّة الدُستور، فهو، كما ذَكرتُ، ليس مما يُنظر اليه نظرة عابرة، أو يُمرُّ به مُرورَ الكرام.
ود. سليم العوا قادرٌ على أنّ يبيّن ما يقول، وأن يضَعَ النقاطَ على الحروفِ، فإن كان يرى شَرعية النظام القائم، وتلاؤم القانون مع الشريعة، وأنّ القانون المصري ليس قانوناً وضعياً، بل هو قانونٌ شرعيّ، وهو غالباً رأيه الذي عبّر عنه من قبل من أنّ القوانين المصرية تتلائم مع الشريعة إلا في خمسة أحكام لا غير! فنتساءل: أين إذن ما نَطَق به كِبَارُ المسؤولين – بَلْهَ ما فعلوا، من أنّ الدولة عِلمانية، وأن لا دخل للدين بالدولة، وأن مصر دولة "مَدَنِيِّة" كما صرّح هِطْلُهُم (الهِطْلُ بكسر الهاء وسكون اللام: الرجلُ الأحمقُ) في خطبةٍ له، والتي قصد فيها بالمَدَنيِّة أنها "علمانية لا دينية"، تمويهاً وتزييفاً، ومحاربة الدولة لكلّ ما هو إسلاميّ بشكل يفوق حَرب نصارى الغرب على الإسلام بمراحل. أيُقَال مع كُلّ هذا أن الدولة إسلامية؟ نعم غَالب سُكانِها من المسلمين، ولكن نظام حُكمها عِلمانيّ مارق بإعتراف القائمين عليه، لا يشك في ذلك من عنده ذرة من معرفة بالله وفهم لسُنّة رَسوله صلى الله عليه وسلم.
ثم، ما أفتى به من أن الفرضَ على المَسلم أن يَخرج لنصرَة القبط والدفاعِ عنهم إن هاجَمهم مُهاجمٌ، إبراءاً لذمّة الله ورَسولِه، صحيحُ إن حفِظوا العَهد والتزموا الأمَانة، لكن لا أعرف أين يعيش العوا – هداه الله – وهو يعلم ما تفعله القَبَطُ من أسْرِ المُسلماتِ وتجهيزَ المليشيات، والتعدى على القرآن بدعوى التحريف! وقد قرر الغزاليّ في معنى الذمّة أنه "التزام غير المسلمين في ديارنا وحمايتهم، والذب عنهم، ببذل الجزية والاستسلام من جهتهم" فأين عقاب هذه الفِعَال، ومن الذي يخفُر ذِمّة الله ورسوله، وكيف يمكن أن نفهم هذا التآمُر في ظل عهد الذمّة، أو حتى المواطنة؟
وقد صرّح سليم العوا من قبل بأنّه مع الرأي القائل أنّ الذمّة سَقطتْ منذ سُقوط الخلافةِ الإسلاميةِ، وأنها، كعقدٍ، قد انقَضى بإنقضاءِ أحد طرفيه وهو الخلافةِ الإسلاميةِ. كذلك أنّه في ظلّ الأوضاع القائمة، وحتى في حالة رُجوع الدولة الإسلامية، لا يلزم إعادة عَقد الذمّة، بل يُمكن إستبدالَه بالمواطنة. وهذا الإستدلال عليه إشكالات عديدة، إذ يفتَرِضُ أنّ سُقوطَ الخلافةِ الإسلاميةِ يبطلُ صِحة عقد الذمّة، مع أنّ الخلافةِ الإسلامية، في تصَوّر العوا ومن سار سَيْرَه، قد إستُبدِلت بِأجزائها كمصر وسوريا وسائر بلادها في المَشرِق والمَغرِب، والتي يُفترضُ أنها لا تزال إسلامية، ومن ثمّ تسري فيها العقود والمواثيق سواءً بوجود الدولة المركزية أم لا. إلا إن إعتبرنا سقوط الهوية الإسلامية عن أجزاء الخلافة كلية بسقوط حكومتها المركزية، وهو ما يدافعه العوا، وفريقُ المُواطَنة والوَسَطيّة، مُدافعة مُستميتة! ويدمغون هذه الأنظمة كلها بالشَرعيّة الإسْلاميّة، فمن أين جاءت هذه الشَرعيّة إلا إن كانت قد استُصْحِبت أصلاً من دولة الخلافة، فإن استُصْحِبَ أصلُ الشَرعيّة، جرى حكم الصحة والإستصْحاب على عقودها ومواثيقها. كذلك فإن عقد الذمّة عقدّ دائم لا يَسْقط، كما قرر أئمة الفِقه الإسلاميّ، فإن تعلّق فرَضاً بسقوطِ الدولة الإسلامية، فيجب أن يُسْتأنف عند عودتها، لصالح أهل الذمة، حتى لا يَجورَ عليهم المسلمون في إقامتهم.
ولأجل هذه الإشْكَالات، ذهب العوا وفريقُ المُواطَنَة والوَسَطيّة إلى اللجوء إلى الإستدلال بأنّ سقوطَ الخلافةِ أنهى عقد الذمّة، وأنه لا يُشْترط إستئنافه في أجزاء الدولةِ الساقِطَة، وأن عقد الذمّة أصلاً لايلزَم توقيعه مع أهل الكتاب من المقيمين في بلاد المسلمين، وإنما يمكن إستبدالَه بالمُواطَنة التي لا يَلزم فيها جزية ولا يُفرّق فيها بين مسلم ومشرك، وبهذا يعيش الناس سُعداء آمنين إلى يوم الدين! وهذا الإستدلال أوضَح تهافتاّ من أنّ أقرّر أنه محضُ إفتآت على السّنةِ الواضحة وإجماع المسلمين، وهو إنما يَخْدِم غَرَضَ إقرار الواقعِ، وإيجاد اللباسِ الشرعيِّ لستر عَورَة النُظُمِ المُتَحَكِمَة.
ويُمكن للعوا، وفريقِ المُواطَنة والوَسَطيّة، أن يتعلّق في فتواه بحلّ تولى النصْراني الحكم، بمفهوم المُواطَنة الذي يسوى بين المواطنين دون تمييز لدين على دين، لكن هيهات أن يَخْلُصَ له هذا المفهوم الزائف، أو أنْ يستقيم له تسلسل إستدلالاته، لما فيها من إضطرابٍ أشعثٍ، وخلطٍ عبيثٍ.
والدكتور العوا عنده الكثير من العلم الذي يمكن أن يفيد الإسلام في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه، إن هداه الله إلى صِراط السُنّة، وشَفاهُ من مفهوم التَجْديدِ المنْحرفِ، وأن لا يكون عَضُداً للنُظُم المُتَحَكِمَة، والتي ينتقدُها في مواضع أخرى من كلامه.
"إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَبَيَّنُوا۟ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ، وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ" البقرة 160
www.tariqabdelhaleem.com