فضح العرورية العوادية

    وسائل الإعلام

      مقالات وأبحاث متنوعة

      البحث

      اللسان العربي والمنهج العلمي ... صرْعى الحاضر!

      اللسان العربي والمنهج العلمي ... صرْعى الحاضر!

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد

      أتاحت لي الأيام القليلة الماضية، التي أمضيتُها متحللاً من عبء النت، متخففاً من متطلباته، التي لا تكاد تنتهى، أن أقرأ كتاباً، كانت نفسي تنازعني لقراءته منذ سنوات. وكنت كلما عقدت العزم على أن أبدأ فيه، منعني منه عنوانه "المخيف"، فأتردد ثم أحجم، وأقرر إرجاء قراءته إلى أن تسنح لي فرصة أفضل!

      وكان أن أنهيت الكتاب، وعرفت كثيراً مما غاب عنى زمناً، ووددت لو تمتعت بقراءته منذ دهر طويل. وهذا الكتاب الذي أعنيه هو "نمط صعبٌ .. ونمطٌ مخيف" لعملاق اللسان العربي في عصرنا هذا، وأحد قممه السامقة في كل العصور، أبي فهر محمود محمد شاكر، رحمه الله تعالى.

      وقبل أن أشرع في بيان عما قصدت إلى الحديث عنه في الكتاب، أود أن أقول كلمة، لابد منها، على ما فيها يأس متملك، وحزن مستغرِق.

      ما الذي جرى للسان العربيّ، الذي نزلت به معجزة الإسلام الخالدة، القرآن؟ ما الذي أودى بالناس إلى ظلمات الجهل بلسانهم، لا لحناً أو ترخّصا، بل انحرافاً واستقلالاً عنه تمام الاستقلال، فلا هو من لساننا في شئ، ولسنا من منطِقه في شئ؟

      ما الذي اغتال لغتنا العربية، وذبحها بسكين العامية الساقطة، حتى عيي الناس عن التعبير الصحيح، فصاروا هم والبكم سواء؟ ما هذه الهوة الساحقة التي شُقَّت بيننا وبين لساننا، حتى أنكرناه أشد الإنكار، بل وتبارينا في إنكاره بتبني ألسنة ساقطة، غريبة عنا، ليست منا ولا نحن منها؟ فتركتنا كموتى اللسان، ليس فيه حياة تُعتبر، وتركنا كما قال ذي الرمة[1]

      حيّ الشَهيق، ميّتُ الأوصال!

      لكن، ما علينا، فهذا قدرُنا، وقدر أجيال سبقتنا، وأجيالٍ ستلحق بنا، يعلم الله كيف سيكون حديثها بعضها مع بعض، وعلى أيّ قدرٍ من التدني سيكون تواصلها، وأي معين ناضب سيغصبون منه قطرات لا تعينهم إلا على حمل أدنى المعاني الضرورية الحيوانية يتبادلونها بمشقة وعسر.

      أما عن كتاب عملاقنا، فقد عرفت سرّ عنوانه الغريب، في بعض صفحات من مقاله الأول، وهو منتزعٌ من وصف للبكريّ في شرحه للقصيدة، حيث وصف بحرها "المديد" بأنه "نمطٌ صعب". وأما "نمطٌ مخيف" فعنى به ما قاله يحي حقي في حقِّ ترجمة جوته للقصيدة وإعادة ترتيبها، فزاد في المدح، وكأن أحداً من أهل اللسان العربيّ الأصيل لا يصل إلى سامق ما قدمه جوته!  ثم أظنه عنى بالمفردتين استخدام الشاعر بحر "المديد الأول"على ما في هذا البحر من صعوبة، جعلته نادر الاستعمال في شعر الجاهليين والإسلاميين جميعا، مع ما فيه من وَقْعٍ متراحب ونغم متجاذب، فتجد الألفاظ مرصوفة فيه رصفاً متأنقاً يسرع بك حينا، ويتئدُ حينا آخر، لكن لا يقدر عليه إلا الأفذاذ.

      ويشرح عملاقنا سبب صعوبة هذا البحر، واستعصائه على الكثير من الشعراء، حتى وصفه البعض "بالنمط الصعب"، والذي تلجأه إليه تفعيلاته، "فيبدأ بأناة وبطئ، لتتابع سببين[2] خفيفين، ثم إلى سعيّ وعجلة بعمل الوتد[3]، ثم البطء والأناة مرة أخرى، ثم يسرع به الترفيل[4]، ثم يدخل في الأناة والبطء، ثم السعي والعجلة، ثم يكف عنه الوتد، ثم يدخل في بطء وأناة، وتردد وإحجام وانبعاث... وهذا الذي حاولت أن أصفه بالعبارة، يُفشي في نغم المديد، قلقا وحيرة، وبسطاً وقبضاً، تتابع كلها في خلاله دراكا، فتشدّ إليها المتغنّي به المترنم، وتكبح من غلوائه، كلما أوشك أن يُسرع أو يسترسل حتى يُذعن ويتّئد"[5]

      والقصيدة مطلعها

      إنَّ بالشّعْبِ الذي دون سَلْعٍ   لَقَتِيلاً، دَمُهُ لا يُطَلُّ[6]

      وكان ما استفز عملاقنا للكتابة في شرح هذه القصيدة، هو ما كتبه يحي حقي الأديب البارع وقتها في تقريظ ترجمة "جوتة" للقصيدة، كما ذكرنا، ومحاولته إعادة ترتيب أبياتها، فجاء بما لم يرضه عملاقنا للعربية وللسان العرب، ولا لابن أخت تأبط شرّاَ،كاتب القصيدة!

      وحتى يبيّن عملاقنا، كيف يجب أن تُفهم القصيدة التي اختار أن ينسبها لإبن أخت "تأبط شراً"، لا لتأبط شراً نفسه، كما فعل كثير من شرّاح الشعر ونقاده، كأبي تمام والجوهري، أو من ذكر تلك النسبة بلغة تمريض، كالجاحظ والمعري، أقول، حتى يبيّن عملاقنا، كيف يجب أن تُفهم القصيدة، كان لابد له من أمرين، أحسن فيهما أشد الإحسان وبرع فيهما أشد البراعة، أولهما شرحه لمبادئ علم "العروض"، ودوائر الخليل الخمس وبحوره الخمسة عشر، موضحاً، كيف تكتب تفعيلات تلك البحور، وأين يقع منها "السبب" "والوتد" و"الجزء"، وأوضح ببيان ساحرٍ أنواع كلّ منها، وتركيب البحور من اختلاف أوضاع أسبابها مع أوتادها، ونسبة بعضها إلى بعض[7].

      والعجيب، الذي سترتفع له حواجب الصغار من أبناء جيلنا، كيف بنى الخليل بن أحمد الفراهيديّ، واضع هذا العلم، وصنّف أسبابه وأوتاده، على لغة رياضية كلغة الحاسوب، الصفر والواحد Binary system، أي 00، أو 0 1، أو 100، أو 010، وهكذا! وهو بناء علم العروض كله، وموقع بحور الشعر منه. ثم صبّ حسبه كل شعر الجاهلية وصدر الإسلام، أو غالبهما، فلم يفلت منه شيئا، ولم ينبُ عن عروضه منها شئ! فياله من رجل، هذا الخليل بن أحمد، أي عقل وأيّ عبقرية؟ كما تعجّب عملاقنا من ذاك الفذّ.

      ولست بصدد الحديث عن علم العروض كما شرحه عملاقنا، أو كما هو مشروح في العقد الفريد أو غيره، فهو كله مثبتٌ متاح للقارئ هناك، ثم إني لست بأهل لأن استقل بالحديث فيه. لكن أردتُ أن أنوه بأن هذا العلم، مع غالب علوم اللسان، فد اضمحلت واندثرت في عقول أجيالنا بشكلٍ تام، حتى أصبحوا ينظرون فيها، إن نظروا بطريق الخطأ، لا بقصد النظر طبعاً! وكأنهم ينظرون في كتب مدونة بلغة سريانية أو هيروغليفية!، لغة مبتوتة الصلة بلسانهم الأصيل الذي كان من الواجب أن يلهجوا في حديثهم به، فإذا بهم يلهجون بوعورته وتأبّيه على لسانهم الغريب، بل ويمتعضون منه، وممن يدفعهم للنظر فيه، بل ويتهمونه بالعجز والقصور وعدم مسايرة العصر! وتالله إن هذا لظلمٌ عظيم، ظلموا به أنفسهم، قبل أن يظلموا به لسان العرب.

      ثم الأمر الثاني الذي يهمني هنا، في حديثي عن هذا الكتاب، هو ذلك "المنهج" الذي وضعه عملاقنا، للنظر في الشعر بعامة، والشعر الجاهليّ وصدر الإسلام خاصة. وجاء اهتمامي هذا لأجل أمرين:

      أولهما، بيان أن لكل علم منهج، لا يصلح أن يقوم بناؤه، وأن تُشيّد أركانه دون اتباع منهجه، والسير على خطواته، بلا  انحراف أوتقصير. والتزام الدارس بالمنهج، معيار نجاحه في الوصول إلى مبتغاه، وقدر إخلاله به، قدر بعده عن الوصول لما قصد اليه، بل إلى تشويه العلم الذي يدّعي البراعة أو التجديد فيه.

      فالنظر في الشريعة له منهج يسير عليه المُستدلّ، كي يضبط فكره فلا يأتي بزلاتٍ تلقي به، وبمن يقرأ له، في ظلمات البدعة أو الكفر والعياذ بالله تعالى. وهو ما حاولت تقديمه، ما استطعت، وما وفقني فيه ربي، وأن أضع له أساساً جامعاً في بحثي الأخير عن "منهج النظر والاستدلال عند أهل السنة والجماعة".

      ثم النظر في العلوم عامة، فإن لكل علم منهجاً يسير عليه باحثه، بل لأساس العلوم كلها منهجا، هو، بالنسبة للغرب ما وضعه ديكارت في "مقال في المنهج"، ثم ما أضافه من جاء بعده.

      لكن، ما شحذ نفسي، في أثناء مطالعتي لكتاب عملاقنا، هو المنهج الذي وضعه لدارس شعر الجاهليّة وصدر الإسلام، وقُرْبه، في طريقته التي اختطها، لما في منهج النظر في الشريعة.

      وبيان تلك الجملة، أن النظر في الشريعة يرجع إلى أمرين، كما ذكرنا في بحثنا نقلاً عن الشاطبي وغيره، أولهما العلم بمقاصد الشريعة، والعلم باللسان العربي، في مفردات ألفاظه وتراكيبها، وحسب ما كان أهل الجاهلية الأعراب يستخدمونه في بيئتهم.

      ثم أرجعنا النظر إلى أمور ثلاثة، الفطرة والعقل والقواعد الشرعية.

      فإذا نظرنا إلى المنهج الذي وضعه عملاقنا للنظر في الشعر العربي [8]، وجدناه قد أجمله في أربعة مناحٍ، تجتمع على أمرين:

      أولهما التذوق للشعر، وهو حاسة فطرية، تولد مع مولد المرء، ولا تنشأ فيه بعد ولادته، وإن كان هناك مجال للتحسين والارتقاء. والتذوق هو رؤية النفس للنغم والترنيم الذي تتراقص عليه أبيات الشعر، ويناسب حالها حزناً وفرحاً، رضاً وغضباً، مؤالفة ومخالفة، غراماً وانتقاماً، على أيّ من تقلب حالات النفس التي ترى ذلك التناغم، كما ترى العين مشاهدها، وكما تسمع الأذن رناتها .  

      ذلك التذوق هو حس الفطرة الذي إن فُقد أو فسد، كان الشعر له كأخبار الصحف، يقرأُه فلا يعرف فيه إلا كلمات متراصة، لا تمسّ فيه شعوراً ولا تثير لوعة، ولا تهز وجداناً. ولعل إسم "الشعر"، ومقاربته لإسم "الشعور" فيه بعض ما قصدت إليه، دون تطويل.

      وثانيهما، هو تلك البيئة النفسية والاجتماعية والمرحلة العقلية، التي كان يعيشها العرب في جاهليتهم، والتي، وإن تبدّلت بعد الاسلام ولا شك، إلا أن الكثير من عوائدها وعمل بيئتها، كانت لا تزال حية بينهم، وهم أحياء بينها. فكان فهم تلك البيئة وعقليتها وعاداتها، وقواعدها التي اختطها لنفسها، قبل ورود الشرع، هو ما ينبت منه شعر الشاعر، في قبيلته أو في قومه وأهله، واصفاً لحدث يمر به حينها، فينسج صورته نغماً، يحمّله ما ناسب الحدث من عادات قومه ومنازع فكرهم، وطبائع بيئتهم. وكلما ارتفع فيك الحس والفهم، فإنك تكاد ترى القوم في مضاربهم، وعلى خيلهم، يُغيرون ويأسرون، ثم يفتخرون أو يتهاجون، أو يُفجعون فينتقمون، كما هو الحال في قصيدة ابن أخت تأبط شراً، الذي كتبها، لوعة على قتل هذيلٍ لخاله، ثم عزمه على الانتقام من هزيلٍ، والأخذ بثأر خاله، ثم إعداده لذلك مع بعض رفقته ممن تحملهم الشهامة على الموت في سبيلها، ثم الثأر ومشهد القوم صرعى، ثم شفاء النفس، والعودة إلى مضاربه في بني فهْم، بعد أن احتسى قدحا من الخمر التي حرّمها على نفسه حتى لا تثنيه عن الأخذ بثأر خاله، فإذا بالقدح هذا يكاد يحييه بعد مشقة بالغة، فيواصل السير إلى مضاربه.

      يقول عملاقنا في كلمات عن منهجه "فإذا جاء الأمر إلى الشعر الجاهلي، فإن تمثل القصيدة لا يقتصر على مجرد معرفتنا بالألفاظ وبمعانيها، كما جاءت في كتب اللغة، بل توسُّم ما لحقها من الاسباغ والتعرية[9]، وإلى أسلوب كلّ شاعر منهم في احتياله على الإبانة الموجزة عن غوامض نفسه، وعلى الوشائج التي تتخلل الألفاظ مُركّبة في جملتها عن قصدٍ وعمدٍ وإرادة، ثم إلى ضروب من المعرفة بأحوال العرب في جاهليتها، وما كانت تأخذ وما كانت تدع من المعاني، وما كانت تألف مما يحيط بها في حياتها، في البادية وفي الحواضر، وبجمهرة الأساليب المختلفة التي يسلكها الشعراء في بناء القصيدة لبنةً لبنة، حتى يستوى بناءً قائماً منضّداً"[10]. فانظر قرب هذا من منهج النظر في الشريعة من ناحية لغتها ومعرفة بيئة أهلها الذين استقبلوها أولاً.

      أفينكرُ عليّ منكرٌ أن تتغشاني سحابة يأس وحَزَن، تهطل أمطارها دمعاً على لسان العرب، الذي فُجعنا فيه، بلا عزاء من أحد! ثم على مناهجنا التي غابت عنا، في كلّ علم وأدب، حتى صرنا كمن يبحر في محيط هادرٍ بلا بوْصلة، ولا شراع؟

      ثم المعذرة عن الإطالة، فإنها لم تأت عن عمد منى، لكن فرضتها جدية الموضوع وخطورة فحواه.

      والله المستعان

      د طارق عبد الحليم

      5 يوليو 2019 – 2 ذو القعدة 1440

       

      [1]  نمط صعب ونمط مخيف ص 204

      [2] السبب الخفيف في العروض هو وقوع حرفٌ متحرك يتبعه ساكن، بصيغة (10) مثل حرف مِن أو عَنْ أو لَنْ، متحرك فساكن.

      [3]  الوتد إما مجموع وهو ثلاثة أحرف متحركان وساكن (011) مثل عَلَى و إِلِى، ووتد مفروق وهو ثلاثة أحرف أحدها ساكن بين متحركين، (101) مثل أَيْنَ أو كَيْفِ. والأسباب والأوتاد هي أجزاء التفاعيل التي يقوم عليها بيت الشعر، والمقصود بها ضبط ميزان النغم.

      [4] الترفيل، وهو من علل الزيادة، هو زيادة سبب خفيف على وتد مجموع، وسنقدم بيتاً أبسط في الإبانة عن تقطيعات بحر المديد،

      فاعلاتن فاعْلُن فاعلاتن      فاعلاتن فاعْلُن فاعلاتن

      وفاعلاتن هي ترفيلٌ أصله على وزن فاعلن، فزيد عليها سبب خفيف، وهو متحرك يتبعه ساكن، فيصبح فاعل "ات" ن، فالسبب الخفيف هو "اَتْ" حرف متحرك يتبعه ساكن، فحولها من فاعلن إلى فاعلاتن. وحيث أن الأبيات الأربعة الأولى من قصيدة ابن اخت تأبط شراً، وإن مانت من المديد، إلا إنها احتوت على ما يُسمى "الزُحاف" ومن ألوانه "الخبْن" وهو حذف الساكن الثاني، فسيكون تطبيقه صعباً على القارئ، فنتخذ مثالاً من البيت التالي:

      يا لبكرٍ انشروا لي كليباً      يا لبكرٍ أين أين الفرارُ؟

      وتقطيعاته كالتالي

      يالبكرن / انشروا / لي كليبن     يالبكرن / أَيْنَ أَيْ / نلفرارو

      فتلاحظ ما ذكرنا من أنّ "يالبكرن" هي "فاعلاتن" وهي مرفّله، ثم "انْش روا" هي "فاعلن" فهي وتد محموع تبعه سبب خفيف "رُو". ومثله الشطر الثاني.

      [5]  ص 112

      [6]  سَلْع: ناحية قفراء مات فيها تأبط شراً، ويُطَّلُ، يترك هدراً لا ثمن له

      [7] وذلك في مقاله الأول، إلا أنه لم يتوسع في الحديث عن هذا العلم، حيث إنه ليس الغرض من الكتاب. فراجع "العقد الفريد" لابن عبد ربه الأندلسي، ج 5 ص 418، طبعة دار الكتاب العربيّ، بيروت، بضبط وشرح ابراهين الإبياري

      [8]  ص 121

      [9] الاسباغ والتعرية هما من فنون التصرف في تراكيب البيت الشعريّ

      [10] ص 133